أخوة الإيمان تجمعنا بقلم محمد بركات

42

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة

 والسلام على المبعوث رحمة

للعالمين سيدنا محمد وعلى آله

وصحبه أجمعين وبعد:

فلا زلنا مع القرآن الكريم ننهل

من علومه وأحكامه فهو المنهل

الصافي والمنبع لكل خير.

ما أجملها الأخوة لله وفي الله،

فهي وحدها التي تدوم ولذلك لا

ينبغي أن يحدث الشقاق

والخلاف الطبيعي ببن أي

أخوين مسلمين أن يسوقهما إلي

طريق مسدود .. وللأسف يكون

بطبعه الواقع المؤلم الذي نحياه

ونعاصره.

ولذلك لم ينف الله عنهم صفة الإيمان حتي مع وقوع الخلاف والشقاق لأنه الوصف الثابت لهم والمحقق فيهم (مؤمنون)، لكن الشقاق والخلاف أمر عرضي سرعان ما ينتهي ويزول.

يقول الله تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }(سورة الحجرات، الآية: 10)

جاء في تفسير الإمام القرطبي رحمه الله:
قوله تعالى : إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون .
فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : إنما المؤمنون إخوة أي في الدين والحرمة لا في النسب ، ولهذا قيل : أخوة الدين أثبت من أخوة النسب ، فإن أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين ، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا . وفي رواية : لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، التقوى هاهنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه لفظ مسلم . وفي غير الصحيحين عن أبي هريرة قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يعيبه ولا يخذله ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عليه الريح إلا بإذنه ولا يؤذيه بقتار قدره إلا أن يغرف له غرفة ولا يشتري لبنيه الفاكهة فيخرجون بها إلى صبيان جاره ولا يطعمونهم منها . ثم قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ( احفظوا ولا يحفظ منكم إلا قليل ) .

الثانية : قوله تعالى : فأصلحوا بين أخويكم أي بين كل مسلمين تخاصما . وقيل : بين الأوس والخزرج ، على ما تقدم . وقال أبو علي : أراد بالأخوين الطائفتين ; لأن لفظ التثنية يرد والمراد به الكثرة ، كقوله تعالى : بل يداه مبسوطتان وقال أبو عبيدة : أي : أصلحوا بين كل أخوين ، فهو آت على الجميع . وقرأ ابن سيرين ونصر بن عاصم وأبو العالية والجحدري ويعقوب ( بين إخوتكم ) بالتاء على الجمع . وقرأ الحسن ( إخوانكم ) الباقون : أخويكم بالياء على التثنية .

الثالثة : في هذه الآية والتي قبلها دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان ; لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين . قال الحارث الأعور : سئل علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – وهو القدوة عن قتال أهل البغي من أهل الجمل وصفين : أمشركون هم ؟ قال : لا ، من الشرك فروا . فقيل : أمنافقون ؟ قال : لا ; لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا . قيل له : فما حالهم ؟ قال إخواننا بغوا علينا .

وجاء في تفسير الإمام الطبري رحمه الله:
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )

يقول تعالى ذكره لأهل الإيمان به ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) في الدين ( فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) إذا اقتتلا بأن تحملوهما على حكم الله وحكم رسوله. ومعنى الأخوين في هذا الموضع: كل مقتتلين من أهل الإيمان, وبالتثنية قرأ ذلك قرّاء الأمصار. وذُكر عن ابن سيرين أنه قرأ بين إخوانكم بالنون على مذهب الجمع, وذلك من جهة العربية صحيح.

غير أنه خلاف لما عليه قرّاء الأمصار, فلا أحب القراءة بها( وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) يقول تعالى ذكره: وخافوا الله أيها الناس بأداء فرائضه عليكم في الإصلاح بين المقتتلين من أهل الإيمان بالعدل, وفي غير ذلك من فرائضه, واجتناب معاصيه, ليرحمكم ربكم, فيصفح لكم عن سالف إجرامكم إذا أنتم أطعتموه, واتبعتم أمره ونهيه, واتقيتموه بطاعته.

وجاء في تفسير الإمام ابن كثير رحمه الله:
وقوله : ( إنما المؤمنون إخوة ) أي : الجميع إخوة في الدين ، كما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ” . وفي الصحيح : ” والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ” . وفي الصحيح أيضا : ” إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك : آمين ، ولك بمثله ” . والأحاديث في هذا كثيرة ، وفي الصحيح : ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ” . وفي الصحيح أيضا : ” المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ” وشبك بين أصابعه .

وقال أحمد : حدثنا أحمد بن الحجاج ، حدثنا عبد الله ، أخبرنا مصعب بن ثابت ، حدثني أبو حازم قال : سمعت سهل بن سعد الساعدي يحدث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ” إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، يألم المؤمن لأهل الإيمان ، كما يألم الجسد لما في الرأس ” . تفرد به ولا بأس بإسناده .

وقوله : ( فأصلحوا بين أخويكم ) يعني : الفئتين المقتتلتين ، ( واتقوا الله ) أي : في جميع أموركم ( لعلكم ترحمون ) ، وهذا تحقيق منه تعالى للرحمة لمن اتقاه .

اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن الكريم خشوعا وخضوعا وتديرا وهداية ورشادا وسعادة وسرورا اللهم آمين.