أخبارالسياسة والمقالات

إمام عصره في التفسير الإمام محمد متولي الشعراوي الجزء الثالث

إمام عصره في التفسير
الإمام محمد متولي الشعراوي
الجزء الثالث

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

شخصيته متفردة ، وكلماته منتقاة ، وحجته بارعة ، ولغته سهلة بسيطة وعميقة أيضاً ، موضوعاته دائماً ما تجذب الصغير قبل الكبير هو إمامي وأستاذي وشيخي وإن لم ألتقيه وجها لوجه لصغر سني ومقامي لكني كنت في عصره وفخر لي أن أكون ممن تعلمت من علمه ونهلت من معارف ومغارف حكمته وحكمه الإمام محمد متولي الشعراوي رحمه الله.

هو شيخ وعالم وأديب وأستاذ مصري هوعالم دين ووزير أوقاف مصري سابق ويعد من أشهر مفسري معاني القرآن في العصر الحديث إن لم يكن أقدرهم.

ومن جماليات علمه وقوة ثبته وفهمه التصدي مع العمق في الرد على المستشرقين

فقد أرجع الشيخ الشعراوي رحمه الله آراء المستشرقين التي اتهمت القرآن الكريم بالباطل بتضارب الآيات، إلى ضعف ملكتهم اللغوية، وفند اتهاماتهم وصححها كلما مر مفسراً على سور القرآن الكريم.

(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (سورة المنافقون ، الآية 1)
علي أن هذه الآية وفق فهمهم الضيق بها تعارض حيث تقول الآية أن المنافقون يشهدون بأن محمد رسول الله، وفي نفس الوقت يشهد الله بأنهم كاذبون .. وهنا رد الشعراوي بأن الله وافقهم في قولهم بأن محمد رسول الله، ولكنه حكم عليهم بالكذب في قولهم “نشهد” لأن الشهادة يجب أن يواطئ اللسان فيها القلب، فكانت شهادة الله رد على فعل الشهادة من المنافقون، ليثبت خداعهم للرسول.

وليفرق بين القول وبين مقول القول فالشهادة شئ وقولهم إنك لرسول الله شئ آخر.

(فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ)
(سورة الرحمن ، الآية 39)
(وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ)
(سورة الصافات ، الآية 24)
علي أن الآيات حسب فهمهم الضيق بها تضارب حيث تقول الآية الأولى أنه لا يسأل العباد عن أعمالهم بينهما تقول الآية الثانية أنهم يسألونرد الشعراوي بأن السؤال نوعان: سؤال الاستخبار والاستعلام وهو السؤال المنفي في الآية الأولى لأن الله أعلم بأعمالهم منهم، وسؤال التوبيخ والإقرار بالعمل كما يسأل الأستاذ التلميذ وهو نوع السؤال في الآية الثانية.

والشعراوي رحمه الله و رضى عنه متعدد المواهب وحسن الإقناع والتأثير في الجميع ويمتلك موهبة شعرية تجعله وبلا أدني منافس في غمار كبار الشعراء… نعم

فقد عَشق الشيخ الشعراوي اللغة العربية، وعُرِفَ ببلاغة كلماته مع بساطة في الأسلوب، وجمال في التعبير، ولقد كان للشيخ باع طويل مع الشعر، فكان شاعرًا يجيد التعبير بالشعر في المواقف المختلفة، وخاصة في التعبير عن آمال الأمة أيام شبابه، عندما كان يشارك في العمل الوطني بالكلمات القوية المعبرة، وكان الشيخ يستخدم الشعر أيضًا في تفسير القرآن الكريم، وتوضيح معاني الآيات، وعندما يتذكر الشيخ الشعر كان يقول “عرفوني شاعرًا”

حيث يقول في قصيدة بعنوان “موكب النور”:

أريحي السماح والإيثـار لك إرث
يا طيبة الأنوار وجلال الجمال فيـك عريق
لا حرمنا ما فيه من أسـرار تجتلي عندك
البصائر معني فوق طوق العيون والأبصار

، ويتحدث الشيخ الشعراوي رحمه الله و رضى عنه في مذكراته التي نشرتها صحيفة الأهرام عن تسابق أعضاء جمعية الأدباء في تحويل معاني الآيات القرآنية إلى قصائد شعر. كان من بينها ما أعجب بها رفقاء الشيخ الشعراوي أشد الإعجاب إلى حد طبعها على نفقتهم وتوزيعها. يقول إمام الدعاة ومن أبيات الشعر التي اعتز بها، ما قلته في تلك الآونة في معنى الرزق ورؤية الناس له. فقد قلت:

تحرى إلى الرزق أسبابه

فإنـك تجـهل عنـوانه

ورزقـك يعرف عنوانك

وعندما سمع الشيخ الذي كان يدرس لنا التفسير هذه الأبيات قال لي:

يا ولد هذه لها قصة عندنا في الأدب.
فسألته: ما هي القصة: فقال: قصة شخص إسمه عروة بن أذينة. وكان شاعرًا بالمدينة وضاقت به الحال، فتذكر صداقته مع هشام بن عبد الملك. أيام أن كان أمير المدينة قبل أن يصبح الخليفة. فذهب إلى الشام ليعرض تأزم حالته عليه لعله يجد فرجًا لكربه. ولما وصل إليه استأذن على هشام ودخل. فسأله هشام كيف حالك يا عروة؟ فرد: والله إن الحال قد ضاقت بي. فقال لي هشام: ألست أنت القائل:

لقد علمت وما الإشراق من خلقي
أن الذي هـو رزقي سوف يأتيني

واستطرد هشام متسائلًا:
فما الذي جعلك تأتي إلى الشام وتطلب مني. فأحرج عروة الذي قال لهشام:
جزاك الله عني خيرًا يا أمير المؤمنين..
لقد ذَكَّرْتَ مني ناسيًا، ونَبَّهْتَ مني غافلًا. ثم خرج. وبعدها غضب هشام من نفسه لأنه رد عروة مكسور الخاطر. وطلب القائم على خزائن بيت المال وأعد لعروة هدية كبيرة وحملوها على الجمال.

وقام بها حراس ليلحقوا بعروة في الطريق. وكلما وصلوا إلى مرحلة يقال لهم: كان هنا ومضى. وتكرر ذلك مع كل المراحل إلى أن وصل الحراس إلى المدينة.

فطرق قائد الركب الباب وفتح له عروة. وقال له: أنا رسول أمير المؤمنين هشام. فرد عروة: وماذا أفعل لرسول أمير المؤمنين وقد ردني وفعل بي ما قد عرفتم ؟ فقال قائد الحراس: تمهل يا أخي. إن أمير المؤمنين أراد أن يتحفك بهدايا ثمينة وخاف أن تخرج وحدك بها.
فتطاردك اللصوص، فتركك تعود إلى المدينة وأرسل إليك الهدايا معنا. ورد عروة: سوف أقبلها ولكن قل لأمير المؤمنين لقد قلت بيتا ونسيت الآخر. فسأله قائد الحراس: ما هو ؟ فقال عروة:

أسعى له فيعنيني تطلبه
ولو قعدت أتاني لا يعنيني

وهذا يدلك -فيما يضيفه إمام الدعاة- على حرص أساتذتنا على أن ينمو في كل إنسان موهبته، ويمدوه بوقود التفوق.

(يتبع إن شاء الله)

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى