إنه اليقين في الله تعالى فاكهة الصالحين دعاؤهم لربهم الجزء الثاني

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

يقول أحدهم: كثيرا ما أدعوا الله ولا يجيب.

يقول الآخر : دعوت الله كثيراً لكن.. بلا جدوي

ولا أعرف لذلك سبباً.

يقول الثالث : أدعوا الله ولم يتغير حالي بعد.

في الحقيقة ينقصكم جميعاً اليقين في الدعاء

فكم هي عبارة لها شأنها وقيمتها ” ادعوا الله وأنتم موقنون في الإجابة”

مع الأخذ بأسباب إجابة الدعاء والتي من أهمها كذلك:

رابعاً: الخضوع والخشوع واستحضار جوارحك وحضور القلب:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ادعوا الله تعالى وأنتم موقِنون بالإجابةِ، واعلَموا أن الله لا يستجيبُ دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ” 

( أخرجه الترمذي (3479)، وغيره، ومداره على صالح المُرِّي، إسناده ضعيف وهو متفق على ضَعفه)

 

فاعلم أيها المؤمن العاقل العابد أن حضور القلبِ هو من أقوى بواعثِ إجابةِ الدعاء.

 دعك من الذي يدعو وهو شاردُ الذهنِ، مشغولُ البال، لا يخشَعُ في دعائِه، ولا يبتهِلُ لربِّه؛ فهذا أبعدُ الناس عن إجابة الدعاء.

وينقصه معني العبادة وإتمامها علي وجه الكمال الواجب اتباعه عند الله تعالى.

خامساً: الإكثار من عمل الخير والصالحات:

فقد قال الله تعالى: ﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾

 [سورة الأنبياء ، الآيتان : 89-90].

 فالعمل الصالح قربة عظيمة تدفعك لليقين في إجابة دعاءك عند الله تبارك وتعالى.

وقد قال تعالي : ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ 

[سورة البقرة ، الآيتان : 127-128].

 

وانظر وتأمل في قصة جُريج العابد رضي الله عنه:

 فلما ولدَتْ قالت: هو من جريج، فأتوه فاستنزَلوه وهدَموا صومعتَه، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيتَ بهذه البَغي، فولدَت منك، فقال: أين الصبيُّ؟ فجاؤوا به، فقال: دعوني حتى أُصلِّيَ، فصلَّى، فلما انصرفَ أتى الصبي، فطعنَ في بطنِه، وقال: يا غلامُ من أبوك؟ قال: فلان الراعي، قال: فأقبلوا على جريج يُقبِّلونه ويتمسَّحون به.. ( أخرجه مسلم (2550).

وعن علي رضي الله عنه قال: كنتُ إذا سمعتُ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حديثًا، نفعني الله بما شاء أن ينفعَني منه، وإذا حدَّثني غيرُه استحلفتُه، فإذا حلَف لي صدَّقتُه، وحدثني أبو بكر، وصدَق أبو بكر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من عبدٍ مؤمنٍ يُذنِبُ ذنبًا فيتوضأُ، فيُحسِنُ الطهورَ، ثم يُصلِّي ركعتين، فيستغفِرُ الله، إلا غفرَ الله له”، ثم تلا: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾

 [سورة آل عمران ، الآية: 135] .

( إسناده حسن: أخرجه أحمد (1/ 2)، وأبو داود (1521)، والترمذي (406)، والنسائي في “السنن الكبرى” (10175)، وابن ماجه (1395).

 

فالعاقل قبل دعائِه أن يقدم العمل الصالح .

نعم اعمَل عملًا صالحًا، ثم ادعُ، فهذا أحرى للإجابةِ.

 ولهذا كان من شَرطِ دعاءِ الاستخارةِ صلاةُ ركعتين قبله، وكان من أرجَى أوقاتِ الإجابةِ دبُر الصلواتِ المكتوبة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقولُ لمعاذ رضي الله عنه: “يا معاذ، إني لأحبُّك، أُوصيك يا معاذُ لا تدعَنَّ في دبُرِ كلِّ صلاة أن تقولَ: اللهم أعنِّي على ذكرِك، وشُكرِك، وحُسنِ عبادتِك” 

(صحيح: أخرجه أبو داود (1522) 

وأحمد (5/ 245، 247) وابن خزيمة (751).

سادساً: ليجاب دعاؤك وتقبل ما تهواه نفسك عليك بطِيب المطعم والملبس:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أيها الناسُ، إن الله طيِّبٌ لا يَقبلُ إلا طيِّبًا، وإن الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [سورة المؤمنون ، الآية: 51].

، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾

 [سورة البقرة ، الآية: 172].

، ثم ذكرَ الرجلَ يُطِيلُ السفرَ أشعَثَ أغبرَ، يمدُّ يديه إلى السماءِ، يا رب! يا رب! ومطعَمُه حرامٌ، ومَشرَبُه حرامٌ، ومَلبَسُه حرامٌ، وغُذي بالحرامِ، فأنَّى يُستجَابُ لذلك؟ 

(أخرجه مسلم (1015).

