أبجديات الفن الراقي

112

بقلم / د. جيهان رفاعى

الفن الراقي هو الذى يمسك بمقود الحياة على الأرض لتهذيب

الواقع المتعايش فى المجتمع وليس لتقليده أو النقل حرفيا عنه من

أجل أن يحوز الرضا من فئة أو شريحة معينة لا تمثل سوى نفسها …

للفن نسق جمالي قائم بذاته بعيدا عن القوانين الإجتماعية يتسم

بالرمزية التي بموجبها تصبح استقلاليته أداة للتفاعل مع باقي منظومة

القيم الأخرى بما فيها الأخلاقية …
الفن تعالي أخلاقي يعيد صياغة الواقع بحيث يجعلنا قادرين

على قراءته بشكل خلاق ، فهو رسالة سامية والفنان الملتزم هو حامل

مبادئ تلك الرسالة وخير موصل لها ولبنودها الراقية ،

ولهذا تظل تصرفاته وسلوكياته دائما تحت أنظار جماهيره وعاشقي فنه ،
فإذا خرج عن ما هو مألوف فى مضمون التواضع دون غرور أو تعالي
على تلك الجماهير ،
فإنها تقوم بإسقاطه من حساباتها إلى غير رجعة ، وكم من فنانين حازوا

الكثير من الشهرة والمجد لكنهم ضاعوا فى زوايا النسيان جراء ممارسة

داء التعالي والكبر الذي يصيب ضعاف النفوس البشرية فى كل زمان

ومكان ، وكم من فنانين آخرين نظل نذكرهم مهما غابوا أو ابتعدوا

وتظل سيرتهم العطرة تملأ أركان الأماكن تفوح بيننا ونتمنى عودتهم

مرة أخرى وأكبر مثل لذلك ما حدث من إستقبال الجمهور لعودة

المطرب الكبير محمد ثروت وأغنيته الجديدة “يا مستعجل فراقي”

ومدى حب الناس للفن الراقي حين يزهر فى بستانه … إن مواد

الميثاق الأخلاقي والقيم الفنية لا تحتاج إلى صحائف مكتوبة فى متن

الدستور ولا إلى الإعلان عن عقوبات مغلظة لمن يخرج عن إطارها

ولا تحتاج ولا تحتكم إلا إلى يقظة الضمير الإنسانى الذي تعنيه مصلحة الوطن والمواطن ،

هذا الضمير الذي يظهر واضحا وجليا بداية من الإختيار الراقي لكلمات

العمل الذي يخرج به الفنان إلى ساحة الجماهير دون اللجوء إلى

ممارسة الإسقاطات الحركية الفجة التي تنسف مقاصد اللفظ والدلالة المتعارف عليها ،

والجماهير الواعية تعرف جيدا كيف تضع الفنان بأخلاقياته وسلوكياته فى الميزان ،
إن الفن نظرة ذاتية للوجود وعلى الفنان أن يترجم رؤيته ضمن إطار

رقابة ذاتية تمنعه من إتباع الذوق العام وترديده بصورة فجة تعيقه

أن يكون إنتاج أخلاقي يستمر على مر الزمان وينمو وتحصده الأجيال القادمة ،
أى لابد من تأسيس قاعدة متينة رصينة من الفن الحي الملزم ،

فن يحي البطولات والقيم العربية الأصيلة والفنان الحقيقي الصادق

يستمد ما يدور حوله من وقائع ومن أحداث التاريخ ويجسدها على

شكل عمل فني يساعد على إعادة صياغة الإنسان وقيمه الأخلاقية بوسائل جمالية .