أعظم شعراء العربية أبو الطيب المتنبي

39

كتب وجدي نعمان

أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي الكندي (و. 915 – ت. 23 سبتمبر 925)، هو شاعر عربي شهير. ويعتبر من

أعظم شعراء العربية.ولد بالكوفة في محلة تسمى كندة وإليها نسبته، ونشأ بالشام، ثم تنقل في البادية يطلب الأدب وعلم العربية وأيام الناس.

قال الشعر صبياً، وتنبأ في بادية السماوة (بين الكوفة والشام) فتبعه كثيرون، وقبل أن يستفحل أمره خرج إليه لؤلؤ أمير حمص ونائب الإخشيد فأسره وسجنه حتى تاب ورجع عن دعواه.

وفد على سيف الدولة ابن حمدان صاحب حلب فمدحه وحظي عنده. ومضى إلى مصر فمدح كافور الإخشيدي وطلب
منه أن يوليه، فلم يوله كافور، فغضب أبو الطيب وانصرف يهجوه.[1]

قصد العراق وفارس، فمدح عضد الدولة ابن بويه الديلمي في شيراز. عاد يريد بغداد فالكوفة، فعرض له فاتك بن أبي جهل الأسدي في الطريق بجماعة من أصحابه، ومع المتنبي جماعة أيضاً، فاقتتل الفريقان، فقتل أبو الطيب وابنه محسّد وغلامه مفلح بالنعمانية بالقرب من دير العاقول في الجانب الغربي من سواد بغداد. وفاتك هذا هو خال ضبة بن يزيد الأسدي العيني، الذي هجاه المتنبي بقصيدته البائية المعروفة، وهي من سقطات المتنبي.

