أئمة العلم والهداية الإمام مجدد المائة السابعة ابن دقيق العيد رحمه الله

بقلم د/محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فالحديث عن عالم بحجم ابن دقيق العيد لا بد أن يكون كلام دقيق فهو مستودع علوم عصره جمع بين علوم الظاهر والباطن فهو في كل فن من فنون العلم تجد له رسم ونظم.
‏قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله:
“ما تكلمت بكلمة، ولا فعلت فعلًا، إلا أعددت لذلك جوابًا بين يدي الله”.

‏(فتح المغيث١/ ٩٣).
هو محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري القوصي، أبو الفتح تقي الدين، ابن دقيق العيد (25 شعبان 625هـ/31 يونيو 1122م- 21 صفر 702 هـ=5 اكتوبر 1197 م)
وهو المحدِّث والفقيه المصري، لـُقـِّب بمجدد المائة السابعة.
ولم تكن القاهرة وحدها في العصر المملوكي حاضرة العلم في مصر، ومركز الإشعاع الثقافي وملتقى العلماء والفقهاء، بل نافستها مراكز أخرى في صعيد مصر، امتلأت بالمدارس ودور الحديث، وازدانت بأعلامها من رجال الفقه والحديث واللغة والأدب،
وكانت إسنا وقوص وأسيوط وأخميم، وأسوان، ومنفلوط، تموج حركة ونشاطًا، بحلقات العلم التي تحتضنها ساحات المساجد وقاعات المدارس. ويذكر ابن دقماق المؤرخ المصري أنه كان بقوص وحدها ستة عشر مكانًا للتدريس، وبلغ من ازدهار الحركة العلمية بصعيد مصر في تلك الفترة المملوكية أن وضع الإدفوي كتابه المعروف “الطالع السعيد” وخصصه فقط لتراجم نجباء علماء الصعيد.
أما مولده ونشأته : في عرض البحر ولد ابن دقيق العيد، وأبواه متوجهان إلى الحجاز لأداء فريضة الحج في (25 من شعبان 625هـ=31 من يونيو 122م)، ولما قدم أبوه مكة حمله، وطاف به البيت، وسأل الله أن يجعله عالمًا عاملاً.
ونشأ ابن دقيق العيد في قوص بين أسرة كريمة، تعد من أشرف بيوتات الصعيد وأكرمها حسبًا 
ونسبًا، وأشهرها علمًا وأدبًا، فأبوه أبو الحسن علي بن وهب عالم جليل، مشهود له بالتقدم في الحديث والفقه والأصول، وعُرف جده لأبيه بالعلم والتقى والورع، وكانت أمه من أصل كريم، وحسبها شرفًا أن أباها هو الإمام تقي الدين بن المفرج الذي شُدّت إليه الرحال، وقصده طلاب العلم.
وتعود سبب شهرته باسم ابن دقيق العيد، أن جده “مطيعًا” كان يلبس في يوم عيد طيلسانًا ناصع البياض، فقيل كأنه دقيق العيد، فسمي به، وعُرف مطيع بدقيق العيد، ولما كان “علي بن وهب” حفيده دعاه الناس بابن دقيق العيد، واشتهر به ابنه تقي الدين أيضًا، فأصبح لا يُعرف إلا به.
وقد ذكر الإدفوي في الطالع السعيد :
(حكت زوجة أبيه، بنت التيفاشي، قالت : بنى عليّ والده، والشيخ تقي الدين ابن عشر سنين، فرأيته ومعه هاون وهو يغسله مرات زمناً طويلاً، فقلت لأبيه: ماهذا الصغير يفعل؟ فقلت له: يا محمد أي شيء تعمل؟ فقال: أريد أن أركّب حبراً، وأنا أغسل هذا الهاون) .
وقد حفظ القرآن، وسمع الحديث من والده الشيخ مجد الدين القشيري، وأبي الحسن بن هبة الله الشافعي، والحافظ المنذري، وأبي الحسن النعال البغدادي، وأبي العباس بن نعمة المقدسي، وقاضي القضاة أبي الفضل
 يحيى بن محمد القرشي، وأبي المعالي أحمد بن المطهر، و الحافظ أبي الحسين العطار وخلائق غيرهم.
