أعيادنا أفراح وسعادة بفضل الله

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
ما أجمل الفرح بالطاعة!
والأجمل منه بكل تأكيد الفرح بقبول الطاعة .
{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }
(سورة يونس ، الآية: 58)
تعريف العِيد
العِيد: الموسِمُ، وكلُّ يومٍ فيه جَمْعٌ؛ فهو اسمٌ لِمَا يعودُ من الاجتماعِ العامِّ على وجهٍ مُعتادٍ، عائدٍ بعودِ السَّنةِ، أو بعودِ الشَّهر، أو الأُسبوع، أو نحوِ ذلِك .
( قال الخطيبُ الشربينيُّ:
(العيد مشتقٌّ من العوْد؛ لتكرُّره كلَّ عام، وقيل: لكثرة عوائد الله تعالى فيه على عباده، وقيل: لعوْد السرور بعوْده) (مغني المحتاج) (1/310)، (الصحاح) للجوهري (2/515)
، (المصباح المنير) للفيومي (2/436)
، (أنيس الفقهاء) للقونوي (ص: 40)
، (اقتضاء الصراط المستقيم) لابن تيمية (1/496).
واعلم أيها المؤمن العاقل العابد أن في الإسلام
وللمُسلِمينَ عِيدانِ: عيدُ الفِطرِ، وهو: أوَّلُ يومٍ من شوَّال، وعيد الأضحى، وهو: اليومُ العاشرُ من ذي الحجَّة، وليس للمُسلمين عيدٌ غيرُهما إلَّا يوم الجُمُعة .
(قال ابنُ عُثَيمين: (هناك عيدٌ ثالث، وهو ختامُ الأسبوع، وهو يوم الجُمُعة، ويتكرَّر في كل أسبوع مرةً، وليس في الإسلام عيدٌ سوى هذه الأعياد الثلاثة: الفطر، والأضحى، والجمعة) (الشرح الممتع) (5/111).
ومن الأدلَّة على ذلك :
من السُّنَّة المطهرة:
فعن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قدِم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المدينةَ ولهم يومانِ يَلعَبونَ فيهما، فقال: (قدْ أبْدَلكم اللهُ تعالى بهما خيرًا منهما؛ يومَ الفِطرِ والأضحى ).
( رواه أبو داود (1134)، والنسائي (3/179)، وأحمد (3/250) (13647) صحَّح إسنادَه النوويُّ في (الخلاصة) (2/819)، وقال ابنُ تيميَّة في (اقتضاء الصراط المستقيم) (1/485): إسنادُه على شرط مسلم. وصحَّح إسناده ابنُ الملقن في (شرح البخاري) (8/52)، وابنُ حجر في (فتح الباري) (2/513)، والصنعانيُّ في (العدة على الإحكام) (2/540)، وصحَّحه الألباني في (صحيح سنن أبي داود) (1134)
و مِنَ الِإِجْماع
نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ حزمٍ .
( قال ابنُ حزم: (صلاة العيدين: هما عيد الفِطر من رمضان, وهو: أوَّل يومٍ من شوال, ويوم الأضحى: وهو اليوم العاشرُ من ذي الحجَّة, ليس للمسلمين عيد غيرهما, إلَّا يوم الجمعة. وثلاثة أيام بعد يوم الأضحى ولا خلافَ بين أهل الإسلام في ذلك, ولا يَحرُم العمل, ولا البيع في شيءٍ من هذه الأيَّام: لأنَّ الله تعالى لم يمنع من ذلك, ولا رسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا خلافَ أيضًا بين أهل الإسلامِ في هذا) (المحلى)(5/81).
