أديب الدعوة وشيخها محمد الغزالي السقا رحمه الله المتوفي1416ه‍ الجزء الأول

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
لكل زمان رجاله ، ولكل حديث فرسانه ، لكن أن تقوم بحفر اسمك صلبا صلدا قويا شديداً مع تيارات الزمان التي لا تهدأ ، ومع معطيات الحداثة التي غيرت من أشكال مجتمعاتنا إنه للأمر شديد الصعوبة وصاحبه قد فاق حدود زمانه ومكانه أيضا .
ليس بكثير هذا الكلام وغيره عن رجل قضي عمره في الدعوة إلى الله علي كل منبر له حديث وفي كل موقف وتد أسد جسور يذب عن دين الله وعن رسول الله .
محمد الغزالي (1335 – 1416هـ، 1917 – 1996م).
محمد الغزالي (السبت 5 ذو الحجة 1335 هـ / 22 سبتمبر 1917م – السبت 20 شوال 1416 هـ / 9 مارس 1996م) وهو عالم ومفكر إسلامي مصري، يُعد أحد دعاة الفكر الإسلامي في العصر الحديث، عُرف عنه تجديده في الفكر الإسلامي وكونه من “المناهضين للتشدد والغلو في الدين” كما عُرف بأسلوبه الأدبي في الكتابة واشتهر بلقب أديب الدعوة
وُلِدَ في قرية نكلا العنب، ايتاي البارود، محافظة البحيرة بمصر
نشأ في أسرة “متدينة”، وله خمسة إخوة، فأتم حفظ القرآن بكتّاب القرية في العاشرة، ويقول الإمام محمد الغزالي عن نفسه وقتئذ: “كنت أتدرب على إجادة الحفظ بالتلاوة في غدوي ورواحي، وأختم القرآن في تتابع صلواتي، وقبل نومي، وفي وحدتي، وأذكر أنني ختمته أثناء اعتقالي، فقد كان القرآن مؤنسا في تلك الوحدة الموحشة”.
وهو الشيخ رقيق القلب والعين محمد الغزالي، وهو بحق بشهادة أقرانه ومن جاء بعده عالم ومفكر إسلامي مصري كبير، ولد بمحافظة البحيرة بمصر. حفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية.
وقد التحق بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر سنة 1937م وتخرج فيها سنة 1941م متخصصًا في مجال الدعوة، كما حصل على درجة التخصص في التدريس من كلية اللغة العربية عام 1943م.
، وقد عمل في وزارة الأوقاف المصرية وتدرج فيها إلى أن عين وكيلاً أول للوزارة، كما عمل محاضرًا في مجال الدعوة وأصول الدين في جامعة الأزهر وجامعة أم القرى في مكة المكرمة.
، وكان له دور كبير في نشر الوعي الإسلامي في أجهزة الإعلام في العديد من الدول العربية كالمملكة العربية السعودية وقطر والكويت والجزائر. وله الفضل في تطوير كلية الشريعة في قطر وإنشاء جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية بقسنطينة في الجزائر. تصدى لتيارات الغزو الفكري في العالم الإسلامي.
ومن مؤلفاته: فقه السيرة؛ الإسلام والأوضاع الاقتصادية؛ دفاع عن العقيدة والشريعة؛ نظرات من القرآن؛ هموم داعية، بالإضافة إلى مئات المقالات في كثير من صحف العالم الإسلامي. حاز جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1409هـ، 1989م.
وهذا قليل من كثير من جميل سيرته وحسن سجيته رحمه الله تعالى.
في كتابه ” قذائف الحق “ لنا وقفات متعددة وهي زاد للدعوة والدعاة وقد أبلي شيخنا رحمه الله و غفر له بلاءا حسنا في رفع الهمم وإزالة ما عساه تراكم عبر الزمن من غبار الهموم وكبوات ألمت بعالمنا الإسلامي عبر قرون متلاحقة.
إنه مهموم بقضية شغلته طوال عمره فيقول:
من خمسين سنة، عندما عقلت ما يجرى حولى، أدركت أن نصف الإسلام ميت أو مجمد، وأن نصفه الآخر هو المأذون له بالحياة أو الحركة إلى حين!!
وأحسست أن هنالك صراعاً يدور فى الخفاء أحياناً، وعلانية حيناً بين فريقين من الناس:
ـ فريق يستبقى النصف الموجود من الإسلام، ويدفع عنه العوادى، ويحاول استرجاع النصف المفقود، ويلفت الأنظار إلى غيابه.
ـ وفريق يضاعف الحجب على النصف الغائب، ويريد ليقتله قتلاً، وهو فى الوقت نفسه يسعى لتمويت النصف الآخر وإخماد أنفاسه وإهالة التراب عليه.
.. وكلما طال بى العمر كنت ألحظ أن المعركة بين الفريقين تتسع دائرتها وتشترك فيها إذاعات وأقلام، وجماعات وحكومات، ومناقشات ومؤامرات..
وكانت الحرب سجالاً، وربما فقد المؤمنون بعض ما لديهم، وربحوا بعض ما أحرزه خصومهم، وربما كان العكس، وفى كلتا الحالتين تنضم إلى معسكر الحق قوى جديدة وتنضم إلى معسكر الباطل قوى جديدة، ويزداد الصراع حدة وشدة كلما لاح أن الساعة الحاسمة تقترب..
ونحن نصدر هذا الكتاب فى ظروف شديدة التعقيد:
أعداء الإسلام يريدون الانتهاء منه، ويريدون استغلال المصائب التى نزلت بأمته كى يبنوا أنفسهم على أنقاضها..