وبدأ ابن دقيق العيد طريق العلم بحفظ القرآن الكريم، ثم تردد على حلقات العلماء في قوص، فدرس الفقه المالكي على أبيه، والفقه الشافعي على تلميذ أبيه البهاء القفطي، ودرس علوم العربية على محمد أبي الفضل المرسي، ثم ارتحل إلى القاهرة واتصل بالعز بن عبد السلام، فأخذ عنه الفقه الشافعي والأصول، ولازمه حتى وفاته. ثم تطلعت نفسه إلى الرحلة في طلب العلم، وملاقاة العلماء، فارتحل إلى دمشق في سنة (660هـ=1261م) وسمع من علمائها ثم عاد إلى مصر.
أما قيامه بالتدريس والتأليف والتعليم:
فقد استقر ابن دقيق العيد بمدينة قوص بعد رحلته في طلب الحديث، وتولى قضاءها على مذهب المالكية، وكان في السابعة والثلاثين من عمره، ولم يستمر في هذا المنصب كثيرًا، فتركه وولى وجهه شطر القاهرة وهو دون الأربعين، وأقام بها تسبقه شهرته في التمكن من الفقه، والمعرفة الواسعة بالحديث وعلومه.
وفي القاهرة درس الحديث النبوي في دار الحديث الكاملية، وهي المدرسة التي بناها السلطان الكامل سنة 621هـ=1224م)، ثم تولى مشيختها بعد ذلك، وكان على تبحره في علوم الحديث يتسدد في روايته، فلا يروي حديثًا إلى عن تحرٍّ واحتراز، ومن ثم كان قليل التحديث لا عن قلة ما يحفظه ولكن مبالغة في التحري والدقة. ويصف ابن سيد الناس مكانة شيخه ابن دقيق العيد في هذا الفن بقوله: “وكان للعلوم جامعًا، وفي فنونها بارعًا مقدمًا في معرفة علل الحديث على أقرانه، منفردًا بهذا الفن النفيس في زمانه”.
ولابن دقيق العيد كتاب عمدة في علم مصطلح الحديث سماه “الاقتراح في معرفة الاصطلاح” والكتاب مطبوع نشرته وزارة الأوقاف بالعراق.
تتلمذ عليه خلق كثير، على رأسهم قاضي القضاة شمس الدين ابن جميل التونسي، وقاضي القضاة شمس الدين بن حيدرة، والعلامة أثير الدين أبو حيان الغرناطي، وعلاء الدين القونوي، وشمس الدين بن عدلان، وفتح الدين اليعمري، شرف الدين الإخميمي، وغيرهم الكثير.
ودرّس الفقه الشافعي في المدرسة الناصرية التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي بجوار قبة الإمام الشافعي، ولما كان شيخًا قد تضلّع في الفقه وأحاط بمسائله في المذهبين المالكي والشافعي؛ فقد قام بتدريسهما في المدرسة الفاضلية.
ولم يقف الشيخ الجليل على أدلة المذهبين، والاجتهاد في نطاقهما، وإنما تجاوز ذلك إلى مرحلة الاجتهاد المستقل في بعض ما كان يعرض له من قضايا، حيث كان يستخرج الأحكام من الكتاب والسنة، غير مقلد لأحد في اجتهاده، وقد شهد له معاصروه بالسبق والتقدم في الفقه، وأقروا له بالاجتهاد، فوصفه الإسنوي بأنه “حافظ الوقت خاتمة المجتهد”. ويقول الأدفوي: “ولا شك أنه من أهل الاجتهاد ولا ينازع في ذلك إلا من هو من أهل العناد، ومن تأمل كلامه علم أنه أكثر تحقيقًا وأمتن وأعلم من بعض المجتهدين فيما تقدم وأتقن”.
وله مؤلفات فقهية تنطق بعلو كعبه وعلمه وفقهه
في هذا الميدان، منها:
إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام للعلامة الحافظ عبد الغني النابلسي. وكتاب العمدة يحتوي على مجموعة من الأحاديث مبوبة على أبواب الفقه، مثل باب الطهارة وباب الوضوء، وباب التيمم، وقد قام ابن دقيق العيد بشرح الكتاب، فتصدى لبيان معاني الحديث، وما به من بيان، واستنبط ما فيه من أحكام، وأقوال الفقهاء فيه واختلافاتهم. وقد أملى ابن دقيق العيد هذا الشرح على تلميذه عماد الدين بن الأثير. وقد طُبع هذا الكتاب بالقاهرة سنة (1342هـ/1924م) واعتنى بنشره محمد منير الدمشقي.
