أحمد عرابى وذكري هزيمة فى التل الكبير

 

كتب وجدي نعمان

حدث في مثل هذا اليوم الذكرى الـ139 على هزيمة القوات المصرية بقيادة الزعيم أحمد عرابى فى معركة التل الكبير بالإسماعيلية على أيدى القوات البريطانية، وكانت سببا فى دخل الإنجليز بعدها القاهرة واستقبلهم الخديوى، ووقع عرابى فى الأسر وحكم عليه بالإعدام ثم خفف للنفى لينتهى الأمر بأن تقع مصر تحت الاحتلال الإنجليزى.
 
دارت معركة التل الكبير آخر مواجهات العرابيين مع الإنجليز بمنطقة التل الكبير بمحافظة الإسماعيلية وهزم فيها الجيش المصري ودخل الإنجليز بعدها القاهرة واستقبلهم الخديوي واستعرض القوات البريطانية ووقع عرابي في الأسر وحكم عليه بالإعدام ثم خفف للنفي لينتهي الأمر بأن تقع مصر تحت الاحتلال الإنجليزي.
كان الإنجليز يتحينون الفرصة لاحتلال مصر بعد فشل الحملات الصليبية على مصر والشام وتحويل طريق التجارة لرأس الرجاء الصالح ومجئ وفشل الحملة الفرنسية على مصر والشام (1798-1801م) وبعد فشل حملة فريزر 1807 م وبعد تدمير إمبراطورية محمد علي بمعاهدة لندن 1840 م وبريطانيا تتحين الفرصة لغزو مصر.
 
وجاءت الفرصة في عصر الخديوي توفيق الذي قامت ضده ثورة شعبية في البلاد بقيادة الأميرلاي أحمد عرابي وهي ماتعرف بالثورة العرابية بسبب سوء الأحوال الاقتصادية، والتدخل الأجنبى السافر في شؤون مصر، ومعاملة رئيس الوزارة رياض باشا آنذاك القاسية للمصريين، واضطهاد الضباط المصريين في الجيش علي حساب الأتراك والشركس، وأخذ الخديوي توفيق يبالغ في تصوير الموقف للأوربيين بأنه شديد الخطورة على مصالحهم حيث أن عرابى حسب وصفه كان وطنياً متطرفاً يكره كل ما هو أجنبي ويهدف إلى طرد كل الأجانب من مصر.
 
وقد زعمت بريطانيا حجة تدخلها بغرض حماية الأجانب ومصالحهم بمصر وأرسلت إنجلترا وفرنسا المذكرة المشتركة الأولى والثانية وبعد حوادث مذبحة الإسكندرية تدخل الأسطول الإنجليزي واقتحم الإسكندرية وفشلت تحصينات العرابيين في منع استيلاء الإنجليز عليها وتقدم الجيش الإنجليزي نحو كفر الدوار واستبسل الجيش المصري بقيادة “طلبة عصمت” فتقهقر الإنجليز عن البلاد ليفشلوا في دخولها من ناحية الشمال ويتحولوا للشرق مدعومين بمباركة دولية.
 
معركة التل الكبير
أحداث المعركة
الاصطفاف
دارت أحداث معركة التل الكبير في 13 سبتمبر 1882 (الموافق 29 شوال 1299هـ) الساعة 1:30 صباحا واستغرقت أقل من 30 دقيقة. حيث فاجأ الإنجليز القوات المصرية المتمركزة في مواقعها بالقرب من قناة السويس في منطقة التل الكبير، منذ أيام والتي كانت نائمة وقت الهجوم. وألقي القبض على أحمد عرابي قبل أن يكمل ارتداء حذائه العسكري (حسب اعترافه أثناء رحلة نفيه إلى سيلان).[2]
 
التحرك البريطاني
الخدعة الإنجليزية
ولم يبق إلا ان تدور المعركة، عرابي في خيمته يقرأ الأوراد والادعية، والجنود المتطوعون قد انتشروا علي امتداد ستة كيلومترات، داخل الخنادق والاستحكامات المقامة من الرمل والطين، منهم الآلاف ممن يحملون سلاحا، ومنهم من لا يحمل شيئا، ويجيء سعيد الطحاوي إلي عرابي في خيمته يقسم له ان الانجليز لن يهجموا قبل اسبوع ثم يتسلل خارجا إلي صفوف الانجليز ليرشد طلائعهم في صباح اليوم التالي.[3]
 