سبب تسميته بالمتنبّي تختَلفُ الأقوال في سبب تسمية المُتنبّي باسمه هذا، فقد قيل في ذلك الآتي: لُقِّب المتنبّي بهذا الّلقب لما قيل عنه من ادّعاء النبّوة في شبابه، وقد لقيَ عِقاب ادّعائه من والي حمص فسُجِن؛[٣] إلّا أنّ هذه الرواية مُلفّقة لا صحّة لها، وقد وُضعت بعد زمنٍ من وفاة المتنبّي بحسب الأديب المصري أبو فهرٍ محمود محمّد شاكر، الذي تتبع روايات النبوة كلها.[١] لُقِّب المتنبّي بهذا الّلقب لما وردَ عنه من ورعٍ في خُلقه، فقد كان آخذاً نفسه بالجدّ ومُنصرفاً للعلم مبتعداً عن الفواحش، وقد حظيَ بمنزلةٍ عظيمة عند عُلماء الأدب واللغة والنحو؛ أمثال الربعي وابن جني وأبي علي الفارسي، وقد كان مُكثراً من ذِكر الأنبياء في شعره، مُشبِّها نفسه بهم، ومُقارناً أخلاقَ من يمدحهم بأخلاقهم،[١] ومن ذلك قوله عن نفسه:[٤] مَا مُقامي بأرْضِ نَخْلَةَ إلاّ كمُقامِ المَسيحِ بَينَ اليَهُودِ أنَا في أُمّةٍ تَدارَكَهَا اللّـه غَريبٌ كصَالِحٍ في ثَمودِ وردَ عن أبي علاءٍ المعرّي قوله في كتابه معجز أحمد أنّ المُتنبّي لُقّب بهذا اللقب نسبة إلى النَبْوَة، ومعناها المكانُ المرتفع؛ إشارةً لرفعة شِعره وعُلوّه لا إشارةً لادّعائه النبوّة.[٣] حياة أبي الطيب المتنبي مولد أبي الطيب المتنبي ونسبه وُلد المتنبي في الكوفة سنة ثلاث وثلاثمائةً في منطقةٍ تُسمى كِندة، وقد اختلف المؤرخون في نسبه، فمنهم من نسبه إلى قبيلة كندة وهي إحدى أشهر قبائل العرب، ومنهم من نسبه إلى حيّ كِندة في الكوفة مكان ولادته، وأنكروا نسبه إلى قبيلة كِندة، كما واختلف المؤرخون أيضاً في اسم والده، فمنهم من قال أنّ اسم المتنبي هو أحمد بن الحسين بن مرّة بن عبد الجبار الجعفي، ومنهم من قال أن اسمه أحمد بن محمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي، وأخبر آخرون أن اسمه أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي، وقال البعض أن والده كان شيخاً يسمى عبدان، ولم يأتِ المتنبي على ذكر والده في ديوانه أبداً، فلم يمدحه أو يفتخر به، ولم يَرْثه حين مات، حتى يخالُ البعض أنّه لا يعرفه، ولم يستطع المؤرخون معرفة سبب تجاهل المتنبي لذكر والده في شعره، فهل كان السبب عدم معرفته له؟ أم أنّ أباه كان رجلاً بسيطاً فلم يكن له قيمةً تُذكر؟.[٥] أمّا أمّه فلا يُعرف عنها اسمها ولا أصلها ولا من أي البلاد هي، إلا أنّه من المعروف أنّه بعد موتها كفلته أمها التي هي جدّته، وعطفت عليه وأحبته حباً كبيراً، وربته إلى أن اشتد عوده وأصبح رجلاً، ولم يُعرف اسمها أيضاً ولا اسم أبيها، لكنّ بعض الرواة ذكروا أنّها كانت من الكوفة وأنها تُنسب إلى بني همدان، وأنّها كانت امرأةً صالحةً، كما أنّ المتنبي لم يذكر عن نسبها شيئاً في ديوانه، لكنّه أشار إلى أنّ نسبها كان كريماً في هذا البيت الذي رثاها فيه حين ماتت فقال:[٦] لَوْ لمْ تَكُوني بِنْتَ أكْرَمِ والِدٍ لَكانَ أباكِ الضّخْمَ كونُكِ لي أُمّا شكّك الدكتور طه حسين في نسب المتنبي فقال: “إن مولد المتنبي كان شاذاً، وإنّ المتنبي أدرك هذا الشذوذ، وتأثر به في سيرته كلها، ولم يستطع أن يلائم به نفسه الشاذة، وبين البيئة الكوفية التي كان يُراد له أن يعيش فيها” غير أنّ هذا الكلام لا دليل له، لا سيما أنّ المتنبي كان يرى نفسه عربيّاً كما يظهر بجلاءٍ في سيرة حياته التي امتلأت بالبراهين التي تشير إلى عروبته، وليس أدلّ على ذلك من إخبار المتنبي عن نفسه في قوله:[٦][٧] لا بقَوْمي شَرُفْتُ بل شَرُفُوا بي وَبنَفْسِي فَخَرْتُ لا بجُدودِي وبهمْ فَخْرُ كلّ مَنْ نَطَقَ الضّاد وَعَوْذُ الجاني وَغَوْثُ الطّريدِ أمّا شوقي ضيف فله رأيّ آخر في قضية التشكيك في نسب المتنبي إذ يرى أنّ سبب ذلك التشكيك هو عدم ذكر المتنبي لوالده في أشعاره فحسب، فقال: “لقد شكوا في نسب المتنبي لأنه ليس في أشعاره أي إشارةٍ لأبيه و أمه وهذه مقدمةً لا تُحتم النتيجة، إذ يُشرك المتنبي في ذلك كثيرٌ من الشعراء العباسيين، الذين لايُشك في نسبهم العربيّ، أمثال البحتري، حيث إنّ ديوانه يخلو من الحديث عن أبيه ويخلو من ذكر أمه، فهل ترتب على ذلك أنه كان متهماً في نسبه”.[٧] نشأة أبي الطيب المتنبي وعلمه التحق المتنبي بكُتَّابٍ كان فيه أبناء أشراف العلويين لتلقّي علوم اللغة العربية من شعر، ونحو، وبلاغة، وكان إضافةً إلى ذلك يقضي معظم أوقاته ملازماً للورّاقين لكي يقرأ في كتبهم فاكتسب معظم علمه من ذلك، وقد عُرف عن المتنبي حبه الشديد للعلم والأدب، كما أنّه تمتع منذ صغره بالذكاءِ وقوة الحفظٍ، وقد أخبر أحد الرواة قصةً طريفةً عن قوة حفظه في صباه، وهي أنّ أحد الوراقين أخبر أنّ أحدهم جاء ليبيع كتاباً يحوي نحو ثلاثين صفحة، وكان المتنبي عنده حينها، فأخذ الكتاب من الرجل وصار يقلّب صفحاته ويطيل النظر فيها، فقال له الرجل: يا هذا لقد عطلتني عن بيعه، فإن كنت تبغي حفظه في هذه الفترة القصيرة فهذا بعيدٌ عليك، فقال المتنبي: فإن كنت حفظته فما لي عليك؟ قال الرجل: أعطكيه، فقال الوراق: فامسكت الكتاب أراجع صفحاته والغلام يتلو ما به حتى انتهى إلى آخره، ثم استلبه فجعله في كُمِّه ومضى لشأنه.[٨] أقام المتنبي في البادية أكثر من سنتين عاشر فيهما الأعراب وأفاد منهم، حيث اكتسب الفصاحةَ وتمكّن من اللغة العربية بشكلٍ كبيرٍ، ومن الجدير بالذكر أنّ المتنبي كان كثير الرواية جيد النقد، وكان من المكثرين من نقل اللغة والمطّلعين على غريبها وحوشيِِّها، كما أنّه لم يكتفِ بما حصل عليه من علمٍ من مصاحبة الأعراب في البادية، ومن ملازمة الورّاقين، ولا ممّا تعلّمه في كتّاب الكوفة، بل اتصل أيضاً بالعلماء وسافر إليهم وصاحبهم، وتعلّم على أيديهم، ومن هؤلاء العلماء: السكّري، ونفطّويه، وأبي بكر محمد بن دريد، وأبي القاسم عمر بن سيف البغداديّ، وأبي عمران موسى.[٨][٩] رحلات أبي الطيب المتنبي رحلة المتنبي إلى بغداد جاء في الصبح المنّبي أنّ أبا الطيب قال: “وردت في صبايا من الكوفة إلى بغداد”، إلّا أنّه لم يحدد تاريخ ذلك الرحيل، كما أنّ المؤرخين لم يذكروا هذا التاريخ أيضاً، لكن من الراجح أن يكون قد رحل إليها سنة تسع عشرة وثلاثمائة.[٨] رحلة المتنبي إلى بلاد الشام ولقائه بسيف الدولة ذكر المعرّي في رسالة الغفران أنّ أبا الطيب كان قد رحل إلى بلاد الشام سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ويقال إنّه كان في الثامنة عشرة من عمره آنذاك، وكان يرنو إلى المجد والعلياء، وهذا ما جعله يقيم في الشام وينظم شعر المديح، وكانت حينها قد قامت في المنطقة حروب عدّة بسبب الصراع على السلطة، انتهت بسيطرة سيف الدولة الحمدانيّ على حلب سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وبقاء دمشق تحت سيطرة الإخشيدييّن، ممّا دفع المتنبي حينها لمدح بعض الرجال الذين حاربوا في تلك المعارك أمثال: مساور بن محمد الرومي، والحسين ابن عبد الله بن طغج، وطاهر العلوي، إضافةً إلى مدحه لبعض رؤساء العرب الذين التقاهم في طريقه إلى الشام لا سيما حين أقام في منبج، أمثال سعيد عبد الله بن كلاب المنبجي، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ المتنبي كان قد سُجن في الشام أيام شبابه- كما سبق الذكر- عند ذكر أسباب تسميته بالمتنبي، وقد أجمع الرُّواة على ذلك، كما أنّ المتنبي نفسّه أخبر عن ذلك في شعره، إلا أنّه كان قد اختلف مع رواة سيرته في أسباب السجن، إضافةً إلى اختلاف الرواة فيما بينهم.[٨] تنقّل المتنبي في بلاد الشام مادحاً أمراءها، وكان في مدحه لهم يحثّهم على التصدي لأعداء العرب المتربّصين بالدولة من الخارج والداخل، لا سيّما الروم الذين كانوا يشنّون الغارات الحربية على الجيوش العربية، فأقام المتنبي عند بدر بن عمار والي طبريّا فترةً من الزمن امتدت من سنة 328هـ إلى أوائل سنة 333هـ، ثم اتّصل بعد ذلك بأبي العشائر الحمدانيّ والي أنطاكية، والذي يتبع للأمير سيف الدولة الحمدانيّ، ومنه اتصل بسيف الدولة الحمداني، فشعر المتنبي حينها أنّه عثر على ضالّته، إذ وجد في سيف الدولة صفات القائد التي كان يَنشُدها في الحاكم العربيّ، فقد كان سيف الدولة فارساً هُماماً، وكان أكثر بني حمدان فِطنةً وذكاءً، وحباً وإخلاصاً للعرب، وغيرةً على دينهم، فكان يسعى إلى توحيد العرب وإعادة مجدهم السليب وسلطتهم المُنتزعة، وكان أثناء ذلك يتصدّى لهجمات الروم المتكررة على العرب، فوضع المتنبي آماله في استعادة عزّة العرب بين يديه، ونشأت بين الشاعر والأميرعلاقة ودٍ ومحبةٍ قلّ مثيلها، فعاش المتنبي في كنف سيف الدولة أزهى أيام حياته، ونظم فيه الشعر الذي خلّد ذكره على مر العصور.[١] أقام المتنبي عند سيف الدولة تسع سنين انقطع فيها لمدحه، وكان أول ما قاله في مدحه في شهر جمادى الأولى سنة 37هـ، حيث مدحه بقصيدةٍ ميميةٍ مطلعها:[١٠] وَفاؤكُما كالرَّبْع أشْجاهُ طاسمه بأنْ تُسعِدا والدّمْعُ أشفاهُ ساجِمُهْ وكانت آخر مرةٍ أنشده مادحاً في سنة 345هـ، في قصيدةٍ ميميةٍ مطلعها:[١٠] عُقْبَى اليَمينِ على عُقبَى الوَغَى ندمُ ماذا يزيدُكَ في إقدامِكَ القَسَمُ كما وأنشده أيضاً في نفس العام مودّعاً إيّاه في قصيدةٍ استهلّها قائلاً:[١٠] أيَا رَامِياً يُصْمي فُؤادَ مَرَامِهِ تُرَبّي عِداهُ رِيشَهَا لسِهامِهِ كانت الفترة التي مكثها المتنبي إلى جانب سيف الدولة أكثر فترات حياته عطاءً، فقد نظم في سيف الدولة أكثرمن ثمانين قصيدةٍ ومقطوعةٍ، كانت من أجود وأروع شعره، بل تستحق أن يقال عنها إنّها من أجمل ما نظم العرب، وقد تنّوع شعر أبي الطيب في تلك الفترة مع تنوع أحداث حياة سيف الدولة، فقد كان شعره خلال تلك السنوات يدور في فلَكه رغم تنوّع فنونه، فحين كان الأمير يحارب كان المتنبي يمدحه ويصف بطولاته في المعارك سواء كان منتصراً أم مهزوماً، وحين كانت تثور عليه الرّعية ويعيدها إلى طاعته بحنكته، كان المتنبي يمدحه معجباً بأُسلوب تعامله مع رعيته، بالإضافة إلى ما كان ينظمه من رثاء عند وفاة أحد خاصته، ولا يخلو الأمر من أشعار عتاب واستعطاف كان ينظمهما حين يشي بينه وبين الأمير الوشاة ليعيد العلاقة بينهما إلى صفوها، ولم يتورّع المتنبي عن هجاء حسَّاده وخصومه عند الحاجة، وكان هذا إلى جانب اهتمامه في وصف جهاد المسلمين ضد الروم، حيث أبدع في هذا الفن القديم ونّماه وطوّره.[١٠] لم يدُم للمتنبي نعيم الود بينه وبين سيف الدولة، فقد أوغر الحُسّاد والوشاة صدر الأمير على الشاعر، فكان يدافع عن نفسه بالهجوم تارةً كقوله في لاميته:[١١] أفي كلّ يوْمٍ تحتَ ضِبْني شُوَيْعِرٌ ضَعيفٌ يُقاويني قَصِيرٌ يُطاوِلُ لِساني بنُطْقي صامِتٌ عنهُ عادِلٌ وَقَلبي بصَمتي ضاحِكٌ منهُ هازِلُ وبالاستعطاف تارةً أخرى كقوله في داليته الشهيرة:[١١] أزِلْ حَسَدَ الحُسّادِ عَنّي بكَبتِهمْ فأنتَ الذي صَيّرْتَهُمْ ليَ حُسّدَا إذا شَدّ زَنْدي حُسنُ رَأيكَ فيهِمُ ضرَبْتُ بسَيفٍ يَقطَعُ الهَام مُغمَدَا وبالافتخار بنفسه مرات عدة كقوله: وَمَا الدّهْرُ إلاّ مِنْ رُواةِ قَصائِدي إذا قُلتُ شِعراً أصْبَحَ الدّهرُ مُنشِدَا فَسَارَ بهِ مَنْ لا يَسيرُ مُشَمِّراً وَغَنّى بهِ مَنْ لا يُغَنّي مُغَرِّدَا أجِزْني إذا أُنْشِدْتَ شِعراً فإنّمَا بشِعري أتَاكَ المادِحونَ مُرَدَّدَا وَدَعْ كلّ صَوْتٍ غَيرَ صَوْتي فإنّني أنَا الطّائِرُ المَحْكِيُّ وَالآخَرُ الصّدَى وكان افتخاره بنفسه وازدراؤه لخصومه يزيدهم بغضاً به وحسداً له، فيزيدون كيّداً ووشايةً للإيقاع بينه وبين الأمير، إلى أن نجحت مساعيهم في ذلك مرّة فغضب منه فيها سيف الدولة وجافاه، فأنشد المتنبي قصيدة يعاتبه بها وكان مطلعها:[١١] وَاحَرّ قَلْباهُ ممّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ وَمَنْ بجِسْمي وَقلبي عِندَهُ سَقَمُ ثم ندم واعتذر منه بقصيدة أخرى قال في مقدمتها: ألا ما لسَيفِ الدّوْلَةِ اليَوْمَ عَاتِبَا فَداهُ الوَرَى أمضَى السّيُوفِ مَضَارِبَا إلى قوله: وَإنْ كانَ ذَنْبي كلَّ ذَنْبٍ فإنّهُ مَحا الذّنْبَ كلَّ المَحوِ مَن جاءَ تائِبَا فعفا عنه الأمير، وهدأت الأحوال بينه وبين خصومه فترةً من الزمن ليست بطويلةٍ ما لبث أن عاد بينهما بعدها الكَدَر من جديد، لا سيما بعد أن تعرّض المتنبي للإهانة في مجلس سيف الدولة من النحوي ابن خالوّيه أثناء مناظرةٍ بينهما، حيث شج الأول رأس المتنبّي بمفتاح كان في يده أثناءها، فخرج المتنبي من مجلس الأمير غاضباً يجر أذيال الخيبة، وضاق به المقام في حلب، فعزم على الرحيل إلى مملكة الإخشيديين.[١١] رحلة المتنبي إلى مصر ولقائه بكافور غادر أبو الطيب حلب سنة 346هـ وهو كاره لذلك، فاتّجه في البداية إلى دمشق، ثم شاءت الأقدار أن يذهب إلى مصر حيث استدعاه كافور الإخشيدي، وحين وصل إلى مصر كان مجروح الفؤاد، مكسور الخاطر، فأقام إلى جوار كافور خمس سنواتٍ مدحه خلالها بعدة قصائد ليس حباً وإعجاباً، إنما أملاً في تحقيق ما كان يصبو إليه من رفعة وعُلّو شأن، وكان كافور يعرف ذلك جيداً ويعرف أنّ المتنبي لم يَكنْ يُضمر له المحبة والود، فخلى به ولم يحقق له شيئاً من أمانيه، بل ضيّق عليه وعاداهُ، وزاده فوق همّه همّاً، فكَره الشاعر الإقامة في مصر، وبعد أنّ مدح كافور عاد وهجاه، وقد سميت قصائده في مدح كافور وهجائه في تلك الفترة بالكافوريّات، وقد كان لمحنة المتنبي ومعاناته أثناء وجوده في مصر أكبر الأثر في شعره، حيث كان مختلفاً عن كل شعره السابق، إذ اتّسم شعره في تلك السنوات بمهارات عديدةٍ، وقد وضع فيه خلاصة تجارب حياته كلّها.[١٢][١] رحلة المتنبي للقاء عضد الدولة وابن العميد توجّه المتنبي إلى العراق بعد خيبة أمله عند كافور حيث كان يتنقل بين الكوفة وبغداد، ثم توجه إلى أرجان قاصداً أبي الفضل ابن العميد وزير عضد الدولة، فمكث عنده فترةً من الزمن مدحه فيها بمجموعةٍ من القصائد سميت بالعميديات، وأثناء وجوده في أرجان أرسل عضد الدولة بن بوّيه يدعوه للقدوم إليه، فلّبى المتنبي الدعوة، ووجد عند السلّطان الحفاوة والتكريم، فعادت للشاعر حريّته التي افتقدها في مصر، وملكته الشعرية وآماله وطموحاته، ومكث في ضيافة عضد الدولة ثلاثة أشهرٍ مدحه خلالها في ست قصائد غاية في الروعةِ سميت بالعضديات، لكن المتنبي رغب بالرحيل والعودة إلى العراق لسببٍ غير معروف، وعلى إثر ذلك ودّع ابن بويه بالقصيدة التي استهلها قائلاً:[١١][١٢] فِدًى لكَ مَن يُقَصّرُ عَن مَداكا فَلا مَلِكٌ إذَنْ إلاّ فَدَاكَا وفاة أبي الطيب المت[ندمنبي أفِلت شمس المتنبي وهو في قمة عطائه، فقد مات في الخمسين من عمره مقتولاً على يد شخصٍ يسمى فاتك الأسدي، وهو خال ضبّة الأسدي الذي هجاه المتنبّي في إحدى قصائده، وقد حدث ذلك في طريق عودته من شيراز إلى بغداد، إذ اعترض فاتك طريقه ومعه جماعةً من أصحابه في منطقةٍ واقعة غرب بغداد تُسمى النعمانية، فيما لم يكن مع المتنبي عدداً مكافئاً لرجال فاتك، فتقاتل الجمعان، فقُتل مُحسد ابن المتنبي، وهمّ المتنبي حينها بالهروب، إلّا أن غلامه استوقفه قائلاً: ألست القائل الخيلُ والليلُ والبيداءُ تَعرفني؟ فردّ عليه المتنبي قائلاً: قتلتني قتلك الله، ورجع وقاتل حتى قُتل، وتجدر الإشارة إلى وجود روايات متعددة حول مقتل المتنبي ومََن هو وراء ذلك، وما الأسباب التي أدّت إلى مقتله، ومن الذي دلّ أعداءه على مكانه.[١٣] شخصية أبي الطيب المتنبي ومميزات شعره اتّصف أبو الطيب المتنبي بكبريائه، وشجاعته، وطموحه، هذا فضلاً عن اعتزازه بعروبته في أبياته الشعرية، والافتخار بنفسه، وتُعتبر أفضل أشعاره تلك التي تحدّثت عن الحكمة، وفلسفة الحياة، ووصف المعارك، إذ تميّزت بالصياغة القوية والمحكمة، ويجدر بالذكر أنَّ المتنبي مفخرة للأدب العربي؛ فهو شاعر غزير الإنتاج الشعريّ، وصاحب الأمثال السائرة، والحكم البليغة، والمعاني المبتكرة، ولقد ساعده التنقّل بين الأمراء والملوك على تطوير موهبته الشعرية، حيث مدحهم في معظم أشعاره.[١٤] لم يحظَ شاعرٌ من شعراء العربيّة بمثل ما حظي به أبو الطيّب المتنبّي من مكانةٍ عالية، فقد كان أعجوبةً أعجزت الشعراء من بعده؛ حيثُ بقي شعره إلى الآن يُقرأ كمصدر وحي للكثير من الأدباء والشُّعراء، كما تُرى فيه مظاهر القوّة والشاعرية القائمتين على التجربة الصادقة والحس، وقد أبدع المتنبّي في صياغة أبياته صياغةً تأسرُ الألباب وتشغل القلوب، فقد كان شاعراً ينتمي لشعراءِ المعاني؛ حيثُ كان موفِّقاً بين الشعر والحكمة، وقد أخرجَ الشّعر عن قيوده وحدوده وابتكرَ الطريقة الإبداعيّة فيه.؛[٣] يُمثّل شعرُ المتنبّي صورةً حقيقةً وصادقةً عن حياته وأحداثها من اضطرابات وثوراتٍ، كما عرضَ ما كان في عصره من آراءٍ ومذاهب، بالإضافة إلى تمثيل شعره لحياته المُضطّربة؛ ففيه عبّر عن عقله وشجاعته، وطموحه وعلمه، ورضاه وسخطه، وتمثّلت القوة في شعره بقوّة ألفاظه وعباراته ومعانيه.[٣] فلسفة أبي الطيب المتنبي في الحياة لم يتّخذ المتنبي الفلسفة علماً يدرسه أو يختص به، ولم يكن ينتمي إلى عالم الفلاسفة، إنّما جاءت فلسفته نابعةً من تأملاته في الحياة، ومن تجاربه الشخصية التي اكتسبها من أسفاره، ومن ثقافته الواسعة، غير أنّ بعض النُقّاد يرون أنّ المتنبي تأثر بالفلسفة اليونانية، وأنّه اقتبس فلسفته من فلاسفة اليونان أمثال أرسطو، وقد اتّسمت فلسفة المتنبي بالقوة، فتجلّت هذه القوة في شعره في موضوعاتٍ مختلفة أهمها:[١١] ذمّ الدهر والناس: نظر المتنبي للدّهر والنّاس نظرة المتشائم، فكان يرى أنّ الدّهر يقف حائلاً بينه وبين تحقيق آماله وطموحاته، وأنّه لا وجود لنعيمٌ دائمٌ ولا شقاءٌ دائمٌ، وأنّ الحياة يسرٌ وعسر، فقال معبراً عن ذلك:[١١] صَحِبَ الناسُ قَبلَنا ذا الزَمانا وَعَناهُمْ مِن شَأنِهِ ما عَنانا وَتَوَلَّوا بِغُصَّةٍ كُلُّهُم مِنــهُ وَإِن سَرَّ بَعضُهُمْ أَحيانا ورأى أنّ الناس سبب شقائه، لا سيما الملوك والأمراء الذين وعدوه وأخلفوا في وعودهم، ورجاهم وخيبوا رجاءه فقال ذاماً للناس:[١١] ودَهْرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغار وإنْ كانتْ لهمْ جُثَثٌ ضِخامُ أرانِبُ غَيرَ أنّهُمُ مُلُوكٌ مُفَتَّحَةٌ عُيُونُهُمُ نِيَامُ في الموت والحياة: أقرَّ المتنبي أنّ الموت قدرٌ محتومٌ لا بدّ أن يطال كل إنسانٍ، وأنّه لا محالة آتٍ، كما فضّله على حياة الذل والمهانةِ، ورأى أنّ على الإنسان أن يعيش حياته عزيزاً قوياً طموحاً ساعياً نحو الرفعة والسّمو، وأنْ يحارب ويناضل في سبيل ذلك، وقد عاش المتنبي حياته كلها في ظلّ تلك الفلسفة، فظّل يصارع ويقاتل في سبيل تحقيق ما كان يصبو إليه من المجدِ والعلياء، ومن الأمثلة على تلك الفلسفة قوله: [١١] إذا غامرتَ في شرفٍ مَرومٍ فلا تَقْنع بما دونَ النجومِ وقال مؤكداً هذه الفلسفة في نونيته: غيرَ أنّ الفتى يٌلاقي المَنايا كالحاتٍ ولا يُلاقي الهَوانا وإذا لم يَكُن من الموتِ بُدٌّ فَمِن العجزِ أن تكونَ جبانا في العلاقات الاجتماعية: كانت خيبات الأمل التي تلقاها المتنبي في حياته سبباً لافتقاده ثقته بالناس، فأوصله ذلك إلى مرحلة لم يعد يرى فيها من أخلاق الناس إلّا أقبحها، فيما رأى أنّ الناس متقلبين لا يثبتون على مواقفهم، ولا يراعون وداً ولا يصونون صديقاً، وقد عمّم حكمه هذا على كافة الناس، إذ ظهر هذا المعنى في قوله:[١١] إذا ما النّاسُ جَرّبَهُمْ لَبِيبٌ فإنّي قَدْ أكَلْتُهُمُ وَذاقَا فَلَمْ أرَ وُدّهُمْ إلاّ خِداعاً وَلم أرَ دينَهُمْ إلاّ نِفَاقَا في الشجاعة والعقل: رغم إيمان المتنبي بأنّ الشجاعةِ هي أساس العُلّو والمجد، إلا أنّه كان يرى أنّ لا أهمية لها دون عقل، فالعقل في فلسفة المتنبي متمم للشجاعةِ، بل ومقدّم عليها، إذ إنّه يميّز الإنسان عن الحيوان، فقال في هذا المعنى:[١١] الرّأيُ قَبلَ شَجاعةِ الشّجْعانِ هُوَ أوّلٌ وَهيَ المَحَلُّ الثّاني فإذا همَا اجْتَمَعَا لنَفْسٍ حُرّةٍ بَلَغَتْ مِنَ العَلْياءِ كلّ مكانِ الأغراض الشعرية في شعر المتنبي تنوّعت الأغراض الشعرية في شعر المتنبي فقد نظم قصائد في المديح، والرثاء، والهجاء، والغزل، والعتاب والشكوى، والفخر، والوصف تفاوتت في عددها، وقد استحوذ المدح على معظم قصائد ديوانه إذ شكلت قصائد المدح أكثر من ثلث الديوان، وفيما يأتي شرحاً مفصلاً عن كل غرض من هذه الأغراض:[١١] المديح: مدح أبو الطيب أكثر من خمسين شخصاً كان أكثرهم من الأمراء، والوُلاة، وقادة الجيوش، أمّا بعضهم الآخر فكان من أواسط الناس، لكنّ أكثر مدائحه كانت لسيف الدولة الحمدانيّ، و بدر بن عمار، وكافور الإخشيدي، وأبي العشائر، وعضد الدولة البويهي، وأبو شجاع فاتك، وقد اتّسمت معاني المدح عند المتنبي بالغزارة والقوة، فهو في مديحه يصف ممدوحيه جميعهم نفس الصفات، كالكرم والشجاعة والفراسة والعلم وغير ذلك من صفات العرب الأصيلة، كما تلمّس فيهم صورة الشخصية المثالية التي أحسّها في كيانه وتمنى وجودها في إنسانٍ في هذه الحياة، ولم يتخلّ المتنبي في مدائحه عن شخصيته ولا عن اعتزازه بنفسه، كما اتّسمت مدائحه أيضاً بالمبالغة وكثرة المحسنات البديعية، ومن الأمثلة على تلك المدائح هذه الأبيات التي قالها مادحاً كافور الإخشيدي:[١١] يُدِلّ بمَعنىً وَاحِدٍ كُلُّ فَاخِرٍ وَقد جَمَعَ الرّحْمنُ فيكَ المَعَانِيَا إذا كَسَبَ النّاسُ المَعَاليَ بالنّدَى فإنّكَ تُعطي في نَداكَ المَعَالِيَا الهجاء: لم ينظم المتنبي الكثير من شعر الهجاء، فهو لم يهجُ إلّا ناقماً وكارهاً، ومنه هجاؤه لكافور الإخشيدي لأنّه خيّب أمله ورجاءه، وهجاؤه لابن كَيغَلَغ الذي رامَ المدح فما حصّل إلا الهجاء، حيث طلب من المتنبي أن يمدحه وعندما رفض ذلك حبسه ومنعه من الرحيل فهجاه انتقاماً لكرامته، وهجاؤه لضبّة من أجل إرضاء أصدقائه، وقد جاء هجاء المتنبي لاذعاً شنيعاً موجعاً ومحققاً لهدفه، كسخريته من كافور حينما قال:[١١] وَتُعجِبُني رِجْلاكَ في النّعلِ، إنّني رَأيتُكَ ذا نَعْلٍ إذا كنتَ حَافِيَا وَإنّكَ لا تَدْري ألَوْنُكَ أسْوَدٌ من الجهلِ أمْ قد صارَ أبيضَ صافِيَا هذا ولم يقتصر هجاء المتنبي على الأشخاص إنما تعدّاه إلى هجاء الزمان والناس، ومنه ما قال فيهما:[١١] ما كُنتُ أحْسَبُني أحْيَا إلى زَمَنٍ يُسِيءُ بي فيهِ عَبْدٌ وَهْوَ مَحْمُودُ ولا تَوَهّمْتُ أنّ النّاسَ قَدْ فُقِدوا وَأنّ مِثْلَ أبي البَيْضاءِ مَوْجودُ الفخر: امتلأ شعر أبي الطيب بفخره بذاته، وشاع في جميع أغراض شعره، فلا يكاد يجد القارئ قصيدة من قصائده تخلو من ذلك، فهو يفتخر بنفسه في المدح، وفي الهجاء، وحتى في الرثاء، وقد وصل هذا الفخر حد الغرور، ويعود السبب لافتخار المتنبي بنفسه لشعوره بتفوقه على الناس، وذكائه وطموحه وشجاعته وصبره، بالإضافةً إلى ظروف حياته القاسية، وكثرة أعدائه ومنافسيه في مجالس الأمراء اللذين دفعاه للافتخار بنفسه، وما يأتي مثال على ذلك:[١١] قال مفتخر بطموحه وقوة إرادته: أُريدُ مِنْ زَمَني ذا أنْ يُبَلّغَني مَا لَيسَ يبْلُغُهُ من نَفسِهِ الزّمَنُ وقال مفتخراً بشجاعته وفروسيته: لأترُكَنّ وُجوهَ الخَيْلِ ساهِمَةً وَالحرْبُ أقوَمُ مِن ساقٍ على قَدَمِ والطّعْنُ يُحرِقُها وَالزّجرُ يُقلِقُها حتى كأنّ بها ضَرْباً مِنَ اللَّمَمِ أمّا في تحمّله لنوائب الحياة وصموده أمام أحداث الدهر فقال: [١١]فقد قال: ألدّهْرُ يَعْجَبُ من حَمْلي نَوَائِبَهُ وَصَبرِ نَفْسِي على أحْداثِهِ الحُطُمِ وقال مفتخراً بكرامته و رفضه للضيم: وَآنَفُ مِنْ أخي لأبي وَأُمّي إذا مَا لم أجِدْهُ مِنَ الكِرامِ وقال في صباه في إعجابه بنفسه وتفوقه على الناس:[١١] إنْ أكُنْ مُعجَباً فعُجبُ عَجيبٍ لمْ يَجدْ فَوقَ نَفْسِهِ من مَزيدِ وقال: فما أنا مِنْهُمُ بالعَيشِ فيهم ولكنْ مَعدِنُ الذّهَبِ الرَّغامُ أما شاعريته وعبقريته فقد قال مفتخراً بهما:[١١] وَمَا الدّهْرُ إلاّ مِنْ رُواةِ قَصائِدي إذا قُلتُ شِعراً أصْبَحَ الدّهرُ مُنشِدَا فَسَارَ بهِ مَنْ لا يَسيرُ مُشَمِّراً وَغَنّى بهِ مَنْ لا يُغَنّي مُغَرِّدَا أجِزْني إذا أُنْشِدْتَ شِعراً فإنّمَا بشِعري أتَاكَ المادِحونَ مُرَدَّدَا الرثاء: رثى المتنبي عدداً من الأشخاص الذين كان منهم جدّته، وخاصة سيف الدولة، وأبي شجاع فاتك، ومحمد بن اسحق التنوخي، وقد انقسم الرثاء عند المتنبي إلى نوعين؛ نوعٌ مصطنعٌ يخلو من العاطفةِ لا تَفجُّع فيه، وهو النوع الذي نظمه مجاملةً، وفيه ذكرٌ لخصال الميت ومدحٌ لأهله، إضافة إلى ذكر الحكم في الموت والحياة، وذلك كقوله في مدح أخت سيف الدولة الصغرى:[١١] وَلَذيذُ الحَيَاةِ أنْفَسُ في النّفْــسِ وَأشهَى من أنْ يُمَلّ وَأحْلَى وَإذا الشّيخُ قَالَ أُفٍّ فَمَا مَــلّ حَيَاةً وَإنّمَا الضّعْفَ مَلاّ آلَةُ العَيشِ صِحّةٌ وَشَبَابٌ فإذا وَلّيَا عَنِ المَرْءِ وَلّى ونوعٌ اتّسم بصدق العاطفة وشدة التأثر، وفيه يتفجع ويتألم على فقد الميت، كما في رثائه لجدّته، ورثائه لأخت سيف الدولة الكبرى، حيث قال:[١١] طَوَى الجَزِيرَةَ حتى جاءَني خَبَرٌ فَزِعْتُ فيهِ بآمالي إلى الكَذِبِ حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدْقُهُ أمَلاً شَرِقْتُ بالدّمعِ حتى كادَ يشرَقُ بي الغزل: يعتبر الغزل ثانوياً في شعر المتنبي، فهو لم يعتنِ به كثيراً وذلك لأنّه لم يكُن مولعاً بالنساء، ولم يكن محباً لدواعي اللهو والعبث؛ لانشغاله في طلب المجد والعلياء، وما نظم هذا الشاعر بعض ما نظمه في الغزل إلّا وفاءً للفن، حيث كان ينهج نهج الشعراء السابقين في بناء القصيدة إذ كانوا يستهلونها بالغزل، كما أنّه في بعض القصائد أهمل ذلك الجانب فاستهلها بالحكمة أو بالمدح، لهذا فقد اتسم غزله بالضعف، وجاء مليئاً بمعاني البطولة، ومن الجدير بالذكر أنّ المتنبي لم يرتبط بامرأةٍ معينةٍ ولم تشغفه إحداهن حباً، كما أنّه لم يخصص قصيدةً مستقلةً لغرض غزلي كغيره من شعراء الغزل العذريين أمثال جميل بثينة، والأبيات الآتية تعدّ مثالاً على شعر الغزل عند المتنبي:[١١] كمْ قَتيلٍ كمَا قُتِلْتُ شَهيدِ لِبَياضِ الطُّلَى وَوَرْدِ الخُدودِ وَعُيُونِ المَهَا وَلا كَعُيُونٍ فَتَكَتْ بالمُتَيَّمِ المَعْمُودِ الوصف: أجاد المتنبي وأبدع في شعر الوصف، لا سيّما في وصفه لمعارك سيف الدولة الحمدانيّ ضدّ الروم في قصائدٍ تُعد ملحميات، فقد صور شاعرنا هذه المعارك بدقةٍ كبيرةٍ حتى يخال المتلقي أنّه في ساحة المعركة مع الفرسان، إضافة إلى وصف المعارك فقد وصف المتنبي الطبيعة أيضاً لكنه لم يكثر من ذلك، فوصف الأسد، وبحيرة طبريّا، وشُعب بوّان، وجبال لبنان، كما وصف المتنبي أيضاً نفسه وطموحه وعلوّ همته، ووصف أخلاق الناس وطبائعهم، وقد اتّسمت معاني الوصف عند المتنبي بالقوة والدقة وروعة التصوير، ومن الأمثلة على دقة وصف المعارك عنده وصفه لجيش الروم في الأبيات الآتية:[١١] أتَوْكَ يَجُرّونَ الحَديدَ كَأَنَّما سَرَوْا بِجِيَادٍ ما لَهُنّ قَوَائِمُ إذا بَرَقُوا لم تعْرفِ البِيض منهُمُ ثِيابُهُمُ من مِثْلِها وَالعَمَائِمُ خميسٌ بشرْقِ الأرْضِ وَالغرْبِ زَحْفُهُ وَفي أُذُنِ الجَوْزَاءِ منهُ زَمَازِمُ والأبيات الآتية تمثل وصف المتنبي للطبيعة، حيث وصف الأسد مبالِغاً فقال:[١١] وردٌ إذا وردَ البحيرةَ شارباً وردَ الفراتَ زئيرهُ والنّيلا الحكمة: برع المتنبي في شعر الحكمة، وأصبحت أبياته في الحكمة تسري مسرى المثل بين الناس، وتتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، وقد جاءت الحكمة منبثةً في معظم قصائده، فوردت في قصائد المدح والرثاء والغزل والهجاء وغير ذلك من الأغراض الشعرية، إذ يفتتح بها القصيدة أو ينشرها بين الأبيات، وقد يختتم بها القصيدة أحياناً، فيما قد يبني قصيدته عليها أحياناً أخرى، وحكم المتنبي هي خلاصة تجاربه الشخصية، وقد اتّسمت معانيها بالقوة والعظمة، فيما ظهر بها التشاؤم في بعض الأحيان، أمّا الموضوعات التي ارتبطت بها الحكمة عند المتنبي فهي موضوعات تمثِّل واقع الحياة مثل؛ العزة والكرامة، والمعاملة، وذم الدهر، وأخلاق الناس وطبائعهم.[١١] الشعر الوجداني: تجلّى الشعر الوجداني عند المتنبي في قصيدته الميميّة التي نظمها وهو في مصر، حيث كان يائساً محطماً، شاعراً بخيبة الأمل، وبالشوق لصديقه سيف الدولة الحمداني الذي تركه مرغماً، فأقام بقرب كافور الإخشيدي وهو كارهٌ له، وحين مرض ما درى عنه ولا اهتم لأمره، فبثَّ حزنه وألمه في أبيات هذه القصيدة التي وصف فيها الحمى، والتي تُعتبر من أروع قصائده التي نظمها في مصر، وقد عدّها طه حسين من أروع ما قيل في الشعر العربي، وفيها قال:[١١] أقَمْتُ بأرْضِ مِصرَ فَلا وَرَائي تَخُبُّ بيَ الرّكابُ وَلا أمَامي وَمَلّنيَ الفِرَاشُ وَكانَ جَنبي يَمَلُّ لِقَاءَهُ في كُلّ عامِ قَليلٌ عَائِدي سَقِمٌ فُؤادي كَثِيرٌ حَاسِدي صَعْبٌ مَرَامي المرأة في شعر المتنبي ذهب الناقد محمود شاكر أبو الفهر إلى أنّ المتنبي كان قد وقع في حب خولة الأخت الكبرى لسيف الدولة الحمدانيّ، إذ استدلّ على ذلك من قصيدته التي رثاها بها وهو في الكوفة بعد أن فارق سيف الدولة، فقارن بين ذلك الرثاء وبين رثائه لأختها الصغرى التي ماتت قبلها بثمان سنين، فوجد أنّ رثاء الشاعر لخولة جاء مختلفاً عن رثائه لأختها كل الاختلاف، فعاطفة الشاعر في رثاء خولة عاطفة صادقةً انسكبت فيها الكلمات انسكاباً فتجلّت فيها مشاعر الحزن والألم والحرقة والشجن الذي ملأ قلبه ووجدانه، ما جعل المتنبي يتخلّى عن صلابته المعتادة، فكشف ذلك الحزن حبه المستور، وفضح ألم الفقد عشقة لخولة.[١]

قدم شاعر ‏العربية الكبير ‏أبو الطيب ‏المتنبي وصفات ‏علاجية لمصائب ‏الدهر المتعددة، ‏كتبها في ‏‏«روشتات» ‏شعرية غاية في ‏الروعة والجمال، ‏انطلقت من ‏تجربة ومواقف ‏تعرض لها ‏الشاعر ‏شخصياً في ‏حياته الضاجّة ‏الصاخبة، لكنها ‏وصفات تعدت ‏واقعه الشخصي ‏إلى واقع ‏الإنسانية كلها.‏

ولعل من ‏الصعوبة ‏الإحاطة بكل ‏وصفات المتنبي ‏الشعرية، لكن، ‏وفي ظل جائحة ‏‏«كوفيد – ‏‏19». التي ‏اجتاحت العالم ‏بأسره بعد أن ‏خلفت موتى ‏ومصابين ‏بالملايين، وما ‏سببته من ذعر ‏وخوف ‏وإجراءات ‏احترازية، يمكن ‏الوقوف على ‏نماذج من هذه ‏الوصفات التي ‏قدمها شاعر ‏العربية لمحبي ‏شعره لعلاج ‏كثير من الجوائح ‏والمواقف ‏والمصاعب ‏والآمال والآلام ‏التي تواجه ‏الإنسان، ويقف ‏عاجزاً عن حلّها ‏ولا يجد إزاءها ‏من خيار سوى ‏اليأس واختيار ‏الموت.‏