وإلى جانب هذا له شرح مقدمة المطرزي في أصول الفقه، وشرح مختصر الزبيدي في فقه الشافعية، وشرح مختصر ابن الحاجب في فقه المالكية، غير أن هذه الكتب فُقدت ولم يصل إلينا منها شيء.
وله جملة من الفتاوى والمباحثات الفقهية والأصولية، لا يجمعها كتاب، وقد أورد السبكي في طبقات الشافعية نماذج منها، وقد صدرها بقوله: “فوائد الشيخ تقي الدين ومباحثه أكثر من أن تُحصى، ولكنها غالبًا متعلقة بالعلم من حيث هو؛ حديثًا وأصولاً وقواعد كلية”.
ووصف آخر يضاف لعالمنا ابن دقيق العيد وهو كونه الأديب الشاعر
فقد كان ابن دقيق العيد على انشغاله بالفقه والحديث أديبًا بارعًا، وخطيبًا مفوهًا، وشاعرًا مجيدًا، ولو انصرف إلى الأدب لكان له منزلة ومكانة، ويجمع معاصروه على براعته في الخطابة وتفوقه فيها، فكان يملك أفئدة الناس بأسلوبه المؤثر ونبراته الصادقة، وعظاته البالغة، وذكر السبكي أن لابن دقيق العيد “ديوان خطب”. وله أيضًا “ديوان شعر” جمعه صلاح الدين الصفدي المؤرخ المعروف، ونُشر بالقاهرة.
وقد تقلد منصب قاضي القضاة
تولى ابن دقيق العيد منصب قاضي القضاة في أخريات حياته في (18 من جمادى الأولى 695هـ/ من مارس 1296م) بعد وفاة القاضي ابن بنت الأعز، وقبله بعد تردد وإلحاح، وكانت فترة توليه القضاء على قصرها من أكثر سني عمره خطرًا وأعظمها شأنًا، فقد أصبح على اتصال وثيق بالسلطان وكبار رجال الدولة، لكن كان له من ورعه ودينه وعلمه ما يجعله يجهر بالحق ويدافع عنه، فلا يقبل شهادة الأمير؛ لأنه عنده غير عدل، وإن كان الكبراء والعلماء يتملقونه ويقتربون إليه، فرد شهادة “منكوتمر” نائب السلطنة حين بعث إليه يعلمه أن تاجرًا مات وترك أخًا من غير وارث سواه، وأراد منه أن يثبت استحقاق الأخ لجميع الميراث بناء على هذا الإخبار، 
فرفض ابن دقيق العيد، وترددت الرسل بينهما، لكن القاضي كان يرفض في كل مرة، على الرغم من إلحاح منكوتمر عليه؛ لأن الأدلة لم تكن كافية لإثبات أخوة المذكور إلا شهادة منكوتمر، وأمام إصرار نائب السلطنة، استقال ابن دقيق من منصب القضاء احترامًا لنفسه وإجلالاً لمنصب القضاء، فلما بلغ السلطان “حسام الدين لاجين” ذلك أنكر على نائبه تصرفه في التدخل في عمل القضاء، وأرسل في طلب الشيخ، فلما جاء قام إليه وأجلسه بجواره، وأخذ يسترضيه ويتلطف به حتى قبل أن يعود إلى منصبه.
ويذكر له وهو في منصبه أن رفض قيام السلطان “الناصر محمد بن قلاوون” بجمع المال من الرعية لمواجهة المغول، معتمدًا على الفتوى التي أصدرها العز بن عبد السلام بجواز ذلك أيام سيف الدين قطز،
وقال للسلطان: إن ابن عبد السلام لم يفت في ذلك إلا بعد أن أحضر جميع الأمراء كل ما لديهم من أموال، ثم قال له في شجاعة: كيف يحل مع ذلك أخذ شيء من أموال الرعية، لا والله لا جاز لأحد أن يتعرض لدرهم من أولاد الناس إلا بوجه شرعي” واضطر السلطان أن يرضخ لكلام القاضي الشجاع.
