أديب الدعوة وشيخها محمد الغزالي السقا رحمه الله المتوفي1416 الجزء الخامس

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: 

لكل زمان رجاله ، ولكل حديث فرسانه ، لكن أن تقوم بحفر اسمك صلبا صلدا قويا شديداً مع تيارات الزمان التي لا تهدأ ، ومع معطيات الحداثة التي غيرت من أشكال مجتمعاتنا إنه للأمر شديد الصعوبة وصاحبه قد فاق حدود زمانه ومكانه أيضا .

ليس بكثير هذا الكلام وغيره عن رجل قضي عمره في الدعوة إلى الله علي كل منبر له حديث وفي كل موقف وتد أسد جسور يذب عن دين الله وعن رسول الله ﷺ.

محمد الغزالي (1335 – 1416هـ ، 1917 – 1996م).

 ولا زلنا في إبحارنا مع غزالي الدعوة وأديبها الشيخ الغزالي رحمه الله ، وقذائف الحق:

يقول ببصيرة الأديب والداعية الحصيف وهو متأمل لأبحاث العلماء في الفلك: 

” إننا نظن أحياناً أن المشروع على ما يرام، فقد بلغنا سرعة تصل إلى حوالى 29 ألف كيلو متر فى الساعة فى الدوران حول الأرض ـ أى حوالى 8 كيلو مترات فى الثانية ـ وهى سرعة كبيرة حقاً بالنسبة لمقاييسنا الأرضية، كما أنها سرعة مرتفعة إلى حد مناسب ونحن على ارتفاع يزيد قليلاً على 160 كيلو متر..

” أما بالنسبة لما يجرى فعلاً فى الفضاء فإن مجهوداتنا هذه تعد ضئيلة جداً ” ا. هـ.

ويعرج علي هذه الشهادة العلمية: 

وصدق رائد الفضاء فى كلمته تلك، فإن ما يصل إليه الإنسان بجهده وفكره شىء محدود القيمة بالنسبة إلى ما يقع فى العالم حوله، وأذكر أننى تجولت فى مصانع السكر، ورأيت الأنابيب الطافحة بالعصير، والأفران المليئة بالوقود، والآلات التى تغطى مساحة شاسعة من الأرض، لقد قلبت البصر هنا وهنالك ثم قلت: سبحان الله! إن بطن نحلة صغيرة يؤدى هذه الوظيفة.. وظيفة صنع السكر دون كل تلك الأجهزة الدوارة والضجيج العالى!

وخيل إليّ أن المخترعات البشرية لا تعدو أن تكون إشارة ذكية إلى ما يتم فى الكون بالفعل من عجائب دون وسائط معقدة وأدوات كثيرة.

ولو أن البشر أرادوا بناء مصنع للف الحبات النضيدة فى سنبلة قمح بالقشرة التى تحفظ لبابها لاحتاج الأمر إلى حجرة كبيرة تحت كل عود!

لكن ذلك يحدث فى الطبيعة فى صمت وتواضع!

والمقارنة التى عقدناها هنا تجاوزنا فيها كثيراً، فإن الإنسان المخترع هو بعض ما صنع الخلاق، والمواهب الخصبة فيه بعض ما أفاء الله عليه..

وكأنما أراد الله الجليل أن يعرف ذاته وعظمته للإنسان الذى أنشأه، فهداه إلى بعض المخترعات؛ ليدرك مما بذل فيها كيف أن الكون مشحون بما يشهد للخالق بالاقتدار والمجد.

ولا شك أن الداعية القارئ لديه من الإدراك في إبصار ومعرفة الحقائق ماليس عند غيره حيث يقول: 

 إن ميلاد برتقالة على شجرة أروع من ميلاد ” سيارة ” من مصنع سيارات يحتل ميلاً مربعاً من سطح الأرض. ولكن الناس ألفوا أن ينظروا ببرود أو غباء إلى البدائع لأنها من صنع الله، ولو باشروا هم أنفسهم ذرة من ذلك ما انقطع لهم ادعاء ولا ضجيج..

وهنا نقطة جوهرية لمن قرأ عن الشيخ الغزالي أو عرفه:

إننى عرفت الله بالنظر الواعى إلى نفسى وإلى ما يحيط بى، وخامرنى شعور بجلاله وعلوه وأنا أتابع سننه فى الحياة والأحياء.