أولى هذه ‏الالتقاطات ما ‏قاله المتنبي، ‏عقب مفارقته ‏سيف الدولة ‏الحمداني، ‏وتوجُّهه إلى ‏مصر، بعد أن ‏كاتبه كافور ‏الإخشيدي ‏بالمسير إليه في ‏الفسطاط، ‏وأنشده إياها ‏عام 957م، ‏التي يعرّض فيها ‏بسيف الدولة، ‏بعد قصة جرت ‏أحداثها في ‏مسألة باللغة، ‏بحضرة سيف ‏الدولة والشاعر، ‏بين أبي الطيب ‏اللغوي، وابن ‏خالويه، فتكلَّم ‏أبو الطيب ‏المتنبي، وضعّف ‏قول ابن ‏خالويه، ولم يجد ‏ابن خالويه من ‏رد غير أن يخرج ‏من كمه مفتاحاً ‏من حديد، ‏ويشير به إلى ‏المتنبي. فقال ‏المتنبي: «ويحك ‏اسكت فإنك ‏أعجمي ‏وأصلك خوزي ‏فمالك ‏والعربية؟!»، ‏فضرب وجه ‏المتنبي بذلك ‏المفتاح فأسال ‏دمه على وجهه ‏وثيابه، فغضب ‏المتنبي من ذلك، ‏لا سيما إذ لم ‏ينتصر له سيف ‏الدولة، لا قول ‏ولا فعل، وكان ‏ذلك أحد ‏أسباب مفارقته ‏لسيف الدولة.‏

بدأ المتنبي ‏قصيدته بمطلع ‏يخاطب فيه ‏نفسه:‏

كفى بكَ داءً ‏أن ترى الموتَ ‏شافيا

وحَسبُ المنايا ‏أن يكنَّ أمانيا

ثم فسر ما ذكره ‏في هذا البيت ‏بالقول: ‏

تمنيت المنية لما ‏تمنيتُ أن تجد ‏صديقاً مصافياً ‏فأعجزك أو ‏عدواً يداريك، ‏فلم تجده، وهذه ‏نهاية اليأس ‏الذي يختار فيه ‏الموت على ‏البقاء.‏

تمنَّيتها لما تمنيتَ ‏أن ترى

صديقاً فأعيَا أو ‏عدواً مُداجياً

ثم أعطى المتنبي ‏في ذات ‏القصيدة حلاً ‏للتعامل مع ‏‏«الغادر»، حتى ‏ولو جاء الغدر ‏في موقف ‏عارض، كما ‏حدث للشاعر ‏عندما لم ينتصر ‏له سيف الدولة، ‏وهو يشاهد ‏الدم يسيل على ‏وجهه، فأخذ ‏يعرض بسيف ‏الدولة ويقول ‏لقلبه: إني ‏أحببتك قبل أن ‏تحبه، أي سيف ‏الدولة، وهو قد ‏غدر بي فلا ‏تغدر أنت ‏أيضاً، بمعنى: لا ‏تكن مشتاقاً إليه ‏ولا مقيماً على ‏حبه، فإنك إن ‏أحببت من غدر ‏بي فلست بوافٍ ‏لي.‏

حَببتكَ قلبي قبلَ ‏حُبّكَ من نأى

وقد كان غداراً ‏فكُن أنتَ وافيا

مواصلاً في بيت ‏آخر القول ‏لقلبه: أعلم أنك ‏تشكو فراقه ‏‏(أي سيف ‏الدولة) لإلفكَ ‏إياه، ثم هدد ‏قلبه فقال: إن ‏شكوتْ فراقه ‏تبرأت منك:‏

وأعلم أن البين ‏يشكيك بَعدهُ

فلستَ فؤادي ‏إن رأيتكَ ‏شاكيا.‏

ليعلن أن ‏الدموع إذا ‏جرت على فراق ‏الغادر، كانت ‏غادرة بصاحبها ‏لأنه ليس من ‏حق الغادر أن ‏يُبكى على ‏فراقه:‏

فإن دموعَ العين ‏غُدرٌ بربها

إذا كُنَّ إثرَ ‏الغادرينَ جواريا

ثم يواصل أبو ‏الطيب طرح ‏مزيد من ‏الوصفات حول ‏إبطال العطايا ‏والصداقات ‏والجود بالمن ‏والأذى، وكأنه ‏ينظر إلى الآية ‏الكريمة: «يَا ‏أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ‏لَا تُبْطِلُوا ‏صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ ‏وَالْأَذَىٰ»، ‏معتبراً أن الجود ‏إذا كُدر بالمن ‏بطل الحمد ولم ‏يبق المال، ‏فيُفقدان كلاهما، ‏مشدداً على أن ‏أخلاق النفس ‏تدل على ‏صاحبها فيعرف ‏جوده أطبع هو ‏أم تكلف:‏

إذا الجودُ لم ‏يُرزقْ خلاصاً ‏من الأذى

فلا الحمد ‏مكسوباً ولا ‏المالُ باقيا

وللنفس أخلاق ‏تدلُّ على الفتى

أكانَ سخاءً ما ‏أتى أم تساخيا

ويبحر المتنبي في ‏إعطاء ‏‏«وصفات ‏حكمية»، ناهياً ‏عن المبالغة في ‏الاشتياق والهيام ‏به لمن لا يبادل ‏الود بمثله، ‏مخاطباً قلبه بألا ‏يشتاق إلى مَن ‏فارقه، لأنه ‏بذلك يصفي ‏وده من ليس ‏بصاف له، كما ‏أعطى وصفاً في ‏صحة «الإلف» ‏بتفضيله الشيب ‏على الصبى لو ‏خُيّر بينهما ‏لكثرة إلفه ‏للأول وهو من ‏الاستحالة أن ‏يتحقق:‏

أقلّ اشتياقاً أيها ‏القلب ربما

رأيتكَ تصفي ‏الود من ليس ‏صافيا

خُلِقتُ ألُوفاً لو ‏رجعتُ إلى ‏الصّبى

لفارقتُ شيبي ‏موجعَ القلبِ ‏باكيا

وفي موضع آخر ‏وبالتحديد عام ‏‏959م، أي ‏بعد عام على ‏مفارقته سيف ‏الدولة، نالت ‏أبا الطيب حمى ‏وهو في مصر ‏وصف حاله ‏معها بقصيدة ‏رائعة، حيث ‏كان رهن ‏الإقامة الجبرية ‏بما يشبه الحجر ‏الصحي في زمن ‏‏«الكورونا»، ‏ويعرض في ‏القصيدة ‏بالرحيل بعد أن ‏أصابه اليأس من ‏تحقيق آماله ‏ومطالبه عند ‏كافور ‏الإخشيدي، ‏بمنحه ضيعة أو ‏ولاية، وفي ‏القصيدة ‏وصفات ‏حكمية، بل ‏وعلاج لمصائب ‏الدهر، بنات ‏الدهر، ومنها ‏الحمى التي أتت ‏من الزحام، ‏حيث ألزمته ‏الفراش وغادر ‏بعدها مصر ‏هارباً فيما يمكن ‏تسميته ‏بـ«الهروب ‏السياسي ‏الأكبر»، بدأ ‏قصيدته الميميمة ‏بمخاطبة ‏صاحبيه اللذين ‏يلومانه على ‏ركوب الأخطار، ‏طالباً منهما تركه ‏يسلك ‏الصحارى بغير ‏دليل يهديه لأنه ‏خبير بمسالكها، ‏لافتاً في أحد ‏أبيات القصيدة ‏إلى إحدى ‏الظواهر في ‏المجتمعات ‏الإنسانية، وهي ‏ظاهرة انتشار ‏الفساد في عموم ‏الخلق، وهو ما ‏جعل الشاعر ‏يتهم من اختاره ‏لمودته لعلمه أنه ‏واحد منهم:‏

وصرتُ أشكُّ ‏فيمن أصطفيهِ

لعلميَ أنهُ بعض ‏الأنامِ

ولم أرَ في عيوبِ ‏الناسِ شيئاً

كنقصِ القادرين ‏على التمام ِ

ثم يعبّر الشاعر ‏عن ملله من ‏لزومه الإقامة ‏الجبرية في أرض ‏مصر، بعد أن ‏أصابته الحمى ‏ومراقبة كافور ‏له، خشية ‏الهروب، وكأنه ‏يعيش أيام العالم ‏هذا اليوم في ‏الحجر الصحي ‏الإجباري في ‏زمن ‏‏«الكورونا»، ‏مبرزاً مرضه ‏الذي طال حتى ‏ملّه الفراش، بعد ‏أن كان هو يمل ‏الفراش، معبراً ‏عن ألمه في ‏غربته وقلة ‏عائديه في ‏مرضه، وتراكم ‏الهموم عليه، ‏وكثرة حساده، ‏لوفور فضله ‏وصعوبة مراميه؛ ‏لأنه يطلب ‏شيئاً عظيماً ‏وصعب المنال ‏وهو «المُلْكْ»، ‏مقدماً وصفاً ‏لأعراض الحمى، ‏من خلال صور ‏وخيال رهب لا ‏يجيده إلا هو، ‏معتبراً أن وصفة ‏الطبيب الذي ‏عاينه وشخّص ‏حالته لم تكن ‏دقيقة عندما ‏أرجع سبب ‏علته إلى الطعام ‏والشراب الذي ‏يتناوله، مشدداً ‏على أن الطبيب ‏ليس في قاموسه ‏الطبي أن مرضه ‏كان بسبب ‏طول إقامته ‏والقعود عن ‏الأسفار، مثله ‏في ذلك مثل ‏الفرس الجواد:‏

أقمتُ بأرض ‏مِصْر فلا ورائي

تخبُّ بي الركاب ‏ولا أمامي

ومَلني الفراش ‏وكان جنبي

يمل لقاءه في كل ‏عامِ

قليلٌ عائدي ‏سقم فؤادي

كثيرٌ حاسدي ‏صعبٌ مرامي

وزائرتي كأنّ بها ‏حياءً

فليسَ تزور إلا ‏في الظلامِ

أبنتَ الدهرِ ‏عندي كلُّ بنتٍ

فكيفَ وصلتِ ‏أنتِ من الزحامِ

يقولُ ليَ ‏الطبيبُ أكلتَ ‏شيئاً

وداؤكَ في ‏شرابكَ والطعامِ

وما في طبهِ أني ‏جوادٌ

أضرّ بجسمهِ ‏طول الجمامِ

وفي قصيدة ‏أكثر فيها ‏التشاؤم على ‏نفسه بما لم يقع ‏له في غيرها، ‏وما لم يخطر ‏على قلبه في ‏جميع أسفاره مع ‏كثرتها، وكأنه ‏ينعى بها نفسه، ‏وإن لم يقصده، ‏يشخّص المتنبي ‏في أبيات رائعة ‏خصصها بمدح ‏عضد الدولة ‏بعد ارتحاله من ‏شيراز، ‏ومفارقته ‏لأعمال فارس، ‏بعد أن نال ‏عطايا كثيرة ‏ليلقى حتفه ‏على يد فاتك ‏الأسدي، بعد ‏اجتيازه دير ‏العاقول وهو ‏على مشارف ‏بغداد، وذلك ‏في عام 964م ‏وهي آخر شعر ‏قاله:‏

أروحُ وقد ‏ختمتَ على ‏فؤادي ‏

بحبكَ أن يحلّ ‏به سواكا

وقد حمَّلتني ‏شكراً طويلاً

ثقيلاً لا أطيقُ ‏به حراكا

إذا استشفيت ‏من داءٍ بداءٍ

فأقْتَلُ ما أعلّكَ ‏ما شفاكَ

وأنى شئتِ يا ‏طرقي فكوني

أذاة أو نجاة أو ‏هلاكا

ونختتم هذه ‏الالتقاطات من ‏شعر شاعر ‏العربية الكبير ‏ببيت من الشعر ‏ضمن قصيدة ‏طويلة قالها في ‏سيف الدولة، ‏في أحد معاركه ‏مع الروم:‏

فكانَ أثبتُ ما ‏فيهم جسومَهُمُ

يسقطنَ حولكَ ‏والأرواح تنهزمُ

ظل باحثاً عن أرضه وفارسه غير مستقر عند أمير ولا في مدينة حتى حط رحاله في أنطاكية حيث أبو العشائر ابن عم سيف الدولة سنة 336 هـ، واتصل بسيف الدولة ابن حمدان، أمير وصاحب حلب، سنة 337 هـ وكانا في سن متقاربة، فوفد عليه المتنبي وعرض عليه أن يمدحه بشعره على ألا يقف بين يديه لينشد قصيدته كما كان يفعل الشعراء فأجاز له سيف الدولة أن يفعل هذا وأصبح المتنبي من شعراء بلاط سيف الدولة في حلب، وأجازه سيف الدولة على قصائده بالجوائز الكثيرة وقربه إليه فكان من أخلص خلصائه وكان بينهما مودة واحترام، وخاض معه المعارك ضد الروم، وتعد سيفياته أصفى شعره. غير أن المتنبي حافظ على عادته في إفراد الجزء الأكبر من قصيدته لنفسه وتقديمه إياها على ممدوحه، فكان أن حدثت بينه وبين سيف الدولة فجوة وسعها كارهوه وكانوا كثراً في بلاط سيف الدولة.
ازداد أبو الطيب اندفاعاً وكبرياء واستطاع في حضرة سيف الدولة في حلب أن يلتقط أنفاسه، وظن أنه وصل إلى شاطئه الأخضر، وعاش مكرماً مميزاً عن غيره من الشعراء في حلب. وهو لا يرى إلا أنه نال بعض حقه، ومن حوله يظنون أنه حصل على أكثر من حقه. وظل يحس بالظمأ إلى الحياة، إلى المجد الذي لا يستطيع هو نفسه أن يتصور حدوده، إلا أنه مطمئن إلى إمارة حلب العربية الذي يعيش في ظلها وإلى أمير عربي يشاركه طموحه وإحساسه. وسيف الدولة يحس بطموحه العظيم، وقد ألف هذا الطموح وهذا الكبرياء منذ أن طلب منه أن يلقي شعره قاعداً وكان الشعراء يلقون أشعارهم واقفين بين يدي الأمير، واحتمل أيضاً هذا التمجيد لنفسه ووضعها أحياناً بصف الممدوح إن لم يرفعها عليه. ولربما احتمل على مضض تصرفاته العفوية، إذ لم يكن يحسن مداراة مجالس الملوك والأمراء، فكانت طبيعته على سجيتها في كثير من الأحيان.
وفي المواقف القليلة التي كان المتنبي مضطرا لمراعاة الجو المحيط به، فقد كان يتطرق إلى مدح آباء سيف الدولة في عدد من القصائد، ومنها السالفة الذكر، لكن ذلك لم يكن إعجابا بالأيام الخوالي وإنما وسيلة للوصول إلى ممدوحه، إذ لا يمكن فصل الفروع عن جذع الشجرة وأصولها كقوله:
من تغلب الغالبين الناس منصبهومن عدّي أعادي الجبن والبخل