ونأتي للحِكمةُ من تشريعِ العِيدينِ
فقد شرَع اللهُ تعالي لهذه الأمَّة الفرحَ والسرورَ بتمام نِعمته، وكمالِ رحمته؛ فعيدُ الفِطر يأتي بعدَ تمام صيامهم الذي افترَضَه عليهم كلَّ عامٍ، فإذا أتمُّوا صيامَهم أعتَقَهم من النارِ؛ فشَرَع لهم عيدًا بعد إكمالِ صِيامِهم، وجعله يومَ الجوائز، يرجعون فيه مِن خروجهم إلى صلاتِهم وصَدَقتِهم بالمغفرةِ، وتكون صدقةُ الفطرِ وصلاةُ العيدِ شُكرًا لذلك. وشرَعَ لهم عِيدَ الأضحى عند تمامِ حجِّهم بإدراكِ الوقوفِ بعرفةَ، وهو يومُ العِتقِ من النارِ، ولا يَحصُلُ العتقُ من النارِ، والمغفرةُ للذنوبِ والأوزارِ في يومٍ من أيَّامٍ السَّنة أكثرَ منه؛ فجعَلَ الله عقبَ ذلك عيدًا؛ بل هو العيدُ الأكبر، فيُكمل أهلُ الموسمِ فيه مناسِكَهم .
(فتح الباري) لابن رجب (1/174).
ومن حِكَم مَشروعيَّةِ صلاةِ العِيدِ:
أولا: التنويهُ بشعائرِ الإسلام؛ فإنَّ صلاةَ العيدين من أعظمِ شعائره، والناسُ يجتمعون لها أعظمَ من الجُمُعة، وقد شُرِع فيها التكبيرُ (2) .
(مجموع الفتاوى) لابن تيمية (23/161).
ثانياً: أنَّ كلَّ أمَّةٍ لا بدَّ لها من عَرضةٍ، يجتمع فيها أهلُها؛ لتظهرَ شوكتُهم، وتُعلَمَ كثرتُهم؛ ولذلك استُحبَّ خروجُ الجميع، حتى الصِّبيانِ والنِّساءِ، وذواتِ الخدورِ، والحُيَّضِ. واستُحبَّ كذلك مخالفةُ الطِّريق ذَهابًا وإيابًا؛ ليطلعَ أهلُ كِلتا الطريقينِ على شوكةِ المسلمين .
(حجة الله البالغة) للدهلوي (2/79)
ثالثاً: الشُّكر لله تعالى على ما أَنعم اللهُ به، من أداءِ العبادات المتعلِّقة بهما؛ فعيد الفطر: شُكرًا للهِ تعالى على إتمامِ صومِ شهرِ رمضانِ، وعيد الأضحى: شُكرًا على العباداتِ الواقعاتِ في العشرِ، وأعظمهما: إقامةُ وظيفةِ الحجِّ .
(إحكام الأحكام) لابن دقيق العيد (ص: 229).
أما عن حُكمُ صَلاةِ العِيدَينِ:
فصلاةُ العِيدينِ مشروعةٌ بالإجماعِ
( قال الجوينيُّ: (الأصل فيها الكتاب، والسُّنة، والإجماع… ونقلُ صلاةِ العيد متواترٌ، والإجماعُ من الكافة منعقدٌ) (نهاية المطلب) (2/611).
، وقال ابنُ قُدامة: (الأصلُ في صلاة العيد الكتابُ والسُّنَّة والإجماع… وأجمَع المسلمونَ على صلاةِ العيدين) (المغني) (2/272).
وقال النوويُّ رحمه الله : (أجمَع المسلمون على أنَّ صلاةَ العيد مشروعةٌ) (المجموع) (5/2).
، وقال ابنُ دَقيق العيد: (لا خلافَ في أنَّ صلاة العيدين من الشعائرِ المطلوبة شرعًا، وقد تواتَر بها النقلُ الذي يَقطع العُذرَ) (إحكام الأحكام) (ص: 229).