ويطمئن ‘ولزلي’ القائد الانجليزي إلي أن المصريين سينامون ليلتهم نوم الابرار، ويطفيء الجيش الغازي انواره ويخيم الظلام الدامس ويزحف 11 ألفا من المشاة و 2000 من الفرسان، وستون مدفعا، وسعيد الطحاوي في المقدمة يرشدهم إلي الطريق، و لم يكن يؤدي هذه المهمة وحده، بل كان يعاونه لفيف من ضباط اركان حرب المصريين من الشراكسة الذين خانوا واجبهم!
 
ويتقدم الجيش الزاحف في الظلام خمسة عشر كيلو مترا دون ان يشعر به احد وقد ترك خلفه نارا ليوهم المصريين انه لم يتحرك، ويتقدم حتي يصل إلي طلائع الخطوط المصرية.. من هناك؟.. لا احد.. و كان المفروض ان تكون في المواجهة فرقة السواري ولكن عبدالرحمن حسن قائدها كان يعلم بنبأ الهجوم، و علي اتصال دائم بالانجليز، فتحرك بجنوده تحت جنح الليل، إلي الشمال، بعيدا عن ارض المعركة، ليمر الجيش الانجليزي في سلام!
 
ويتقدم الجيش الزاحف، ويلمح عن بعد مصابيح تنير الطريق، انه علي يوسف الشهير ‘بخنفس’ قد ارسل جنوده للراحة، ثم خاف أن يضل الانجليز فوضع لهم المصابيح التي ترشدهم إلي الطريق الذي يسلكونه!
 
وأصبحت الساعة الرابعة والدقيقة الخامسة والاربعون وقد تبين الخيط الابيض من الخيط الاسود حين اعطيت اشارة الهجوم وانطلق ستون مدفعا وأحد عشر الف بندقية، وألفان من الحراب، تقذف الهول والموت في الجند النائمين، الذين قاموا علي صرخة واحدة، لا يعرفون أهي القيامة، ام بركان انشقت عنه الارض، ام الانجليز! تفرق المصريون يبحثون عن مهرب.
 
وكان عرابي يصلي الفجر علي ربوة قريبة حين باغته الهجوم وسقطت قذيفة مباشرة علي خيمته، فتركها طعمة للنيران، واسرع وامتطي جواده، ونزل في ساحة المعركة فأذهله ان رأي جنوده يفرون ووقف يحاول عبثا جمعهم ولكن التيار كان جارفا، وقد ضاع صوته في انفجارات القنابل وطلقات الرصاص، وكادت المدافع تصيبه، ولكن خادمه لوي عنان فرسه قهرا عنه فانقذ حياته، وانطلق يعدو بجواده إلي بلبيس ليحاول عبثا ان يقيم خطا ثانيا للدفاع عن القاهرة ..
 
الهجوم
اختار ولسلي الهجوم الليلي لتجنب القيظ ولمعرفته بتفشي العشى الليلي (night blindness) بشكل وبائي بين الجنود المصريين إلا انه لاحظ أن الجنود النوبيين والسودانيين لم يعانوا من هذا المرض.
ما بعد المعركة
عقب المعركة قال الجنرال جارنت ولسلي قائد القوات البريطانية أن معركة التل الكبير كانت مثال نموذجي لمناورة تم التخطيط الجيد لها مسبقا في لندن وكان التنفيذ مطابقاً تماماً كما لو كان الأمر كله لعبة حرب Kriegspiel. إلا أنه أردف أن المصريون “أبلوا بلاءاً حسناً” كما تشي خسائر الجيش البريطاني.
 
 
أبطال
أبطال ذكرهم التاريخ كانوا في خط النار الاميرالاي البطل محمد عبيد، الرجل الذي هجم قبل ذلك علي ثكنات قصر النيل واطلق سراح عرابي وصحبه، فانقذ الثورة العرابية من الانطفاء.. وكانت المدفعية في هذه المعركة يقودها اليوزباشي حسن رضوان وقد نجح في ان يكبد الانجليز خسائر فادحة، حتي سقط جريحا، وحمله الانجليز أسيرا إلي قائدهم ولزلي، فطلب منه ان يحتفظ بسيفه ولا يسلمه كالعادة عند الاسر اعترافا بشجاعته، وكان هناك ايضا الاميرالاي احمد فرج، والاميرالاي عبد القادر عبد الصمد وغيرهم من الابطال ولم يحارب في هذه المعركة غير جنود هؤلاء الابطال، والباقون قد وصمتهم الخيانة وفروا هاربين!
 
التبعات
انسحب عرابي من المعركة، وبدون قوات نظامية تحت إمرته، قام عرابي ومسئولي الحزب الوطني بالعودة في اليوم نفسه 15 سبتمبر عام 1882، إلى القاهرة ليدافع عنها. وواصلت القوات البريطانية تقدمها السريع إلى الزقازيق حيث أعادت تجمعها ظهر ذلك اليوم ثم استقلت القطار (سكك حديد مصر) إلى القاهرة التي استسلمت حاميتها بالقلعة عصـر نفس اليوم. وقبض سلاح الفرسان البريطاني على أحمد عرابي وعلى العرابيين وعلى ثلاثين ألفا من المصريين الوطنيين.
 
وقد وصل ولزلي وكبار ضباطه إلى القاهرة بالقطار في اليوم التالي. بعد 12 يوماً، أعيد تنصيب الخديوي توفيق رسمياً حاكماً على مصر. عقد الإنجليز ما سُمى بالمجلس العرفي الذي قرر رفع عريضة الإستسلام إلى الخديوي توفيق. وطلب المجلس من عبد الله النديم كتابة هذه العريضة. كتبها عبد الله النديم ولم يعتذر عن الثورة وألقى بالمسئولية كلها على الإنجليز وتوفيق. اعتذر المجلس العرفي عن عدم رفع العريضة بصياغة النديم إلى الخديوي. وكلف بطرس غالي بصياغة عريضة جديدة وكتبها وفيها كثير من المحاسنة والملاينة. وتلك هي العريضة التي رفعت للخديوي توفيق. وقد أشرت تلك الضمانات والتنازلات التي منحها توفيق لبداية الاحتلال العسكري البريطاني لمصر، الذي دام 72 سنة حتى 1954.
 
إثنان رفضا الإعتذار عن الثورة، علي الروبي الذي قبض عليه وتقرر نفيه إلى السودان، حيث مات هناك وعبد الله النديم الذي ظل يكافح بما سمحت له ظروف الإختفاء لأكثر من تسع سنوات.
 
عرابي حوكم لاحقاً، وحـُكم عليه بالاعدام، ولكن خوفاً من إشعال انتفاضة، فقد خفف الحكم إلى النفي إلى سيلان (الآن سري لانكا). الابطال فقد عوقبوا علي بطولاتهم بعد ذلك بالنفي مددا تتراوح بين 3 سنوات و20 سنة إلي جزر الهند ومصوع وبيروت وغيرها.
 
أما الذين باعوا وطنهم فقد قبضوا الثمن بضعة آلاف من الجنيهات وقد كتب خنفس إلي الانجليز يتظلم لانه اخذ ألفين فقط ولم يأخذ عشرة آلاف مثل سلطان باشا! ولما غربت الشمس خلف التلال كانت الدماء التي بيعت تخضب رمال الصحراء، وكانت الذئاب قد أقبلت تنهش الجثث التي ملأت الخنادق التي أقامها الفلاحون المصريون من الرمل والطين والدماء!
 
 
ذكراها
مباشرة بعد عودة أحمد عرابي من منفاه في سيلان، ونشر نسبه الشريف للحسين، وانتشار خبر مفاوضاته مع الحكومة البريطانية لتعيينه ملكاً على العرب، وطلبه لقاء الملك إدوارد السابع، قرض أمير الشعراء أحمد شوقي (وشاعر البلاط) ثلاث قصائد تهجو أحمد عرابي وتفند سيرته السياسية والعسكرية. وهي عاد لها عرابي و عرابي وما جنى وقصيدة معركة التل الكبير (صوت العظام).
 
قصيدة عاد لها عرابي، لأحمد شوقي
نشرت هذه القصيدة في المجلة المصرية لصاحبها ومنشئها خليل مطران، العدد الثاني في 15 يونيو 1901. ونشرتها اللواء في العدد 532 بتاريخ 11 يوليو 1901 بعنوان “عاد لها عرابي”، لكنه وقعها بإمضاء (نديم)، وتبين أنها لشوقي، إذ نشرت جريدة اللواء تحت عنوان “عاد لها عرابي” التالي: “نشرت المجلة المصرية تحت هذا العنوان قصيدة غراء لشاعر من أكبر الشعراء، بل أكبرهم بلا نزاع، فأحببنا نقلها، إضهاراً لشعور أمير القريض والبيان في عودة عرابي إلى مصر”. وفي هذه المقدمة ما يقطع بأن القصيدة لشوقي وفيها تشهير بعرابي، واستهزاء بطموحه إلى المعالي، وحنقٌ على تطلـُّعه إلى مُلْكِ مصر.
 
طالع القصيدة كاملة في عاد لها عرابي
 
صـَغـار في الذهـاب وفي الإياب *** أ هــذا كـــل شــأنك يـا عرابي؟1
 
عفـا عــنك الأبـاعد والأداني *** فمـن يعـفو عن الوطـن المصـاب؟
 
وما سألوا بـَنيكَ ولا بـَنينا *** ولا التفتوا إلى القوم الغـِضاب
 
فـَعـِش في مصرَ موفورَ المعالي *** رفيعَ الذكـْرِ مـُقتـَبـِل الشباب
 
أ فرقٌ بـَينَ سيلانٍ ومـِصـْـر *** وفي كِلْتـَيـْهـِما حـُمـْرُ الثياب؟2
 
يتوب عليك من منفاك فيها *** أناس منك أولى بالمتاب
 
ولا والله ما مـَلـَكوا عِتاباً *** ولا مـَلـَكوا القديـمَ من العِقاب
 
ولا ساوَوْك في صـِدْق الطـَّوايا *** وإن ساوَوْك في الشـِّيم الكـِذاب
 
حـُكومَة ذِلـَّةٍ وسـَراةُ جَهْلٍ *** كعـَهـْدِك إذْ تـُحـَيِّيك الطَّوابي
 
وإذ ضربوا وسيفك لم يجرد *** وإذ دخلوا ونـَعـْلُك في الرِّكاب3
 
وإذ مـُلِئـَت لك الدنيا نـِفاقاً *** وضاقت بالغباوة والتغابي
 
وإذ تـُقـْنَى المَعالي بالتمنِّي *** وإذ يـُغـْزَى الأعادي بالسـِّباب
 
وإذ تـُعطى الأريكة في النوادي *** وتـُعطى التاج في هـَزْلِ الخِطاب4
 
ستنظر إن رفعت بمصر طرفاً *** رِجال الوقتِ من تِلك الصحاب
 
وقد نـَبـَذوا جَنابَك حينَ أقْوى *** وقد لاذوا إلى أقوى جـَناب
 
وبالإنجيل قد حلفوا لِفـَومٍ *** كما حلفوا أمامك بالكتاب
 
يـُريدون النساء بلا حـِجابٍ *** ونحنُ اليوم أولَى بالحجاب
 
فماذا يَعـْلَمُ الأحـْياءُ عَنـَّا *** إذا ما قيلَ عاد لها عرابي؟
قصيدة عرابي وما جنى، لأحمد شوقي
هذه هي ثاني قصائد أحمد شوقي في هجاء أحمد عرابي. وقد نُشرت القصيدة في اللواء في العدد 600 بتاريخ 19 سبتمبر 1901 بعنوان “عرابي وما جنى”، وأيضاً بدون توقيع، وتبين أنها لشوقي، إذ نشرت جريدة اللواء من أحد مراسليها في السويس يصف فيها وصول عرابي، واتهانة الناس به، وعلقت اللواء على المقال بقولها: “هذا ما كتب به إلينا ذلك الكاتب الثائر … ولئن أثارت عودة عرابي خواطر الكتاب فقد أثارت عواطف الشعراء … ومن ذلك قصيدةٌ فريدةٌ في بابها جادت بها قريحة أبلغ الشعراء، وأشدهم إصابة للمقاتل بِسِنِّ يَراعه، رمى بها اليوم عن قوس اللواء في تلك الكبد الغليظة، وما من كلمة فيها إلا وهي سهم مسموم، لو أصاب حجراً صلداً لصدعه، وفيها من جد بالقول، وهزل المقول فيه، ما كشف الحجاب عن سخافة هذا وفساد أوهامه وترهاته وجهله وجبنه وما فيه من خلال أخرجته عن طور الرجال، وحعلته أضحوكة الأطفال.”
 