خيبة الأمل وجرح الكبرياء

أحس بأن صديقه بدأ يتغير عليه، وكانت الهمسات تنقل إليه عن سيف الدولة بأنه غير راض عنه، وتنقل إلى سيف الدولة بأشياء لا ترضي الأمير. وبدأت المسافة تتسع بين الشاعر والأمير، ولربما كان هذا الاتساع مصطنعاً إلا أنه اتخذ صورة في ذهن كل منهما. وظهرت منه مواقف حادة مع حاشية الأمير، وأخذت الشكوى تصل إلى سيف الدولة منه حتى بدأ يشعر بأن فردوسه الذي لاح لهُ بريقه عند سيف الدولة لم يحقق السعادة التي نشدها. وأصابته خيبة الأمل لاعتداء ابن خالويه عليه بحضور سيف الدولة حيث رمى دواة الحبر على المتنبي في بلاط سيف الدولة، فلم ينتصف له سيف الدولة، ولم يثأر له الأمير، وأحس بجرح لكرامته، لم يستطع أن يحتمل، فعزم على مغادرته، ولم يستطع أن يجرح كبرياءه بتراجعه، وإنما أراد أن يمضي بعزمه. فكانت مواقف العتاب الصريح والفراق، وكان آخر ما أنشده إياه ميميته في سنة 345 هـ ومنها : (لا تطلبن كريماً بعد رؤيته). بعد تسع سنوات ونصف في بلاط سيف الدولة جفاه الأمير وزادت جفوته له بفضل كارهي المتنبي ولأسباب غير معروفة قال البعض أنها تتعلق بحب المتنبي المزعوم لخولة شقيقة سيف الدولة التي رثاها المتنبي في قصيدة ذكر فيها حسن مبسمها، وكان هذا مما لا يليق عند رثاء بنات الملوك، وانكسرت العلاقة الوثيقة التي كانت تربط سيف الدولة بالمتنبي.
فارق أبو الطيب سيف الدولة وهو غير كاره له، وإنما كره الجو الذي ملأه حساده ومنافسوه من حاشية الأمير. فأوغروا قلب الأمير، فجعل الشاعر يحس بأن هوة بينه وبين صديقه يملؤها الحسد والكيد، وجعله يشعر بأنه لو أقام هنا فلربما تعرض للموت أو تعرضت كبرياؤه للضيم، فغادر حلب، وهو يكن لأميرها الحب، لذا كان قد عاتبه وبقي يذكره بالعتاب، ولم يقف منه موقف الساخط المعادي، وبقيت الصلة بينهما بالرسائل التي تبادلاها حين عاد أبو الطيب إلى الكوفة وبعد ترحاله في بلاد عديدة بقي سيف الدولة في خاطر ووجدان المتنبي.
ثم مدح كافوراً الإخشيدي وأبا شجاع، وأقام في مصر ردحاً من الزمن يرقب الفرصة من كافور فيصعد المجد على كاهله، فمما قال فيه:
أباالمِسْكِ هل في الكأسِ فَضْلٌ أنالُهفإنّي أُغَنّي منذُ حينٍ وَتَشرَبُوَهَـبْتَ على مِـقدارِ كَـفّيْ زَمَانِنَاوَنَفسِي على مِقدارِ كَفّيكَ تطلُبُإذا لم تَنُـطْ بي ضَـيْعَةً أوْ وِلايَةًفَجُودُكَ يَكسُوني وَشُغلُكَ يسلبُيُـضاحِـكُ في ذا العِيدِ كُلٌّ حَبيبَهُحِذائي وَأبكي مَنْ أُحِبّ وَأنْدُبُأحِنُّ إلـى أهْـلي وَأهْوَى لِـقَاءَهُمْوَأينَ مِنَ المُشْتَاقِ عَنقاءُ مُغرِبُفإنْ لم يكُنْ إلاّ أبُوالمِسكِ أوْ هُمُفإنّكَ أحلى في فُؤادي وَأعْذَبُوكلُّ امـرىءٍ يـولي الجَميلَ مُحَبَّبٌوَكُلُّ مَكانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طَيّبُيُريـدُ بـكَ الحُـسّـادُ ما الله دافِعٌوَسُمْرُ العَوَالي وَالحَديدُ المُذرَّبُوَدونَ الذي يَبْغُونَ ما لوْ تخَلّصُواإلى المَوْتِ منه عشتَ وَالطّفلُ أشيبُإذا طَلَبوا جَدواكَ أُعطوا وَحُكِّمواوَإن طلَبوا الفضْلَ الذي فيك خُيِّبواوَلَوْ جازَ أن يحوُوا عُـلاكَ وَهَبْتَهَاوَلكِنْ منَ الأشياءِ ما ليسَ يوهَبُوَأظلَمُ أهلِ الظّلمِ مَن باتَ حاسِداًلمَنْ بَاتَ في نَعْمائِهِ يَتَقَلّبُوَأنتَ الذي رَبّيْتَ ذا المُلْكِ مُرْضَعاًوَلَيسَ لَهُ أُمٌّ سِواكَ وَلا أبُوَكنتَ لَهُ لَيْـثَ العَـرِينِ لشِـبْلِـهِوَمَا لكَ إلاّ الهِنْدُوَانيّ مِخْلَبُلَقِيـتَ القَنَا عَـنْهُ بنَفْسٍ كريمَـةٍإلى الموْتِ في الهَيجا من العارِ تهرُبُوَقد يترُكُ النّفـسَ التي لا تَهابُهُوَيَخْتَرِمُ النّفسَ التي تَتَهَيّبُوَمَا عَـدِمَ اللاقُـوكَ بَأسـاً وَشِـدّةًوَلَكِنّ مَنْ لاقَوْا أشَدُّ وَأنجَبُثنَأهم وَبَرْقُ البِيضِ في البَيض صَادقٌعليهم وَبَرْقُ البَيض في البِيض خُلَّبُسَلَـلْـتَ سُيـوفاً عَلّمـتْ كلَّ خاطِـبٍعلى كلّ عُودٍ كيفَ يدعو وَيخطُبُ
[13] وقال:
وهل نافعي أن ترفع الحجب بينناودون الذي أملت منك حجابوفي النفس حاجات وفيك فطانةسكوتي بيان عندها وجواب
حتى أوجس كافور منه خيفة، لتعاليه في شعرهِ وطموحهِ إلى الملك، فزوى عنه وجهه، فهجاه وقصد بغداد، وكان خروجه من مصر في يوم عيد، وقال يومها قصيدته الشهيرة التي ضمنها ما بنفسه من مرارة على كافور وحاشيته، والتي كان مطلعها:
عيد بأية حال عدت يا عيدبما مضى أم لأمر فيك تجديدأما الأحبة فالبيداء دونهمفليت دونك بيدا دونها بيد
وفي القصيدة هجوم شرس على كافور وأهل مصر بما وجد منهم من إهانة لهُ وحط منزلته وطعن في شخصيته، ثم إنه بعد مغادرته لمصر قال قصيدةً يصف بها المنازل التي في طريقه وكيف أنه أقام بقطع القفار والأودية المهجورة التي لم يسلكها أحد، وفي مطلعها يصف ناقته:
ألا كل ماشية الخيزلىفدى كل ماشية الهيذبىوكل نجاة بجاويةخنوف وما بي حسن المشىضربت بها التيه ضرب القمافإما لهذا وإما لذاإذا فزعت قدمتها الجيادوبيض السيوف وسمر القنا
وفيها يصف المنازل في طريقه:
وجابت بُسيطة جوب الرَّداءبين النَّعَام وبين المهاإلى عُقدة الجوف حتى شَفَتبماء الجُرَاوِيّ بعض الصداولاحَ لها صورٌ والصَّبَاحولاحَ الشَّغور لها والضَّحَا
وهي قصيدة يميل فيها المتنبي إلى حد ما إلى الغرابة في الألفاظ ولعله يرمي بها إلى مساواتها بطريقه. وذكر في قصائده بعض المدن والمواضع الواقعة ضمن الحدود الإدارية لدُومة الجندل، والتي منها:
حَتّامَ نحنُ نُساري النّجمَ في الظُّلَمِومَا سُرَاهُ على خُفٍّ وَلا قَدَمِوَلا يُحِسّ بأجْفانٍ يُحِسّ بهَافقْدَ الرّقادِ غَريبٌ باتَ لم يَنَمِتُسَوِّدُ الشّمسُ منّا بيضَ أوْجُهِنَاولا تُسَوِّدُ بِيضَ العُذرِ وَاللِّمَمِوَكانَ حالهُمَا في الحُكْمِ وَاحِدَةًلوِ احتَكَمْنَا منَ الدّنْيا إلى حكَمِوَنَترُكُ المَاءَ لا يَنْفَكّ من سَفَرٍما سارَ في الغَيمِ منهُ سارَ في الأدَمِلا أُبْغِضُ العِيسَ لكِني وَقَيْتُ بهَاقلبي من الحزْنِ أوْ جسمي من السّقمِطَرَدتُ من مصرَ أيديهَا بأرْجُلِهَاحتى مَرَقْنَ بهَا من جَوْشَ وَالعَلَمِتَبرِي لَهُنّ نَعَامُ الدّوّ مُسْرَجَةًتعارِضُ الجُدُلَ المُرْخاةَ باللُّجُمِ
ولمّا وصل إلى بسيطة، رأى بعض غلمانه ثورًا فقال : هذه منارة الجامع ورأى آخر نعامة برية فقال: هذه نخلة، فضحك أبو الطيب وقال:
بُسيطة مهلاً سُقيت القطاراتركت عيون عبيدي حيارافظنوا النعام عليك النخيلوظنوا الصوار عليك المنارافأمسك صحبي بأكوارهموقد قصد الضحك فيهم وجارا
ومما قاله في مصر ولم ينشدها الأسود ولم يذكره فيها، وفيها يشكو معاناته من الزمن:
صَحِبَ النّاسُ قبلَنا ذا الزماناوعَناهُم من شأنِه ما عنانـاوتولّوا بغصّةٍ كلّهم منْهوإن سـرّ بعضـَهم أحيــانـارُبما تُحسِنُ الصّنيع لَيَالِيــهِ ولكِن تكدّرُ الإحْسَاناوكأنّا لم يرض فينا بريب الـدّهر حتى اعانَه من اعانـاكلّما انبتَ الزمان قناةًركّبَ المرءُ في القناةِ سِنَانـاومرادُ النفوسِ اصغر من أننتـعـادى فيه وأن نتـفـانـىغيرَ أنّ الفتى يلاقي المنــــايـــاكالـــحاتٍ ولا يـلاقي الهواناولو أنّ الحياةَ تبقى لحيلــعددنا أضـّـلّـنا الشجــعانــاوإذا لم يكن من المــوتِ بدٌّفمن العجزِ أن تكون جباناكل مالم يكن من الصعب في الأنـــــفس سهل فيها إذا هو كانا
لم يكن سيف الدولة وكافور هما من اللذان مدحهما المتنبي فقط، فقد قصد أمراء بلاد الشام والعراق وفارس. وبعد عودته إلى الكوفة، زار بلاد فارس، فمر بأرجان، ومدح فيها ابن العميد، وكانت لهُ معه مساجلات، ومدح عضد الدولة ابن بويه الديلمي في شيراز وذلك بعد فراره من مصر إلى الكوفة ليلة عيد النحر سنة 350هـ.

شعره وخصائصه الفنية

شعر المتنبي كان صورة صادقة لعصره، وحياته، فهو يحدث عما كان في عصره من ثورات واضطرابات، ويدل على ما كان به من مذاهب وآراء، ونضج العلم والفلسفة. كما يمثل شعره حياته المضطربة: فذكر فيه طموحه وعلمه، وعقله وشجاعته، وسخطه ورضاه، وحرصه على المال، كما تجلت القوة في معانيه وأخيلته، وألفاظه وعباراته. وقد تميز خياله بالقوة والخصابة فكانت ألفاظه جزلة، وعباراته رصينة تلائم قوة روحه، وقوة معانيه، وخصب أخيلته، وهو ينطلق في عباراته انطلاقاً ولا يعنى فيها كثيراً بالمحسنات والصناعة. ويقول الشاعر العراقي فالح الحجية في كتابه في الأدب والفن أن المتنبي يعتبر وبحق شاعر العرب الأكبر عبر العصور.