 

نعم إنه قد تركَ بلده، وخرج في طريقٍ طويلٍ شاقٍّ، قد اغبرَّ وجهُه، وشعِثَ رأسُه، وتعِبَ في سفرِه، قد جاء يحدُوه الشوقُ إلى حجِّ بيتِ الله الحرامِ، وظلَّ يُنادِي ربَّه: يا رب! يا رب! يدعوه في أفضلِ الأيام، وأطهرِ البقاعِ، لكنه أكلَ من حرامٍ، ولبسَ من حرامٍ، فكيف يستجيبُ الله دعاءَه؟ فما أشقاه من عبدٍ، وما أبأَسَه من إنسانٍ!

 

وهذا حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما قال: تُلِيَت هذه الآيةُ عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا ﴾ [سورة البقرة ، الآية: 168]، فقامَ سعدُ بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلَني مُستجابَ الدعوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “يا سعدُ أَطِبْ مطعمَك، تكُن مُستجابَ الدعوةِ، والذي نفسُ محمدٍ بيدِه، إن العبد ليقذِفُ اللقمةَ الحرامَ في جوفِه ما يُتقبَّلُ منه عملُ أربعين يومًا، وأيما عبد نبتَ لحمُه من السُّحتِ والربا، فالنارُ أَولَى به” 

( أخرجه الطبراني في “الأوسط” (6495)، وفيه الحسن بن عبدالرحمن الاحتياطي ضعيف، بل متهم ، وهو ضعيف جدًّا) .

نعم قبل دعاءك انظر حالك أولا.

فأطِب مطعمَك، وابتعِد عن الحرامِ، فإن المالَ الحرامَ حجابٌ بين دعائِك وبين السماءِ، تدعو ربَّك وتبتهِلُ إليه، فيأتي المالُ الحرامُ يردُّ دعاءَك، ويقطَعُ رجاءَك، فانتبه يرحمُك الله.

إن أناساً يأكلون الحرام وقد غذت أجسادهم ومن معهم في رغبتهم علي الحرام ثم يدعون الله وكلهم الأمل والعشم فأني يقبل لهم دعاء أو يحقق لهم رجاء .

سابعاً: من أقرب المسالك في تحقيق الدعاء أن تكثر من التوبة والاستغفار:

فاعلم أن الاعترافَ بالذنبِ والاستغفارِ والتوبةِ بين يدَي الدعاءِ، من أقوى أسبابِ الإجابة، فقد قال موسى عليه السلام: ﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

 [سورة القصص ، الآية: 16].

 

وقد قال النبي ﷺ لأبي بكر رضي الله عنه: “قُل: اللهم إني ظلمتُ نفسِي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفِرُ الذنبَ إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفورُ الرحيمُ” 

(أخرجه البخاري (834)، مسلم (2705).

وقد ذكر ابن قدامة رحمه الله في (التوابين) (“التوابين” (ص 55):

 أن بني إسرائيل لحِقَهم قَحطٌ على عهد موسى عليه السلام، فاجتمعَ الناسُ إليه، فقالوا: يا كليمَ الله، ادعُ لنا ربك أن يسقِيَنا الغيثَ، فقام معهم، وخرجوا إلى الصحراءِ وهم سبعون ألفًا أو يزيدون، فقال موسى عليه السلام: إلهي اسقِنا غيثَك وانشُر علينا رحمتَك، وارحمنا بالأطفالِ الرُّضَّع، والبهائمِ الرُّتَّعِ، والمشايخ الرُّكَّع، فما زادَتِ السماءُ إلا تقشُّعًا، والشمسُ إلا حرارةً.

 

فقال نبي الله موسى عليه السلام:

 إلهي اسقِنا، فقال الله: كيف أسقِيكم؟ وفيكم عبدٌ يُبارزُني بالمعاصي منذ أربعين سنةً، فنادِ في الناسِ حتى يخرجَ من بين أظهُرِكم فبه منعتُكم.

فصاحَ موسى في قومِه: يا أيها العبدُ العاصي الذي يبارِزُ الله منذ أربعين سنةً، اخرُج من بين أظهُرِنا فبك مُنِعنا المطرَ.

فنظرَ العبدُ العاصي ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمالِ، فلم يرَ أحدًا خرجَ، فعلِم أنه المطلوبُ، فقال في نفسِه: إنْ أنا خرجتُ من بين هذا الخلقِ، افتُضِحْتُ على رؤوسِ بني إسرائيلَ، وإن قعدْتُ معهم مُنِعوا لأجلِي، فانكسرَت نفسُه، ودمَعَت عينُه، فأدخلَ رأسَه في ثيابِه نادمًا على فِعالِه، وقال: إلهي وسيدي، عصيتُك أربعين سنة وأمهلتَني، وقد أتيتُك طائعًا فاقبلنِي، وأخذ يبتَهِلُ إلى خالقِه، فلم يستتمَّ الكلامَ حتى ارتفعَتْ سَحابةٌ بيضاءُ، فأمطَرَت كأفواه القِرَبِ.

 

فاعلم أن الإصرارُ على المعاصي والذنوب والآثام وعدمُ التوبة منها، سببٌ قويٌّ يمنعُ إجابةَ دعائِك، فتخلَّص من ذنوبِك، وداوِم على التوبةِ، ولا تُصِرَّ على معصيةٌ، بل كلما أذنبتَ استغفِر، وكلما عصيتَ تُب.

اللهم تقبل دعاءنا واغفر ذلاتنا وألحقنا بالصالحين.

(يتبع إن شاء الله)