والقصيدة هجاء لعرابي، تهكم به، واستهزاء بمن تابعوه، وسخرية من نسبه إلى الحسين بن علي، ولوم له لأنه لم يمت في ميدان القتال، ورضي أن يُحاكَم، وقبل تخفيف الحكم عليه من الإعدام إلى النفي. وفيها حملة عليه لأنه ودَّ أن يقابل ملك الإنجليز.
 
طالع القصيدة كاملة في عرابي وما جنى
 
أهلا وسهلا بحامــيها وفاديــها *** ومرحبـا وسلامــا يا عرابيهــا
 
وبالكرامة يا من راح يفضحها *** ومقدم الخـير يا من جاء يخـزيـهـا
 
وعد لها حين لا تـُغـْني مدافعها *** عن الزعيم ولاتجدي طوابيها
 
وارجع إليها فيالله فاتحها *** يوم الإياب ويالله غازيها
 
وانزل على الطائر الميمون ساحـَتـَها *** واجلس على تلها وانعق بواديها1
 
وبـِض لها بيضةً للنسر كافِلةً *** إن الدجاج عقيمٌ في نواحيهــا
 
واظْلِمْ صحيحَ البخاري كُلَّ آيَتِهِ *** ونَمْ عن الحرب واقرأ في لياليها2
 
واخرج القوم من مصر بخارقةِ *** تفوق “فاشودة” فيها وتنسيها3
 
من العجائب صاروا مِن أحِبـَّتها *** فيما زَعَمـْتَ وصاروا من أعاديها
 
كأن ما كان من حرْب ٍومن حَرَب ٍ *** عَتـْبُ المودةِ لا يودي بصافيها4
 
وضَعْ عِمامتك الخضراء من شرفٍ *** يَعرِفْك كلُّ جهول من أهاليها5
 
وقُصَّ رؤياك مكذوباً بمضحكها *** على البنين، ومكذوباً بمبكيها
 
فلست تـَعْدَمُ عُمياً من أكابـِرِها *** ولَسْتَ تـَعْدم بُكماً من أعاليها
 
ولَسْتَ تَعْدم في الأجواء ذا سَفـَهٍ *** يُحْصي الديون التي تَشـْكو ويَقـْضيها
 
قل للملك “إدورد” أصبت غِنىً *** عن الهنود وإرلندا وما فيها
 
هذا عرابي تمنى أن تقابلهُ *** وأن يَنالَ يَداً جَلَّت أياديها6
 
فَمُرَّ بإنكلترا تُزجي فيالِقَها *** وبالأساطيل تَدْوي في موانيها
 
ومُرَّ بلندرةٍ تبدو بزينتها *** وتنجلي للبرايا في مَجاليها
 
فأين “روبرس” منه إذ يُتَمِّمُها *** وأين “سيمور” منه إذ يوافيها؟
 
هذا الذي يعرف الإفرنج صولتهُ *** والبَرُّ يعلمها والبحر يَدريها؟
 
وسله بالله إن صافحت راحته *** ما نفسُهُ؟ ما مناها؟ ما مساعيها؟
 
وأين أيْمانُهُ اللاتي أشادَ بها *** ألا يُحَكَّم فيها غيْرَ أهليها
 
وأن يموت عزيزاً دون أرْبُعِها *** ولا يعيش ذليلاً في مغانيها
 
وقل لنا بلسان النيل تُوجعُهُ *** والنفس إن صَغُرَت لا شَيءَ يُؤذيها
 
تلك العظام بلا قبرٍ ولا كفن ٍ *** لولاك لم يَبْلَ في العشرينَ باليها7
 
فَاقْرَ السلام عليها حين تَنْدُبها *** وأمِّلِ العفوَ منها حين تَبكيها
 
وناجها مرة في العمر واحِدَةً *** لو كان سهلاً عليها أن تناجيها
 
اوردتها الموت لم تَبْلُغ بهِ شرفاً *** ولا توخيتَ بالأوطانِ تَنويها
 
 
يا بن الحسينِ، حُسينٌ ماتَ من ظمأ *** وأنت محتـَفِلٌ بالنفس تـُرويها
 
أبوة المصطفى ما زال يلبسها *** حرٌ قشيبُ ثياب العز ضافيها
 
حتى تنازعها في مصر صِبْيتُها *** دَعوى، وحتى تَرَدَّتها غوانيها
 
وأصبحت لجبان القوم مَنـْقَبة *** وزينةً لجهولِ القوم يُبديها
 
زعمت أنك أولى من أعِزتهـا *** بها، وأحنى عليها من مواليها
 
وكنتَ تطربُ إذ تتلى مَدائحـُها *** فأين دمعك إذ تُتلى مراثيها؟
قصيدة معركة التل الكبير، لأحمد شوقي
هذه هي ثالث قصائد أحمد شوقي في هجاء أحمد عرابي. وقد نُشرت القصيدة في اللواء في العدد 600 بتاريخ 12 يناير 1902 بعنوان “صوت العظام أو عرابي أمام قتلى التل الكبير”، وأيضاً بدون توقيع، وتبين أنها لشوقي، إذ في تقديم جريدة اللواء للقصيدة ما يدل على ذلك إذ تقول”… فإن خير ما جادت به قرائح شعراء مصر والعرب والإسلام قصيدة أنشأها أبلغ البلغاء، ننشرها اليوم عبرة للمعتبرين وغير المعتبرين، وعظة عالية للوطنيين والمارقين، وبها نكتفي عن نشر ما كتبه إلينا صفوة أبناء القطر عن مسعى الذين يريدون رد رتب عرابي ونياشينه إليه. ويحملّون الأمة عاراً فوق عارها، ولبيه فوق بلاياها الكبار.”
 
وقدد كرر شوقي في هذه القصيدة ما قاله في قصيدتيه السابقتين وزاد، ودافع عن البيت العلوي، وعن سياسة الخديوي توفيق.
 
وهي من بحر الوافر: مفاعلتن مفاعلتن مفاعل …
 
طالع القصيدة كاملة في قصيدة معركة التل الكبير (صوت العظام)
 