وقال الصَّنعانيُّ: (صلاة العيد مُجمَعٌ على شرعيَّتها، مختلفٌ فيها على أقوال ثلاثة) ((سبل السلام)) (2/66، 67). واختَلف أهلُ العِلمِ في حُكمِها، على ثلاثةِ أقوال:
القول الأوّل: أنَّ صلاةَ العيدينِ واجبةٌ على الأعيانِ، وهذا مذهبُ الحَنَفيَّة
( الواجبُ عند الحنفيَّة في منزلةٍ بين الفَرض والسُّنة، وهو ما ثبَت بدليلٍ ظنيٍّ، أو كانت دلالته ظنيَّة. يُنظر: (تبيين الحقائق) للزيلعي، مع (حاشية الشلبي) (1/223)، (حاشية ابن عابدين) (2/166) (6/337).
، وبه قال ابنُ حبيبٍ من المالِكيَّة
(مواهب الجليل) للحطَّاب (2/568).
، وهو روايةٌ عن أحمد
(مجموع الفتاوى) لابن تيمية (23/161)، (الإنصاف) للمرداوي (2/294).
، واختاره ابنُ تيميَّة .
( قال ابنُ تيميَّة: (ولهذا رجَّحنا أنَّ صلاةَ العيد واجبةٌ على الأعيان، كقول أبي حنيفة وغيرِه، وهو أحد أقوال الشافعي، وأحد القولين في مذهب أحمد) (مجموع الفتاوى) (23/161، 162).
، وابنُ القيِّم .
(قال ابنُ القيِّم: (صلاة العيدِ واجبةٌ على الأعيان. وهذا هو الصَّحيحُ في الدَّليل) (الصلاة وأحكام تاركها) (ص: 39، 40).
، والصَّنعانيُّ .
(قال الصَّنعانيُّ: (صلاةُ العيد مُجمَع على شرعيَّتها، مُختلَفٌ فيها على أقوال ثلاثة: الأول: وجوبها عينًا عند الهادي وأبي حنيفة، وهو الظاهرُ من مداومته صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والخلفاء من بعدِه، وأمْرِه بإخراج النِّساء، وكذلك ما سلَفَ من حديثِ أمرهم بالغُدوِّ إلى مصلَّاهم، فالأمرُ أصلُه الوجوب، ومن الأدلَّة قوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ .
(سورة الكوثر ، الآية: 2) ، على مَن يقول المرادُ به صلاةُ النحر، وكذلك قولُه تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (سورة الأعلى ، الآيتان: 14- 15) ؛ فسَّرها الأكثر بزكاة الفِطر وصلاة عِيدِه) (سبل السلام) (2/66، 67).
، والشوكانيُّ .
(قال الشوكانيُّ: (اعلم أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لازَمَ هذه الصَّلاة في العيدين، ولم يتركْها في عيد من الأعياد، وأمَر الناس بالخروج إليها، حتى أمَر بخروج النساء العواتقِ وذواتِ الخدورِ والحُيَّض، وأمَر الحُيَّض أن يعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، حتى أمر مَن لا جلبابَ لها أن تُلبِسَها صاحبتُها من جلبابها، وهذا كله يدلُّ على أنَّ هذه الصلاة واجبةٌ وجوبًا مؤكَّدًا على الأعيان لا على الكفاية، ويَزيد ذلك تأكيدًا: أنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَرَ الناس بالخروجِ لقضائها في اليومِ الثاني مع اللَّبس كما تقدَّم، وهذا شأنُ الواجبات لا غيرها) (السيل الجرار) (ص: 192).
، وابنُ باز .
(قال ابن باز: (صلاةُ العيد فرضُ كفايةٍ عند كثيرٍ من أهل العلم، ويجوز التخلُّفُ من بعض الأفراد عنها، لكن حضوره لها ومشاركته لإخوانه المسلمين سُنَّةٌ مؤكَّدة لا ينبغي تركها إلّا لعذر شرعي، وذهَب بعضُ أهل العلم إلى أنَّ صلاة العيدِ فرضُ عينٍ كصلاة الجمعة؛ فلا يجوز لأيِّ مُكلَّف من الرجال الأحرار المستوطنين أن يَتخلَّف عنها، وهذا القولُ أظهرُ في الأدلَّة وأقربُ إلى الصَّواب) (مجموع فتاوى ابن باز) (13/7).
