أدب الفروسية والأدب البوليسي بقلم الأديب المصرى د. طـارق_ رضـوان_ جمعــة

76

الروايات البوليسية تعكس بصدق تطور الفكر الإنساني من عالم السحر والأساطير والأشباح التي عملت على ترسيخ الفكرة الساذجة في الأذهان إلى عالم الآلة والتكنولوجية حيث تفرغ الإنسان لحل مشاكله اليومية انطلاقا من العلم والفن على حد سواء بمنهجية وموضوعية، حيث تسود العقلانية في مواجهة الرغبات والغرائز.
إن الرواية البوليسية كتجلي أدبي وليدة الحداثة الغربية- بمفهومها الواسع-التي عرفتها أوروبا بعد الثورة الصناعية بفرنسا، ويفهم من الحداثة حسب تعريف الدكتور محمد علي محمد أنها ” قوة اجتماعية مستقلة، تخضع لقوانين داخلية خاصة بها، إلا أنها في النهاية إنتاج لرؤية الإنسان وإرادته. وتمر الحداثة بصراع من ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة الإيقاظ أو الصدمة
وهي مرحلة تتميز بالصراع الذي يحدث بين الفكر المحافظ والفكر المجدد بمعنى أن المجتمع التقليدي حينما يواجه أفكارا ونظما وخبرات حديثة، تظهر بداخله أصوات تطالب بالتجديد والإصلاح.
المرحلة الثانية: الإصلاح و التحديث
حين تتضح فكرة التحديث في المجتمع، يزول تدريجيا الصراع بين الفئات المجددة، ويحدث اكتمال في المنظور السياسي والاجتماعي والثقافي..
المرحلة الثالثة: مرحلة التجلي
وهي المرحلة التي تتحقق فيها بالفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية، فينتقل المجتمع من مجتمع ريفي يعتمد على الزراعة كطريقة في الحياة، إلى مجتمع صناعي حضري..
الأدب البوليسي أو الأدب الجنائي هو قصة أو رواية قوامها اكتشاف رجل من رجال البوليس أو التحرّي جريمة تبدو وكأنها “كاملة”. وفي هذا النوع من القصة أو الرواية يتقدم المؤلف نحو “الحلّ” بطريقة مشوِّقة تثير فضول القارئ، وتحبس أنفاسه وتستثير مَلَكَة حلّ الألغاز عنده. يُعتبر إدغار آلان بو Poe مؤسس القصة البوليسية وذلك بقصّته “جرائم شارع مورغ” The Murders in the Rue Morgue (عام 1841)، ثم قصة (لغز ماري روجيه). وبرز في المملكة المتحدة تشارلز ديكنز في عام 1852 بروايته (البيت الكئيب)، وبدأ يظهر ما يسمى بأدب الجريمة. ويُعتبر السير آرثر كونان دويل ويكلي كوليز، أجاثا كريستي وجورج سيمنون، مارجرين ألينغهام وجاك فولتير من أبرز أعلامها. الا أن الروايات التاريخية التي كتبتها أجاتا كريستسي عن مصر الفراعنة وبابل العراق كانت الحبكة البوليسية فيها أضعف، نتيجة الاهتمام بإبراز النواحي التاريخية على الحس البوليسي.
تطور الأدب البوليسي ودخلته شخصيات جديدة، وأنماط جديدة في كتابة الأدب البوليسي حيث انبثق منه روايات الجاسوسية التي ساعدتها أحداث القرن العشرين، مثل الحربين العالميتين والحرب الباردة ومن أشهر الشخصيات المبتدعة في هذا الشأن شخصية جيمس بوند وشيرلوك هولمز.
غالبية القصص البوليسية ذات نمط واحد، سواء كانت الحكاية رواية أو قصة طويلة، أو رواية قصيرة أو قصة قصيرة. إذ يتوقع من المؤلف التّعامل بعدالة مع القارئ، أي أنه يجب إعطاء القارئ تمامًا المعلومات ذاتها التي يستخدمها الشرطي السري في العثور على الجاني. وبإمكان القراء النظر إلى القصة على أنها معركة ذكاء بينهم وبين المحقق السري.
بدأت القصة البوليسية مع إدجار ألان بو في روايته حوادث القتل في شارع مستودع الجثث عام 1841 . وبعد أن انتشرت فكرة الروايات البوليسية في شتى أنحاء العالم خرج الكاتب غوشو أوياما بابتكار التحري الصغير المحقق كونان ولكن كانت مجرد قصص على صفحات كأي قصة بوليسية أخرى ثم لمعت فكرة التلفاز فكانت حلقات المسلسل تعرض على التلفاز الياباني منذ عام 1996 وكانت بعنوان أغلقت القضية (بالإنجليزية: Case Closed)‏ ثم تغيرت لعنوان المحقق كونان.
تتلخص الهواجس المركزية التي تحرك النصوص البوليسية أو تقف وراء إنتاجها في الأدب الغربي فى:
1- النمو السريع لعالم المدينة والذى أفرز مشاحنات وتناقضات اجتماعية خطيرة، نتيجة صراع ثقافات مختلفة.
2- الطموح على اعتلاء مراكز السلطة، عن طريق استخدام أقبح الطرق، وأوضعها.. كاللجوء إلى التزوير في الانتخابات والممارسات اللاشرعية، والرشوة.
3- اللجوء إلى العنف الشفهي أو الجسدي، وممارسة العنف السياسي، وما يسببه هذا العنف من ضحايا إنسانية وأزمات اجتماعية واقتصادية.