ولا شك أن ابن دقيق العيد قد ارتفع بمنزلة القاضي وحافظ على كرامة منصبه، فتطبيق الأحكام الشرعية هو سبيله إلى العدل دون تفرقة، والالتزام بالحق هو الميزان الذي يستعمله في قضاياه وفتاواه، فحين رأى بعض الناس تستحلّ أموال اليتامى القصّر الذين لا يستطيعون التصرف فيما يرثونه من أموال أنشأ ما يسمى “المودع الحكمي”
، وهو شبه في زماننا “الديوان الحسبي” تُحفظ فيه أموال اليتامى الصغار، يقول ابن حجر العسقلاني: “وهو أول من عمل المودع الحكمي، وقرر أن من مات وله وارث إن كان كبيرًا أقبض حصته، وإن كان صغيرًا أحمل المال في المودع، وإن كان للميت وصي خاص ومعه عدول يندبهم القاضي لينضبط أصل المال على كل تقدير”.
وكان ابن دقيق معنيًا بشئون القضاة الذين يتبعونه في الأقاليم، فيرسل إليهم الرسائل المطولة التي ترسم لهم ما يجب عليهم أن ينتهجوه ويلتزموه في أحكامهم، وكيفية معالجة قضايا الناس، وتضمنت رسائله أيضًا و
صاياه لهم بالتزام العدل وتطبيق أحكام الشرع.
وقد وضع الأستاذ عبد المتعال الصعيدي ابن دقيق العيد على رأس المجددين في الإسلام في القرن السابع الهجري، فيقول: »ولابن دقيق العيد لفتة عابرة قد تدل على أنه كان فيه شيء من نزعة التشديد، وذلك أنه لما جاءت التتار إلى الشام في سنة 680هـ-1281م.
ورد مرسوم السلطان إلى القاهرة بعد خروجه منها للقائهم أن يجتمع العلماء ويقرؤوا صحيح البخاري، فاجتمع العلماء وقرؤوه إلى أن بقي شيء منه، وكان هذا في يوم خميس، فأخروا ما بقي إلى أن يتموه يوم الجمعة، فلما كان يوم الجمعة رأوا ابن دقيق العيد في الجامع فقال لهم: ما فعلتم ببخاريكم؟
فقالوا: بقي ميعاد أخرناه لنختمه اليوم. فقال: انفصل الحال من أمس العصر، وبات المسلمون على كذا. فقالوا: نخبر عنك. فقال: نعم. فجاء الخبر بعد ذلك.. وكان النصر فيه للمسلمين. وقد عدّ السبكي هذا من كرامات ابن دقيق العيد«.
لكن قول ابن دقيق العيد: ماذا فعل بخاريكم.. يريد منه أن النصر قد تم بما أمر الله بإعداده من قوة ومن رباط الخيل، وليس بقراءة البخاري ونحوه، على عكس ما فهم الإمام السبكي، لأن المسلمين تركوا الاعتماد على العلوم التي تمكنهم من إعداد ما أمرهم الله به من القوة الحربية.
ومن آثاره العلمية
فقد ترك ابن دقيق العيد الكثير من المؤلفات في الحديث وعلوم الفقه، ما زالت تعتز بها المكتبة العربية حتى يومنا هذا. من هذه المؤلفات:
كتاب الإلمام الجامع لأحاديث الأحكام،
الإلمام في الأحكام في عشرين مجلداً،
شرح لكتاب التبريزي في الفقه،
فقه التبريزي في أصوله.
شرح مقدمة المطرزي في أصول الفقه .
الإقتراح في علوم الإصطلاح .
اقتناص السوانح .
شرح مختصر ابن الحاجب في الفقه،
ووضع في علوم الحديث كتاب الاقتراح في معرفة الاصطلاح. وله تصانيف في أصول الدين. كما كان ابن دقيق العيد، بجانب امتيازه في التدريس والفقه والتأليف، خطيباً بارعاً، وله ديوان شعر ونثر لا يخرج عن طريقة أهل عصره الذين عرفوا بالسجع والمحسنات البديعة
أما وفاة ابن دقيق العيد رحمه الله
فقد قضى الشيخ حياته بين التأليف والتدريس نهارًا، والعبادة والصلاة ليلاً، حتى لقي الله بالقاهرة في صبيحة يوم الجمعة لتسعة أيام بقين من صفر 702 هـ/5 أكتوبر 1302م) بعد أن عمّر 77 عاماً، قضاها في خدمة الدين الإسلامي الحنيف في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وقد دفن يوم السبت، بسفح المقطم شرق القاهرة، وكان يوماً مشهوداً عزيزاً في الوجود، وقد وقف جيش مصر ينتظر الصلاة عليه.