عرابي كيف أوفيك الملاما *** جمعت على ملامتك المناما
 
فقف بالتل واستمع العظاما *** فإن لهــا كمــا لهمــو كلاما
 
سمعت من الورى جداً وهزلاً *** فأنت إذ تَقولُ القولَ فَصـْلا
 
كأنَّك قاتِلٌ والحُكْم يُتـْلَى *** عليكَ وأنت تنتظرُ الحِماما1
 
ولاتأمل من الأموات عفواً *** وإن كان الحسين أباكَ دَعوَى
 
ارَقْتَ دماءهم لعباً ولهوا *** ولم تعرف لغاليها مقاما
 
دماءٌ قد فَدَتْكَ ولم تصنها *** نَفَضْتَ يديكَ يوم “التل” منها
 
فكيف تنام عين الله عنها *** إذا غفل الملا عنها وناما؟
 
لقد سُفِكَت بجهلك شَر سَفْكٍ *** لغير شهادةٍ أو رفْعِ مُلكِ2
 
وأنت على قديم العز تبكي *** وتندُبُ رتبة لك أو وساما3
 
تقول لك العظام مقال صدقِ *** ورب مقالةٍ من غـير نُطـْقِ
 
قتلت المسلمين بغير حقٍّ *** وضيعت الأمانة والذماما
 
تقولُ: لقد بَقيتَ وما بقينا *** ثبتنا للعِدا حتى فَنينا
 
 
وغرك من أبي العباس حـِلمُ *** ولما يكتمل في الحكم عاماأ
 
وقفت له وما ظلم الأميـرُ *** ولم يكن اطمأن به السرير
 
فجل الخطب واضطربت أمورُ *** عَييت بأن تكون لها نِظاما
 
تقول مقالةً فيها اعتبارُ *** عشية حال بينكما الفـِـرار
 
أموت ٌ يا عرابي ثم عارُ *** يلازمنا بقائدنا لِزامــا؟
 
رمانا بالجـَبانة كلُّ شعبِ *** وسبـَّتنا الخلائق أيَّ سـبِّ
 
لأجلك حين لم تخرج لحرب *** ولا جرَّدتَ في الهيجا حسـامـا
 
وقيل: زعيمُهُم ولى الفِرارا *** وفي “بلبيس” قد ساقَ القِطارا
 
وخـَلَّفَ جيشه فوضى حيارى *** وقد بلغَ العِدا فيهم مَرامــا
 
نـُسائلُ عن عرابي لا نراهُ *** وننشد حامياً خَلَّى حمــاهُ
 
ركبنا الموتَ لم نركب سِواهُ *** وأنت رَكِبتَ للعارِ الظلامـا
 
 
رويداً يا شعوب الأرض مهلا *** فما كنا لهذا اللوم ِ أهــلا
 
أراكُمْ واحدٌ جبناً وجهلا *** فأنساكم مواقفنا العِظامــا
 
سلوا تاريخنا وسلوا “عليَّ” *** ألم يملأ بنا الدنيا دويـّا؟
 
لقد عاش الأمير بنا قويا *** وعشنا تحت رايته كرامــا
 
يـَعُزُّ بنا ويقهر من يشاءُ *** كأنا تحت رايته القَضــاءُ
 
لنا في ظلها وله عـَلاءُ *** ومجدٌ يملأ الدنيا ابتسامــا
 
ألم نكْفِ الحجاز عَوان حرب ِ *** وأنقذناه من حرب ٍوكرب ِ
 
فكنا للمهيمن خير حزْب ِ *** أجرنا الدين والبيت الحرامــا
 
سـَلوهُ وأهلَهُ أيامَ ثاروا *** ألم نقبض عليه وهو نارُ؟
 
وكان الدينُ ليسَ لهُ قرارُ *** فثبـَّتناهُ يومئذٍ دِعامــا
 
ألم نك خلف “إبراهيم” لما *** رَقى بجواده الأبراج شمـّـا؟
 
وكبَّر يوم “مورة” ثم سمّى *** فكنا الصفَّ إذ كان الإماما
 
وفي اليونان أحسنا البلاءَ *** وهز المسلمون بنا اللــواءَ
 
وقدمنا بوارجنا فِداءَ *** على الأمواج تضطرم اضطرامــا
 
وفي البلغار صـُلنا ثم صُلنا *** وطاولنا الجبال بها فَطُلنـا
 
وسَل عن بأسِنا سودانَ مِصـْـرا *** فعبد اللهِ والمهديُّ أدرى
 
بأنا الأسد إقداماً وأجرا *** إذا اصطدم الفريقان اصطداما
 
وفي المسكوف شـِدنا ذِكْرَ مـِصـْرا *** على قتلى بها مِنـّا وأسـْرى
 
بَلَغنا نحن والأتراك عُذرا *** وأرضَينا المهيمنَ والإمامـــا
 
وكان لنا بلاءٌ في “كريــدِ” *** بيومٍ ثائرِ الهيجا شديــد
 
أذبناها وكانت من حديد *** وأطفأنا لثورتها ضرامــا
 
رفعنا المُلك بالمهج الغوالي *** تسيل على القواضب والعوالي
 
وبالأذكار لم نحي الليالي *** ولا بتنا على الضيم نيامــا
 
 
تقول لك العظام: دع الأماني *** ولا تحفِل بسيفٍ غير قان ِ
 
وليس بذي الفقار ولا اليماني *** ولا المقهورِ رَفْعاً واستلاما
 
أراح الله منك حديدتيه *** وأنسى الناس ما عَلِموا عليه
 
وأنت تنبه الدنيا إليهِ *** وتفتأ تَذكُرُ العار الجـُساما
 
أما والله ما لُعَبُ الصِّغار *** ولا خشبٌ يُقَلِّدُ في “الحواري”4
 
لقد ضاع الفَخار على “الخفيـر” *** وضاعت عنده نِعَم الأميـــر
 
أمن تحت السلاح إلى الوزير ِ *** يُسَمى السيد البطل الهُماما؟5