، وابنُ عُثيمين.
( قال ابنُ عُثَيمين: (صلاةُ العيدِ فرضُ عينٍ على الرِّجال على القولِ الرَّاجحِ من أقوالِ أهلِ العِلم) (مجموع فتاوى ابن عثيمين) (16/223).
وأدلة ذلك من الكِتاب، القرآن الكريم:
قال اللهُ تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [ سورة الكوثر ، الآية: 2].
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ هذا أمرٌ من الله، والأمر يَقتضي الوجوبَ (المغني) لابن قدامة (2/272).
ومن السُّنَّة المطهرة:
عن أمِّ عطيةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالتْ: (أمَرَنا- تعني النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أن نُخرِجَ في العِيدينِ: العواتقَ ،
( قال النوويُّ: (العواتقُ جمْع عاتق، وهي البنتُ التي بلَغتْ، وقال أبو زيد: هي البالِغة ما لم تعنسْ، وقيل: هي التي لم تتزوَّجْ، قال ثعلب: سُمِّيتْ عاتقًا؛ لأنَّها عتقت من ضرِّ أبويها، واستخدامهما وامتهانها بالخروجِ في الأشغال) (المجموع) (5/8).
، وذواتِ الخدورِ ،
الخدور: جمْع خِدر، وهو ناحيةٌ في البيتِ يُتركُ عليها سترٌ، فتكون فيه الجاريةُ البِكر. وقيل: الخدور: البيوت. يُنظر: (النهاية) لابن الأثير (2/13)، (المجموع) للنووي (5/9)، (فتح الباري) لابن حجر (1/110)، (شرح أبي داود) للعيني (4/480)، (حاشية السندي على سنن النسائي) (1/194).
، وأَمَر الحُيَّضَ أنْ يعتزِلْنَ مُصلَّى المسلمينَ )
(رواه البخاري (974)، ومسلم (890) واللفظ له
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ الأمرَ بخروج النِّساء يقتضي الأمرَ بالصَّلاة؛ وذلك لأنَّ الخروجَ وسيلةٌ إلى الصَّلاة، ووجوب الوسيلةِ يستلزمُ وجوبَ المتوسَّل إليه، وإذا أمر بذلك النساءَ، فالرِّجالُ من باب أَوْلى .
( قال ابنُ عُثَيمين: (الأمرُ يقتضي الوجوب، وإذا كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَر النساء، فالرجالُ من باب أَوْلى؛ لأنَّ الأصل في النساء أنهنَّ لسْنَ من أهل الاجتماع؛ ولهذا لا تُشرع لهن صلاة الجماعة في المساجد، فإذا أمَرَهن أن يخرجن إلى مصلَّى العيد؛ ليصلِّين العيدَ ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، دلَّ هذا على أنَّها على الرجال أوجبُ، وهو كذلك) (الشرح الممتع) (5/114)، ويُنظر: (مجموع فتاوى ابن عثيمين) (16/273).
ثالثًا: أنَّ صلاة العيدينِ مِن أعظمِ شعائرِ الإسلامِ، والناسُ يَجتمعون لها أعظمَ مِنَ الجُمُعةِ، وقد شُرِع فيها التكبيرُ، فلو كانتْ سُنَّةً فربَّما اجتمع الناسُ على تركِها، فيفوتُ ما هو من شعائرِ الإسلامِ؛ فكانت واجبةً صِيانةً لِمَا هو من شعائرِ الإسلامِ عن الفوتِ .