وبدا لى أن أستمع إلى ربى فى الوحى الذى أنزله.. إذ لا بد أن يكون هذا الوحى حديثاً ناضجاً بما ينبغى له من إعزاز وحمد!

كان أقرب وحى إلى هو القرآن الكريم لأننى مسلم، فلما تلوته وجدت التطابق مبيناً بين عظمة الله فى قوله، وعظمته فى عمله.

سمعته يقول:

” الله خالق كل شىء، وهو على كل شىء وكيل، له مقاليد السموات والأرض.. “

 [سورة الزمر ، الآيتان : 62، 63]

” الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تفيض الأرحام وما تزداد، وكل شىء عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة، الكبير المتعال.. “

 [سورة الرعد ، الآيتان : 8، 9]

” الله الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً “

 [سورة غافر ، الآية: 61]

” الله الذى جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم “

 [سورة غافر، الآية: 64]

” بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة، وخلق كل شىء وهو بكل شىء عليم، ذلك الله ربكم، لا إله إلا هو خالق كل شىء وهو على كل شىء وكيل، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير “

 [سورة الأنعام ، الآيتان : 101، 102]

، وآيات أخرى كثيرة كثيرة، كلها شواهد على أن ما وقر فى نفسى عن الله بطريق العقل قد أيده النقل تأييداً مطلقاً، وجعلنى أستريح إلى الإسلام فكراً وضميراً.

ومع ذلك فإن حب الاستطلاع دفعنى إلى أن أطالع ما بأيدى الآخرين من كتب منسوبة إلى السماء، وقلت: ربما أضافت جديداً إلى ما عندى.

.. ومددت يدى إلى ” الكتاب المقدس ” وشرعت أقرأ بدء الخلق، وقصة الحياة كما رواها العهد القديم.

والداعية الواعي يقف علي الحقائق دون المزايدة عليها:

ولست أحب التجنى والإثارة، إننى سوف أذكر ما لدى من مقررات عقلية أيدتها النقول الإسلامية، ثم أضع بين يدى الناس وجهة نظر ” العهد القديم ” فى هذه القضايا، مكتفياً بنقل نصوص معروفة لدى أصحابها، ويستطيع كل امرىء أن يقرأها فى مظانها.

ثم يتعجب ويدهش من بعض مقولات وادعاءات الجهلاء :

الله يتعب ويجهل ويندم ويأكل ويصارع!!

نعم..كيف هذا!!!

هل يمكن أن يتعب الله، وأن يأخذه الإعياء بعد عمل ما؟

القرآن الكريم يجب على هذا السؤال: 

” أو لم يروا أن الله الذى خلق السموات والأرض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى؟ بلى إنه على كل شىء قدير ” 

(سورة الأحقاف ، الآية: 33)

ومن البدائه أن يكون الخلاق الكبير فوق الإجهاد، وذهاب القوة: ” وسع كرسيه السموات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلى العظيم “

 (سورة البقرة ، الآية: 255) .

ولذلك يقول مثبتاً هذه الحقيقة: ” ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام وما مسنا من لغوب”

 (سورة ق ، الآية: 38)

لكن العهد القديم يذهب غير المذهب، ويصف الله فيقول:

” وفرغ الله فى اليوم السادس من عمله فاستراح فى اليوم السابع من جميع عمله الذى عمل، وبارك الله السابع وقدسه، لأنه فيه استراح من جميع عمله الذى عمل الله خالقاً ” (سفر التكوين: الاصحاح الثانى)

[محمد الغزالي، قذائف الحق]

انظر كيف هو الطرح والرد العلمي الفكري العقلي الذكي بدون حمية وعصبية الجاهلية إنما التفنيد عن علم وتعقل ، وهذا هو الغزالي رحمه الله.

هذا هو الغزالي رحمه الله ناقد بعين بصيرة إنه من خلال مسلمات ما يقرأ ينقلك بذكاء إلي ما يود أن تعرفه مقربا بك إلي الله تعالي.

ولا زلنا مع الإبحار ورحلتنا مع غزالي عصره الإمام الشيخ محمد الغزالي رحمه الله إن شاء الله.