4- انتشار تعاطي الخمر والمخدرات في الأوساط الطلابية وداخل المدارس والجامعات، وما ينتج عن ذلك من تدهور في العلاقات الأسرية.
5- كثرة الملاهي، واعتبار الجنس ظاهرة اجتماعية تسمح بها أخلاق المجتمع الغربي.. دون فرض رقابة على الأفراد انطلاقا من فكرة حرياتهم الشخصية وحقوقهم الاجتماعية واستفحال أمر الممارسة الجنسية واللواط نتيجة تعاطي الشباب المخدرات حياة اللهو والمجون، وانتشار المخدرات في الأحياء الأكثر سكانا.
6- جمود الحس الديني، وعدم فعاليته في الحياة الاجتماعية والسياسية.
كل هذا ساهم في قطع الصلات بين أفراد المدينة الواحدة، وولدت حقدا اجتماعيا رهيبا، تسبب في هدم العلاقات الإنسانية بين سكان المدن، وبقيت هذه العلاقات قائمة على المادة، لكنها سرعان ما كنت تنتهي وتزول بمجرد انتهاء السيولة النقدية أو زوال اللذة الجسدية، والمنفعة الذاتية..
عرفت الرواية البوليسية في الغرب عدة أطوار ولكنها في مجمل هذه الأطوار كانت تفصح عن كشف وفضح الحياة الرأسمالية بتناقضاتها المختلفة، وإن كانت هذه الرواية في بداية تطورها توخت حل أزمة المجتمع البرجوازي الرأسمالي في شكل حلقة مغلقة .
ويتجلى هذا من خلال أحداث الرواية، انحراف هذه الطبقة البرجوازية الرأسمالية ( غش، تزوير، إبتراز )، ولكن فضح هذا الانحراف، لا يظهر في الأدب البوليسي الكلاسيكي، إلا من خلال الإطار الأخلاقي الذي حددته هذه الطبقة لنفسها.. وكأنه انحراف مشروع يخصها وحدها.. ولذلك تبدو صورة.. أرسان لوبان..(Arsène Lupin) رمزا طبقيا، يعكس بطولة خيالية شبيهة ببطولة “دون كيشوت” حين يحارب خيالا طبقيا وهميا، سرعان ما يسقط في أتونه. وهنا يجب ان نلاحظ الفرق بين دور رجل البوليس الذى تشك في نزاهته الطبقة الأرستقراطية ، وبين المخبر السرى: فظاهرة الاعتماد على محقق سري حر تعكس الوجه الخفي لمقصد البرجوازية المتمثل في عرض قضاياها السرية على هذه الطبقة لنفسها لمعالجة فضائحها في إطار سري مغلق، وما يمكن أن تكشفه من جوانب دنيئة متناقضة في حياة هذه الفئة من المجتمع.
وتبدو علاقة التشابه كبيرة بين الفروسية كبطولة رعوية، ومفهوم البوليسية كبطولة مدنية، وهناك ما يبرز إجراء مقارنة بين الصنفين : يتميز أدب الفروسية بطابعه المثالي في الوصف، على نحو ما اتسم به فن الملاحم في العصور الوسطى من قبل.” فالبطل في القصة مثل الفارس الكامل، يعيش في عالم بعيد عن الحقيقة، حيث تحميه قوانين غيبية. فهو يحارب مخلوقات وحشية، وعملاقة، “ولا يربط بين الأحداث سوى شخصية البطل التي تنتقل من نصر إلى نصر”.
إن المؤثرات المباشرة وغير المباشرة في الأدب البوليسي في المجتمع الغربي تكمن في الموروث الثقافي بالمعنى الواسع للكلمة، أي معتقدات الناس، ومواقفهم واتجاهاتهم، وقيمهم وعاداتهم وأنماط سلوكهم، وغير ذلك من أساسيات ومقومات الثقافة. وهذه المثالية حاضرة كصفة ملازمة لبطل الرواية البوليسية، إلا أن الفارق بين بطل الأدب الفروسي، وبطل الأدب البوليسي يكمن في نوعية وجنس المخلوقات التي يصارعها كل منهما، فبينما يصارع البطل في القصص الفروسي مخلوقات وهمية، وعملاقة، تحميه قوانين غيبية، يصارع البطل في الرواية البوليسية مخلوقات وحشية لكنها من جنس الآدميين ( عصاة، مجرمون شواذ، مرضى)، تحميه قوانين شرعية وضعية وهو يعيش حياة واقعية تحكمها روابط عقلية محضة.. والبطل في الأدب البوليسي أو أدب الفروسية شخص محب، يضحى بذاته في سبيل هدف نبيل: فالحب الخالص مبدأ شريف ولا بد لصاحبه أن ينتصر على ما يقوم في سبيله من عقبات، ولكن المحب عليه أن يبرهن على صدق حبه بالخضوع لأمر حبيبته ولو كان في هذا الخضوع هلاكه..
وأنه بمثاليته يبعد كثيرا عن الواقع على حسب ما يعرفه الناس، فيفسد العقول بخلطه بين عالم الغيب، وعالم الواقع. وتتضح علاقة التشابه بين الفروسية كبطولة رعوية، ومفهوم البولسة كبطولة مدنية، في كون الصراع الذي يخوضه البطل في الجنسين الأدبيين صراعا وهميا، يتمثل في كفاح الفارس ضد الوحش، والعمالقة، وصراع المحقق ضد المجرمين والعصاة وهو كفاح وصراع المنتصر دائما، وتأتي بعد ذلك النهاية المكررة دائما من ظفر البطل ، وتغلبه على جميع الصعوبات وتمكن المحقق من القبض على المجرم وتقديمه للعدالة.
يتبع فللحديث بقية…