(بدائع الصنائع) للكاساني (1/275)، ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (2/71)، (المغني) لابن قدامة (2/272)، (مجموع الفتاوى) لابن تيمية (23/161)، (الصلاة وأحكام تاركها) لابن القيم (ص: 39، 40).
رابعًا: أنَّها صلاةٌ شُرِعتْ لها الخُطبة؛ فكانتْ واجبةً على الأعيانِ، كالجُمعةِ .
(المغني) لابن قُدامة (2/272).
القول الثاني: أنَّها سُنَّةٌ مؤكَّدة، وهو مذهبُ المالِكيَّة .
(الكافي) لابن عبد البَرِّ (1/263)، و(حاشية العدوي على كفاية الطالب الربَّاني) (1/388).
، والشافعيَّة
(المجموع) للنووي (5/2)، و(مغني المحتاج) للشربيني (1/310).
، وقولٌ للحنفيَّة
(مجمع الأنهر) لشيخي زاده (1/172).
، وروايةٌ عن أحمد
( قال المرداويُّ: (وعنه- أي: عن أحمد- هي- أي: صلاة العيد- سُنَّة مؤكَّدة) ((الإنصاف)) (2/294).
، واختارَه داودُ الظاهريُّ
( قال النوويُّ: (قد ذكرنا أنَّها- أي: صلاة العيد- سُنَّةٌ متأكِّدة، عندنا وبه قال… وداودُ) (المجموع) (5/3).
، (وهو قولُ عامَّة أهلِ العِلمِ من السَّلفِ والخَلفِ قال النوويُّ: (جماهيرُ العلماء من السَّلَف والخَلف أنَّ صلاة العيد سُنَّةٌ، لا فرضُ كفاية) (المجموع) (5/3).
وقال ابنُ رجب: (أمَّا صلاة العيد، فاختلف العلماءُ فيها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها سُنَّةٌ مسنونة، فلو تركها الناس لم يأثموا، هذا قولُ الثوري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي يوسف، وحُكِي روايةً عن أحمد) (فتح الباري) (6/75).
عن طَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنه: أنَّ رجلًا جاءَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسألُه عن الإسلامِ، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ اللهُ على عبادِه، فقال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: لا، إلَّا أنْ تطوَّع )
( رواه البخاري (2678)، ومسلم (11).
، عن عبدِ اللهِ بن عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: (أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعَثَ مُعاذًا رَضِيَ اللهُ عنه إلى اليَمنِ، فقال: ادعُهم إلى شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنِّي رسولُ اللهِ، فإنْ هم أطاعوا لذلك، فأَعْلِمْهم أنَّ اللهَ قد افتَرَضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ.) الحديث
( رواه البخاري (1395) واللفظ له، ومسلم (19).
ثانيًا: أنَّ صلاةَ العيدينِ صلاةٌ مؤقَّتة، لا تُشرَعُ لها الإقامةُ؛ فلم تجِبِ ابتداءً بالشرعِ كصلاةِ الاستسقاءِ والكسوفِ.
(المجموع) للنووي (5/2)، (المغني) لابن قدامة (2/272).
ثالثًا: أنَّ صلاةَ العيدينِ لو كانتْ واجبةً لوجَبَتْ خُطبتُها، ووجَب استماعُها كالجُمُعةِ .
(مجلة البحوث الإسلامية) (62/271).
القول الثالث: صَلاةُ العِيدينِ فَرضُ كفايةٍ، وهو مذهبُ الحَنابِلَةِ .
(الإقناع) للحجاوي (1/ 199)، ويُنظر: (المغني) لابن قدامة (2/272).
، وقولٌ عند الحَنَفيَّة
(البناية) للعيني (3/95)، (بدائع الصنائع) للكاساني (1/275).
، وقولٌ للمالكيَّة .
(حاشية الصاوي على الشرح الصغير) (1/523)، (حاشية الدسوقي) (1/396).