،وقد كان رحمه الله كريماً جواداً بجانب غيرته على الحق.. لا يخشى فيه لومة لائم. يذكر عدد كبير من المؤخرين أن ابن دقيق العيد كان على رأس المائة السابعة الذي حدد للأمة أمر دينها بعلمه الغزير واجتهاده الواسع، وشهد له معاصروه بالسبق والتقدم في العلم، فقد كان ضليعًا في جميع العلوم اللغوية والشرعية والعقلية. ويؤكد السبكي ذلك فيقول: “ولم ندرك أحدًا من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السبعمائة، المشار إليه في الحديث النبوي، وأنه أستاذ زمانه علمًا ودينًا”.
قال ابن سيد الناس: (لم أر مثله في من رأيت، ولا حملت عن أجل منه فيمن رأيت و رويت ، و كان للعلوم جامعاً ، و في فنونها بارعا مقدماً في معرفة علل الحديث على أقرانه ، منفرداً بهذا الفنن النفيس في زمانه ) .
و قال الإدفوي: ( التقي ذاتاً و نعتا ، و السالك الطريق التي لا عوج فيها و لا أمتا ، و المحرز من صفات الفضل فنوناً مختلفة و أنواعاً شتى ، و المتحلي بالحالتين الحسنيين صمتا و سمتا ، إن عرضت الشبهات أذهب جوهر ذهنه ما عرض ، أو اعترضت المشكلات أصاب شاكلتها بسهم فهمه فأصاب الغرض ) .
وبلغ من عزة نفسه أنه لما عزل نفسه من القضاء ، ثم طُلب ليولى ، قام له السلطان المنصور لاجين لما أقبل ، فأبطأ المشي ، فجعلوا يقولون له : السلطان واقف ، فيقول : أديني أمشي ، و جلس معه على الجوخ حتى لا يجلس دونه ، و قبل السلطانُ يده فقال له : تنتفع بهذا .
ومن نظمه
قد جرحتنا يد أيامنا
و ليس غير الله من آسي
فلا تُرجّ الخلق في حاجة
ليسوا بأهل لسوى الياس
ولا تزد شكوى إليهم فلا
معنى لشكواك إلى قاسي
فإن تخالط منهمُ معشراً
هويت في الدين على الراس
يأكل بعضٌ لحم بعض و لا
يحسب في الغيبة من باس
لا ورعٌ في الدين يحميهمُ
عنها و لا حشمة جلاس

لا يعدم الآتي إلى بابهم
من ذلة الكلب سوى الخاسي
فاهرب من الناس إلى ربهم
لا خير في الخلطة بالناس
و له كذلك :
يهيم قلبي طرباً عندما
أستلمح البرق الحجازيا
و يستخف الوجد قلبي وقد
أصبح لي حسن الحجى زيا
يا هل أقضّي حاجتى من مِنى
و أنحر البزل المهاريا
و أرتوي من زمزمٍ فهو لي
ألذ من ريق المها ريا .
من أهم الكتب التي تناولت ابن دقيق العيد:
( عبد الوهاب السبكي: طبقات الشافعية الكبرى – تحقيق محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو – دار هجر للطباعة والنشر – القاهرة – 1413هـ=1992م).
( الإدفوي: الطالع السعيد الجامع لأسماء نجباء الصعيد – تحقيق سعد محمد حسن – الدار المصرية للتأليف والترجمة – القاهرة – 1966م).
( الإسنوي: طبقات الشافعية – تحقيق عبد الله الجبوري – رئاسة ديوان الأوقاف – بغداد – 1390هـ).
( محمود رزق سليم: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي – مكتبة الآداب – القاهرة – بدون تاريخ).
( علي صافي حسين: ابن دقيق العيد حياته وديوانه – دار المعارف – القاهرة – 1960م).

رحم الله الإمام ابن دقيق العيد موسوعة زمانه وأعجوبة أيامه.