أغراضه الشعرية

المدح الإخشيدي، وقصائده في سيف الدولة تبلغ ثلث شعره أو أكثر، وقد استكبر عن مدح كثير من الولاة والقادة حتى في حداثته. ومن قصائده في مدح سيف الدولة:
وقفت وما في الموت شكٌّ لواقفكأنك في جفن الرَّدى وهو نائمتمر بك الأبطال كَلْمَى هزيمـةًووجهك وضاحٌ، وثغرُكَ باسمتجاوزت مقدار الشجاعة والنهىإلى قول قومٍ أنت بالغيب عالم
و كان مطلع القصيدة:
عَـلَى قَـدرِ أَهـلِ العَـزمِ تَأتِي العَزائِمُوتَــأتِي عَـلَى قَـدرِ الكِـرامِ المَكـارِموتَعظُـم فـي عَيـنِ الصّغِـيرِ صِغارُهاوتَصغُـر فـي عَيـنِ العَظِيـمِ العَظـائِمُ

الوصف

أجاد المتنبي وصف المعارك والحروب البارزة التي دارت في عصره وخاصة في حضرة وبلاط سيف الدولة، فكان شعره يعتبر سجلاً تاريخياً. كما أنه وصف الطبيعة وأخلاق الناس ونوازعهم النفسية، كما صور نفسه وطموحه. وقد قال يصف شِعب بوَّان، وهو منتزه بالقرب من شيراز :
مَغَاني الشِّعْبِ طِيباً في المَغَانيبمَنْزِلَةِ الرّبيعِ منَ الزّمَانِوَلَكِنّ الفَتى العَرَبيّ فِيهَاغَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللّسَانِمَلاعِبُ جِنّةٍ لَوْ سَارَ فِيهَاسُلَيْمَانٌ لَسَارَ بتَرْجُمَانِطَبَتْ فُرْسَانَنَا وَالخَيلَ حتىخَشِيتُ وَإنْ كَرُمنَ من الحِرَانِغَدَوْنَا تَنْفُضُ الأغْصَانُ فيهَاعلى أعْرافِهَا مِثْلَ الجُمَانِفسِرْتُ وَقَدْ حَجَبنَ الحَرّ عنيوَجِئْنَ منَ الضّيَاءِ بمَا كَفَانيوَألْقَى الشّرْقُ مِنْهَا في ثِيَابيدَنَانِيراً تَفِرّ مِنَ البَنَانِلها ثمر تشـير إليك منـهبأَشربـةٍ وقفن بـلا أوانوأمواهٌ يصِلُّ بها حصاهـاصليل الحَلى في أيدي الغوانيإذا غنى الحمام الوُرْقُ فيهاأجابتـه أغـانيُّ القيـان
وقال يعاتب سيف الدولة ويفخر بنفسه وشعره:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبيو أسمعت كلماتي من به صممأنام ملء جفوني عن شواردهاويسهر الخلق جراها ويختصمو جاهل مده في جهله ضحكيحتى أتته يد فراسة وفمإذا رأيت نيوب الليث بارزةفلا تظنن أن الليث يبتسمو مهجة مهجتي من هم صاحبهاأدركته بجواد ظهره حرمرجلاه في الركض رجل واليدان يدوفعله ماتريد الكف والقدمومرهف سرت بين الجحفلين بهحتى ضربت وموج الموت يلتطمالخيل والليل والبيداء تعرفنيوالسيف والرمح والقرطاس والقلم

الهجاء

لم يكثر الشاعر من الهجاء. وكان في هجائه يأتي بحكم يجعلها قواعد عامة، تخضع لمبدأ أو خلق، وكثيراً ما يلجأ إلى التهكم، أو استعمال ألقاب تحمل في موسيقاها معناها، وتشيع حولها جو السخرية بمجرد اللفظ بها، كما أن السخط يدفعه إلى الهجاء اللاذع في بعض الأحيان. وقال يهجو طائفة من الشعراء الذين كانوا ينفون عليه مكانته:
أفي كل يوم تحت ضِبني شُوَيْعرٌضعيف يقاويني، قصير يطاوللساني بنطقي صامت عنه عادلوقلبي بصمتي ضاحكُ منه هازلوأَتْعَبُ مَن ناداك من لا تُجيبهوأَغيظُ مَن عاداك مَن لا تُشاكلوما التِّيهُ طِبِّى فيهم، غير أننيبغيـضٌ إِلىَّ الجاهـل المتعاقِـل
ومن قوله في هجاء كافور:
من أية الطرق يأتي مثلك الكرمأين المحاجم ياكافور والجلمجازا الأولى ملكت كفاك قدرهمفعرفوا بك أن الكلب فوقهمسادات كل أناس من نفوسهموسادة المسلمين الأعبد القزمأغاية الدين أن تحفوا شواربكميا أمة ضحكت من جهلها الأممألا فتى يورد الهندي هامتهكيما تزول شكوك الناس والتهمفإنه حجة يؤذي القلوب بهامن دينه الدهر والتعطيل والقدمما أقدر الله أن يخزي خليقتهولا يصدق قوما في الذي زعموا
بيد أن أبرز ما أتى به المتنبي على مستوى الهجاء كان القصيدة الشهيرة التي كتبها بعد فراره من مصر حيث استبقاه كافور الإخشيدي فيها قسرًا. وتعتبر قصيدة هجاء كافور من أكثر قصائد الهجاء قسوة. ومما جاء فيها:
يا ساقيي أخمـر فـي كؤوسكمـاأم فـي كؤوسكمـا هـم وتسهيـدأصخرة أنـا مالـي لا تحركنـيهذي المدام ولا هـذي الأغاريـدإذا أردت كميـت اللـون صافيـةوجدتها وحبيـب النفـس مفقـودماذا لقيـت مـن الدنيـا وأعجبـهأني بما أنـا شاكٍ منـه محسـودإني نزلت بكذابين ضيفهمعن القرى وعن الترحال محدودجود الرجال من الأيدي وجودهممن اللسان فلا كانوا ولا الجودما يقبض الموت نفسا من نفوسهـمإلا وفي يـده مـن نتنهـا عـودأكلما اغتال عبـد السـوء سيـدهأو خانه فله فـي مصـر تمهيـدصار الخصي إمام الآبقين بهافالحر مستعبد والعبد معبودنامت نواطير مصر عن ثعالبهافقد بشمن وما تفنى العناقيدالعبد ليـس لحـر صالـح بـأخلو أنه فـي ثيـاب الحـر مولـودلا تشتر العبد إلا والعصـا معـهإن العبيـد لأنـجـاس مناكـيـدما كنت أحسبني أحيا الـى زمـنيسيء بي فيه عبد وهـو محمـودولا توهمت أن الناس قد فقدواوأن مثل أبي البيضاء موجودوأن ذا الأسود المثقـوب مشفـرهتطيعه ذي العضاريـط الرعاديـدجوعان يأكل من زادي ويمسكنـيلكي يقال عظيـم القـدر مقصـودوَيْلُمِّها خُطّةً ويْلُمِّ قابِلهالمثْلها خلق المهْرِيّةُ القودوَعِنْدها لذّ طعْم الموْت شاربهإنّ المنيّة عنْد الذّلّ قنْديدمن علم الأسود المخصيَّ مكرمـةأقومه البيـض أم آباؤه الصيـدأم أذنه فـي يـد النخـاس داميـةأم قدره وهـو بالفلسيـن مـردودأولى اللئام كويفيرٌ بمعذرةفي كل لؤم، وبعض العذر تفنيدوذاك أن الفحول البيض عاجزةعن الجميل، فكيف الخصية السود؟؟
كما ينسب له هذا البيت في وصف أكثر أهل الأرض في الذل.
وأوغلُ أهل الأرضُ في الذلِ أمةٌتضامُ ومنها لمن ضام جندُ

الحكمة

اشتهر المتنبي بالحكمة وذهب كثير من أقواله مجرى الأمثال لأنه يتصل بالنفس الإنسانية، ويردد نوازعها وآلامها. ومن حكمه ونظراته في الحياة:
إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِفَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِفطَعْمُ المَوْتِ في أمْرٍ حَقِيرٍكطَعْمِ المَوْتِ في أمْرٍ عَظيمِيرَى الجُبَناءُ أنّ العَجزَ عَقْلٌوتِلكَ خَديعَةُ الطّبعِ اللّئيمِوكمْ من عائِبٍ قوْلاً صَحيحاًوآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السّقيمِولكِنْ تأخُذُ الآذانُ مِنْهُعلى قَدَرِ القَرائحِ والعُلُومِ
كذلك يقول:
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت بهفي طلعة البدر ما يغنيك عن زحلوالهجر أقتل لي مما اراقبهأنا الغريق فما خوفي من البلل
كذلك قوله:

ما كلُ ما يتمناه المَرْءُ يُدْرِكُهُتجرِي الرّياحُ بمَا لا تَشتَهي السّفُنُ

كان المتنبي قد هجا ضبة بن يزيد الأسدي العيني بقصيدة شديدة الهجاء شنيعة الألفاظ و تحتوي على الكثير من الطعن في الشرف مطلعها:
مَا أنصَفَ القَومُ ضبّهوَأمهُ الطرْطبّهوإنّما قلتُ ما قُلــتُ رَحمَة لا مَحَبه
فلما كان المتنبي عائدًا إلى الكوفة، وكان في جماعة منهم ابنه محمد وغلامه مفلح، لقيه فاتك بن أبي جهل الأسدي، وهو خال ضبّة بن يزيد العوني الذي هجاه المتنبي، وكان في جماعة أيضًا. فتقاتل الفريقان وقُتل المتنبي وابنه محمد وغلامه مفلح بالنعمانية بالقرب من دير العاقول غربيّ بغداد.
قصة قتله أنه لما ظفر به فاتك أراد الهرب فقال له غلامه : أتهرب وأنت القائل :
الخيل والليل والبيداء تعرفنيوالسيف والرمح والقرطاس والقلم

فرد عليه بقوله: قتلتني قتلك الله.