، وقولٌ عند الشافعيَّة
(تحفة المحتاج) للهيتمي (3/39)، (مغني المحتاج) للشربيني (1/310).
، وعليه فتوى اللَّجنةِ الدَّائمة
( قالت اللَّجنة الدَّائمة: (صلاةُ العيدين: الفطر والأضحى، كلٌّ منهما فرضُ كفاية، وقال بعضُ أهل العلم: إنَّهما فرضُ عينٍ كالجمعة؛ فلا ينبغي للمؤمن تركها) (فتاوى اللَّجنة الدَّائمة- المجموعة الأولى) (8/284).
أولًا: الأدلَّة على وُجوبِها
قال اللهُ تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ )
[سورة الكوثر ، الآية: 2].
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ هذا أمرٌ مِنَ اللهِ، والأمر يَقتضي الوجوبَ (المغني) لابن قدامة (2/272).
ثانيًّا: لأنَّها لو لم تجِبْ لم يجبْ قتالُ تاركيها، كسائرِ السُّننِ؛ يُحقِّقه أنَّ القتالَ عقوبةٌ لا تتوجَّه إلى تاركِ مندوبٍ، كالقَتْلِ والضربِ.
(المغني) لابن قدامة (2/272).
ثالثًا: لأنَّها إظهارٌ لأبَّهةِ الإسلامِ.
(مواهب الجليل) للحطاب (2/568
أما أدلَّة كونِها على الكِفايةِ:
أولًا: من السُّنَّة النبوية:
فعن طلحةَ بن عُبَيدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنه قال:
(جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من أهلِ نجدٍ، ثائر الرأس، نَسمَع دويَّ صوته ولا نَفْقَهُ ما يقولُ، حتى دنا من رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا هو يسألُ عن الإسلامِ، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: خمسُ صلواتٍ في اليومِ واللَّيلةِ، فقال: هل عليَّ غيرُهنَّ؟
قال: لا؛ إلَّا أنْ تطوَّع، وصيامُ شهرِ رمضان، فقال: هل عليَّ غيرُه؟ فقال: لا، إلَّا أن تطوَّع، وذكر له رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الزكاةَ؛ فقال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: لا، إلَّا أن تطوَّع، قال، فأدْبَر الرجلُ، وهو يقول: واللهِ لا أزيدُ على هذا ولا أنقصُ منه! فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أفْلَحَ إنْ صَدَق ) .
( رواه البخاري (2678)، ومسلم (11).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّ قوله: (إلا أن تَطَوَّع) استثناء من قوله: (لا) أي لا فرضَ عليك غيرها .
(فتح الباري) لابن حجر (1/107)
ثانيًا: أنَّها لا يُشرع لها الأذانُ، فلم تجبْ على الأعيانِ، كصلاةِ الجنازةِ.
(المغني) لابن قدامة (2/272).
ثالثًا: لأنَّها لو وجبتْ على الأعيانِ لوجبتْ خُطبتُها، ووجَب استماعُها كالجُمعةِ .
(المغني) لابن قدامة (2/272).
رابعًا: لأنَّها صلاةٌ يتوالَى فيها التكبيرُ في القيامِ، فكانتْ فرضًا على الكِفايةِ، كصلاةِ الجنازةِ .
(البيان) للعمراني (2/625).
بالنسبة لحضورُ النساءِ صَلاةَ العِيدِ
يُسنُّ للنِّساءِ حضورُ صلاةِ العيدِ، وهو مذهبُ المالِكيَّة .
(نصَّ المالكيَّةُ على الاستحباب وقيَّدوها بالمُسنَّة. يُنظر: (مواهب الجليل) للحطاب (2/569)، (التاج والإكليل) للمواق (2/189). قال الخرشيُّ: (يعني أنَّه يجوز ويُندب للمتجالَّة المسنَّة التي لا أربَ للرِّجال فيها أن تخرُجَ إلى صلاة العيد والاستسقاء، وأحرى للفرض، أمَّا متجالَّة لم ينقطع أربُ الرِّجال منها بالجملة، فهذه تخرج للمسجد ولا تُكثر التردُّد؛ كما في الرواية) (شرح مختصر خليل) (2/35).
