أَمْــس لَـمْ يَكُــنْ بِـبَــعِيـــد 

          

تَقِفُ عَلَى أعتاب الزَّمَن الْمُلَوِّح تَلْوِيحَ الْمُسْتَبِدّ السَّاخِر مِن ظنونها السَّاذَجَة ، تُوَدِع آخَر نَبْضِه مِن نبضات قَلْبِهَا ، تَسْتَعِدّ لِلرّحِيل لِغَد بِطَيِّات الْغَيْب ، ويرحل مَعَهَا بَريق الْحَيَاة

يَسُود الصَّمْت المستهجن الْمَكَان ، يَسْتَحِيل دِفْءٌ الْأَسِرَّة والأغطية برودةً ، وتزحف يَد الْمَشِيب زَحْف الْأَفَاعِي نَحْو قَطَع الأثَاث الَّتِي سَكَنَت سُكُون الفَرِيسَة المستسلمة لِمَصِيرِهَا الْمَحْتُوم .

هِي . . . . لازالت تتلفت حَائِرَة مُسْتَوْحِشَةً ذَلِك الخَواء الَّذِي لَا يَتَرَدَّدُ فِيهِ سِوَى صَوْت أَنْفَاسُهَا المختنقة ، لَا يَتَرَدَّدَ بِدَاخِلِهَا سِوَى صَدَى سُؤَالٍ وَاحِدٍ : متي وَكَيْف صَارَت هَاهُنَا ؟ ! وَالْأَمْس لَمْ يَكُنْ بِبَعِيد فمازالت تُسْمَع صَوْت بكاءهم حَوْل أَوْلَوِيَّة الْجُلُوس إمَام الشَّاشَة السَّاحِرَة لِإِتْمَام دَوْرُه اللَّعِب ، و ضَجِيج الْمُرَاهِقِين الْمُزْعِج الْجَمِيل حَوْل أَحَقِّيَّة أَحَدِهِم وَإِثْبَات مِلْكِيَّتَه لمقتنياته الثَّمِينَة الَّتِي تَتَرَاوَح بَيْن زُجَاجَة العِطْر الْمُمْتَلِئَةُ أَوْ أَحَدَ الْأَحْذِيَة أوالجوارب

الأمْس لَمْ يَكُنْ بِبَعِيد ، حِين تَدِقّ أَجْرَاس الانذار مَع تقاعس أَحَدِهِمْ عَنْ أَدَاءِ وَاجِبَاتِه المدْرَسِيَّة أَو لتراجع طَفِيف فِي تَرْتِيبِهِ بِصُفُوف الْأَوَائِل والمتميزين

الأمْس لَمْ يَكُنْ بِبَعِيد ، وَهُم يَأْتُونَهَا كفراشات الرَّوْض تتشح بِالأَخْضَر الَّذِي يُمْنَحُ للنابهين الْمُتَمَيِّزِين ، فَيَسْتَقْبِلهُم صَدْرُهَا اسْتِقْبَال الْفَاتِحِين ، وَتَشْرَق بِهِم الْحَيَاة إشْرَاقُه المستبشرين ثُمّ تمطرهم بالقبلات كَمَا تُقْبَلُ قَطَرَات النَّدَى زَهْرٌ الياسمين

لَكِنَّهَا . . . . . . تَبْدُو الوَحِيدَةُ الَّتِي ظَنَّتْ أَنَّهَا قَهَرْت عَقَارِب الزَّمَن ، وَلَمْ تَدْرِ أَن لَدْغَة عَقَارِب الزَّمَن تَفَقَّد الْوَعْي بالواقع وَإِن الأمْس غافلها مُنْذُ سَنَواتٍ وَصَارَ بَعِيدًا

و لَم ينقذها مِن زَخَم تِلْك الْأَفْكَار والذكريات ، والشتات والعبرات سِوَى يَد صَغِيرَة تَرِبَت عَلَى يَدَيْهَا بِحَنَان ، وَعَيْنَان ترقبان بلهفة وتساؤل تِلْك الأَخَادِيد الَّتِي شُقَّت الدُّمُوع عَنْوَة بوجهها ، ثُمّ تَنْدَفِع تلعق وَجْهِهَا بعفوية وَحُب وَتَسْكُن بَيْنَ يَدَيْهَا وَلِسَانٌ الْحَالِ يَقُولُ : “لا تَبْكِي فَأَنَا مَعَك “

تِلْكَ كَانَتْ يَدُ الكَلْبَة الصَّغِيرَةِ الَّتِي تُدْعَى ( باندا ) كَلْبَه ابْنِهَا الَّتِي تَرَكَهَا فِي رِعَايَتِهَا قَبْلَ سَفَرِهِ وأسرته لِلْخَارِج

تَرَى . . . . . . . أتبقى يَد بَيْن يديها أَم سترحل كَمَا رَحَلُوا وَتَصِير باندا يَوْمًا مَا . . . . . . . أَمْسِ لَمْ يَكُنْ بِبَعِيد ؟ !

تَمَّت

بقلمي / مايسة إمَام

   ‎