[محمد الغزالي، قذائف الحق، صفحة ٥]
نعم أيها القارئ الكريم فليس مجرد أنك مسلم- وهي بالتأكيد نعمة عظمي أن منحت الإسلام هدية ومنحة من الله دون طلب – أنك لا تشعر كم يكاد لهذا الدين عبر المؤامرات وما يحاك للمسلمين هنا وهناك وما يدبر بليل والكم الهائل من الإساءات والهجمات المتلاحقة عبر المنصات والقنوات الإعلامية في وقت طغت فيه الصورة وحجمها علي الكلمة والحقيقة.
فهو خطر فطن إليه الأديب الأريب والعالم الجسور محمد الغزالي وشغل حيزا كبيراً من وقته.
فهو يعرج علي هدفهم ويفطن بذكاء إلي مؤامرتهم:
يريدون بإيجاز القضاء على أمة ودين..
وقد قررنا نحن أن نبقى، وأن تبقى معنا رسالتنا الخالدة، أو قررنا أن تبقى هذه الرسالة ولو اقتضى الأمر أن نذهب فى سبيلها لترثها الأجيال اللاحقة..
من أجل ذلك نرفض أن نعيش وفق ما يريد غيرنا أو وفق ما تقترحه علينا عقائد ونظم دخيلة.
من حق المسلمين فى بلادهم أن يحيوا وفق تعاليم دينهم، وأن يبنوا المجتمع حسب الرسوم التى يقدمها الإسلام لإقامة الحياة العامة.
والإسلام ليس عقيدة فقط، إنه عقيدة وشريعة!
.. ليس عبادات فقط، إنه عبادات ومعاملات.
.. ليس يقيناً فردياً فقط، إنه نظام جماعى إلى جانب أنه إيمان فردى.
إنه كما شاع التعبير: دين ودولة..
وإذا كان هناك فى ربوع الأرض الإسلامية من يعتنق اليهودية أو النصرانية فلن يضيره ذلك شيئاً. إذ إن حرية التدين من صلب التعاليم الإسلامية، وقد ازدهرت هذه الحرية فى أرجاء العالم الإسلامى جمعاء، عندما كانت مطاردة فى أقطار أخرى لا حصر لها..
والتاريخ شاهد صدق على ذلك.
.. ثم إن اليهود والنصارى رضوا بالعيش فى ظل حكم مدنى يبيح الزنا والربا والخمر وأنواع المجون، بل عاشوا فى ظل نظم يسارية ترفض الإيمان من أصله، فلا يسوغ أن يتضرروا من حكم إسلامى ينصف نفسه وينصفهم على السواء..
وأياً ما كان الأمر فنحن المسلمين مستمسكون بحقنا فى تطبيق شريعتنا والاستظلال براية الإسلام فى شئوننا كافة، ولن نقبل نظاماً يسارياً ملحداً، ولا نظاماً مستورداً يسوى بين الأضداد، بين الكفر والإيمان، بين العفة والعهر، بين المعبد والخان، باسم الحرية.
ولأن الداعية أبصر من غيره ولا تفوته صغار الأحداث قبل كبارها من غير تحليل وتدقيق ومعرفة المغزي منها فيقول رحمه الله:
وقد لاحظنا ـ محزونين غاضبين ـ أن اتفاقاً تم بين اليهودية العالمية، وبين أقوى الدول النصرانية على ضرب الإسلام وإذلال أمته والقضاء الأخير على معالمه وتاريخه..
وأثبتت الأحداث أن الضمير الدينى عند ” أهل الكتاب ” قد فقد عدالته وطهارته نهائياً ” محنة الضمير الدينى هناك “.
فاليهود الذين مرنوا على أكل السحت وثبوا على أرضنا ليأكلوها بما فيها ومن فيها، ووراءهم أمداداً هائلة من المال والسلاح تجيئهم من أمريكا وغير أمريكا..
والكنائس الغربية تبارك هذا السطو، وتعده تحقيقاً لأحلام العهد القديم، ومن أجل ذلك تحذف لعن اليهود من صلواتها ـ كما أمر البابا بعدما أول الأناجيل، وبرأ اليهود من دم المصلوب.
إن الضمير الدينى عند إخواننا ” أهل الكتاب ” ابتلع أكبر فضيحة عالمية عندما سوغ العدوان على العرب، والتهام دورهم وأموالهم وتاريخهم، ولم ير فى ذلك شيئاً يستحق النكير..
ولعلها بصيرة من يقرأ الأمور ويعي الأحداث جيداً:
إن الحقد التاريخى على الإسلام جعل رؤساء البيت الأبيض يشاركون فى ذبحنا بسرور ورغبة، ويساعدون الغزاة بإسراف وحماس.. أما ساسة إنجلترا وفرنسا فقد أعانوا اللص أولاً على رب البيت حتى تمكن من اقتحامه، ثم عندما شرع رب البيت فى المقاومة قالوا: يمنع السلاح عن الطرفين المتساويين ، ويقسم البيت بينهما. [وذلك ما أقره مجلس الأمن! ورضى به المستضعفون!!]
هذا منطق الضمير الدينى عند اليهود والنصارى!! عند حملة رسالات السماء!!
إن احتقار الناس للدين والمتدينين إنما يجىء من هذه المسالك الهابطة.
وعندما يظفر ” الإلحاد الأحمر ” بشىء من الحفاوة والقبول فلأن مسلكه كان أقرب إلى الشرف وأدنى إلى العدالة المجردة! وصدق الله العظيم ” إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله “. [سورة التوبة ، الآية : 34].
[محمد الغزالي، قذائف الحق]
ولا زلنا مع الإبحار مع غزالي عصره الشيخ محمد الغزالي رحمه الله إن شاء الله.