وقال ابنُ بشير: (ما واظب عليه الرسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُظهِرًا له فهو سنَّةٌ بلا خلاف، وما نبَّه عليه وأجمله في أفعال الخير، فهو مستحبٌّ). انظر: (مواهب الجليل) للحطاب (1/40). ، والشافعيَّة
(المجموع) للنووي (5/8، 9)، ويُنظر: (الحاوي الكبير) للماوردي (2/494، 495). ومذهب الشافعيَّة هو استحبابُ حضورِ العيد للنساءِ غيرِ ذوات الهيئات، أي: اللواتي يُشتَهيْنَ لجمالهنَّ، فيُكره حُضورُهنَّ
، وروايةٌ عن أحمدَ اختارَها ابنُ حامد، والمجدُ (المغني) لابن قدامة (2/278)، (الإنصاف) للمرداوي (2/299).
، وهو اختيارُ ابنِ باز
(قال ابن باز: (يُسنُّ للنساء حضورُها مع العناية بالحجاب والتستُّر، وعدم التطيُّب) (مجموع فتاوى ابن باز) (13/7، 😎.
، وابنِ عُثيمين
( قال ابنُ عُثَيمين: (الخروج لصلاة العيد للنِّساء سُنَّة) (الشرح الممتع)(4/204)
و الأَدِلَّةُ مِنَ السُّنَّة:
عن أمِّ عَطيَّةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: (أَمرَنا- تعني النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أنْ نُخرِجَ في العيدينِ، العواتقَ
قال النوويُّ: (العواتقُ جمْع عاتق، وهي البنتُ التي بلَغتْ، وقال أبو زيد: هي البالِغة ما لم تعنسْ، وقيل: هي التي لم تتزوَّجْ، قال ثعلب: سُمِّيتْ عاتقًا؛ لأنَّها عتقت من ضرِّ أبويها، واستخدامهما وامتهانها بالخروجِ في الأشغال) (المجموع) (5/8).
، وذواتِ الخدورِ
الخدور: جمْع خِدر، وهو ناحيةٌ في البيتِ يُتركُ عليها سترٌ، فتكون فيه الجاريةُ البِكر. وقيل: الخدور: البيوت. يُنظر: (النهاية) لابن الأثير (2/13)، (المجموع) للنووي (5/9)، ((فتح الباري) لابن حجر (1/110)، ((شرح أبي داود)) للعيني (4/480)، (حاشية السندي على سنن النسائي) (1/194).
وأمَرَ الحُيَّضَ أن يعتزِلْنَ مُصلَّى المسلمينِ)، وفي روايةٍ: (كنَّا نُؤمَر أن نَخرُجَ يوم العيدِ، حتى تَخرُجَ البكرُ من خِدرهِا، وحتى يَخرجَ الحُيَّضُ فيكُنَّ خلفَ الناس، فيُكبِّرْنَ بتكبيرِهم، ويَدْعونَ بدعائِهم؛ يرجونَ بركةَ ذلك اليومِ وطُهرتَه)
(رواه البخاري (971) واللفظ له، ومسلم (890).
وَجْهُ الدَّلالَةِ:
أنَّه علَّل خروجهنَّ بشهودِ الخيرِ ودعوةِ المسلمينَ، ولو كان واجبًا ما علَّل بذلِك
(سبل السلام) للصنعاني (2/65).
و عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا تَمْنَعوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ )
رواه أبو داود (565)، وأحمد (2/438) (9643)، والدارمي (1/330) (1279).
احتجَّ به ابنُ حزم في ((المحلى)) (4/78)، وقال ابن عبد البَرِّ في (التمهيد) (24/174): محفوظ، وصحَّح إسنادَه على شرْط الشيخين النوويُّ في (المجموع) (4/199)، وصحَّحه ابن الملقِّن في (البدر المنير) (5/46)، وقال ابن حجر في (التلخيص الحبير) (2/608): اتَّفق الشيخان عليه بالجملة الأوَّلى. وقال الألباني في (صحيح سنن أبي داود) (565): حسنٌ صحيح. وحسَّنه الوادعي في (الصحيح المسند) (1292).
و عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنه، أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا تَمنَعوا إماءَ اللهِ مَساجدَ اللهِ )
(رواه البخاري (900)، ومسلم (442).
أما بالنسبة لخروجُ الصِّبيانِ إلى صلاةِ العيدِ
يُستحبُّ إخراجُ الصِّبيانِ إلى صلاةِ العيدِ.
قال ابنُ تيميَّة: (وكانوا في العيد يأخذون من الصِّبيان مَن يأخذوه، كما شهِد ابنُ عبَّاس العيدَ مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولم يكُن قد احتَلَم) (مجموع الفتاوى) (24/185).
وقالت اللَّجنة الدَّائمة: (وأمَّا خروج الصِّبيان المميِّزين لصلاة العيد والجمعة وغيرهما من الصلوات، فهو أمرٌ معروف ومشروع؛ للأدلَّة الكثيرة في ذلك) ((فتاوى اللَّجنة الدَّائمة- المجموعة الأولى) (8/287).
؛ نصَّ على ذلك المالِكيَّة
(الكافي) لابن عبد البَرِّ (1/263)،
(مواهب الجليل) للحطاب (2/569).
، والشافعيَّة.
(الحاوي الكبير) للماوردي (2/495)
، (المجموع) للنووي (5/9).
أولًا: من السُّنَّة المطهرة:
عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: (خرجتُ مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومَ فِطرٍ أو أضحى، فصلَّى ثم خطَب، ثم أتى النِّساءَ، فوَعظهنَّ وذكَّرهنَّ، وأمرهنَّ بالصَّدقةِ )
(رواه البخاري (975)، ومسلم (884).
عن عبد الرحمن بن عابس، قال: سمعتُ ابنَ عبَّاس، وقيل له: أشهدتَ الخروجَ مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومَ العيد؟ قال: (نعم، ولولا مكانِي منه ما شهدتُه معه من الصِّغرِ .
قال ابنُ بطَّال: (فائدةُ هذا الحديثِ الرُّخصة في شهودِ النِّساءِ والصِّبيانِ العيدَ) (شرح صحيح البخاري) (2/568).
؛ خرَج حتى أتى العَلَمَ الذي عند دارِ كَثيرِ بن الصَّلتِ .
قال ابنُ رجب: (العَلمُ الذي عند دار كَثير بن الصَّلت، ودار كثير بن الصَّلت، الظاهر أنَّ ذلك كله مُحدَث، أُحدِث بعد النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مكان المصلى، وقد تقدَّم أنَّ المصلَّى كان فضاءً، ليس فيه سترة؛ فلذلك كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تُحمل له الحَربةُ ليُصلِّي إليها) (فتح الباري) (6/143).
، فصلَّى، ثم خطَب، ثم أتى النِّساءَ ومعه بلالٌ، فوَعَظهنَّ، وذكَّرهنَّ، وأمرهنَّ بالصَّدقةِ، فرأيتهنَّ يَرمِينَ بأيديهنَّ، ويقذِفْنَه في ثوبِ بلال، ثم انطلق هو وبلالٌ إلى بيتِه )
(رواه البخاري (977)، ومسلم (884).
ثانيًا: أنَّ في إخراجهم إظهارًا لشعائرِ الإسلامِ (حاشية الروض المربع) لابن قاسم (2/493).

جعل الله أيامكم سعادة وسرور وأعياد تدوم.