أعلي المقامات والمكانات الأسوة الحسنة

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: 

أن تكون مثالا يحتذي به فهذه نعمة النعم ، وهدية الهدايا وأصل كل علم وأدب وخير .

فما بالك وحالك إذا هذا المقام الأعلي والأسمي هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

والله لنا كل الفخر والبشارة والهداية أن إمامنا ومعلمنا وهادينا لكل خير وفضيلة هو النبي ﷺ بأبي وأمي ونفسي وروحي وحياتي كلها صلى الله عليه وسلم.

فكل الناس قدرتهم الحق وتاجهم الصدق ونبراسهم الهداية والنور رسول الله ﷺ

يقول الله تعالى:

{ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا }

 (سورة الأحزاب ، الآية : 21)

جاء في تفسير الإمام الطبري رحمه الله: 

القول في تأويل قوله تعالى : 

{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا }

اختلفت القرّاء في قراءة قوله: (أُسْوَةٌ) فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: (إِسْوَةٌ) بكسر الألف، خلا عاصم بن أبي النجود، فإنه قرأه بالضمّ(أُسوة)، وكان يحيى بن وثاب يقرأ هذه بالكسر، ويقرأ قوله: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ بالضم وهما لغتان.

وذُكر أن الكسر في أهل الحجاز، والضمّ في قيس، يقولون: أُسوة، وأُخوة.

، وهذا عتاب من الله للمتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعسكره بالمدينة، من المؤمنين به، يقول لهم جلّ ثناؤه: 

(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة): أن تتأسوا به وتكونوا معه حيث كان، ولا تتخلَّفوا عنه (لِمَنْ كانَ يَرْجُو اللَّهَ) يقول: فإن من يرجو ثواب الله ورحمته في الآخرة لا يرغب بنفسه، ولكنه تكون له به أُسوة في أن يكون معه حيث يكون هو.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

 ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان، قال: ثم أقبل على المؤمنين، فقال: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ) ألا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ولا عن مكان هو به (وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) يقول: وأكثر ذكر الله في الخوف والشدّة والرخاء.

وجاء في بيان وتفسير الآية لشيخ المفسرين وإمامهم القرطبي رحمه الله تعالى: 

قوله تعالى : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا .

فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة هذا عتاب للمتخلفين عن القتال ; أي كان لكم قدوة في النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حيث بذل نفسه لنصرة دين الله في خروجه إلى الخندق . والأسوة : القدوة . 

وقرأ عاصم ( أسوة ) بضم الهمزة . 

الباقون بالكسر ; وهما لغتان . والجمع فيهما واحد عند الفراء . والعلة عنده في الضم على لغة من كسر في الواحدة : الفرق بين ذوات الواو وذوات الياء ; فيقولون كسوة وكسا ، ولحية ولحى . الجوهري : والأسوة والإسوة بالضم والكسر لغتان . 

والجمع أسى وإسى .

، وروى عقبة بن حسان الهجري عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة قال : في جوع النبي صلى الله عليه وسلم ; ذكره الخطيب أبو بكر أحمد وقال : تفرد به عقبة بن حسان عن مالك ، ولم أكتبه إلا بهذا الإسناد .

الثانية : قوله تعالى : ( أسوة ) الأسوة القدوة . والأسوة ما يتأسى به ; أي يتعزى به . فيقتدى به في جميع أفعاله ويتعزى به في جميع أحواله ; فلقد شج وجهه ، وكسرت رباعيته ، وقتل عمه حمزة ، وجاع بطنه ، ولم يلف إلا صابرا محتسبا ، وشاكرا راضيا .

، وعن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر ; فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين . 

خرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه : حديث غريب .

 وقال صلى الله عليه وسلم لما شج : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وقد تقدم . 

لمن كان يرجو الله واليوم الآخر قال سعيد بن جبير : المعنى لمن كان يرجو لقاء الله بإيمانه ويصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأفعال . وقيل : أي لمن كان يرجو ثواب الله في اليوم الآخر . ولا يجوز عند الحذاق من النحويين أن يكتب يرجو إلا بغير ألف إذا كان لواحد ; لأن العلة التي في الجمع ليست في الواحد . وذكر الله كثيرا خوفا من عقابه ، ورجاء لثوابه .

 وقيل : إن لمن بدل من قوله : لكم ، ولا يجيزه البصريون ; لأن الغائب لا يبدل من المخاطب ، وإنما اللام من لمن متعلقة ب ( حسنة ) ، و ( أسوة ) اسم كان و ( لكم ) الخبر . واختلف فيمن أريد بهذا الخطاب على قولين :

 أحدهما : المنافقون ; عطفا على ما تقدم من خطابهم . 

الثاني : المؤمنون ; لقوله : لمن كان يرجو الله واليوم الآخر .

واختلف في هذه الأسوة بالرسول عليه السلام ، هل هي على الإيجاب أو على الاستحباب ; على قولين : أحدهما : على الإيجاب حتى يقوم دليل على الاستحباب . الثاني : على الاستحباب حتى يقوم دليل على الإيجاب . ويحتمل أن يحمل على الإيجاب في أمور الدين ، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا .

اللهم انفعنا وارفعنا برسول الله صلى الله عليه وسلم أن نكون على سنته وأن لا نحرم بفضلك يا ربنا شفاعته صلي الله عليه وسلم.