إنه اليقين في الله تعالى فاكهة الصالحين دعاؤهم لربهم الجزء الثالث

بقلم د/ محمد بركات

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة

 والسلام على المبعوث رحمة للعالمين

 سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

 أجمعين وبعد:

 

يقول أحدهم: كثيرا ما أدعوا الله ولا يجيب.
يقول الآخر : دعوت الله كثيراً لكن.. بلا جدوي
ولا أعرف لذلك سبباً.

 

يقول الثالث : أدعوا الله ولم يتغير حالي بعد.

في الحقيقة ينقصكم جميعاً اليقين في الدعاء
فكم هي عبارة لها شأنها وقيمتها ” ادعوا الله وأنتم موقنون في الإجابة”

مع الأخذ بأسباب إجابة الدعاء والتي من أهمها كذلك:

 

 

ثامناً: الدعاء بالخير والصلاح وعدم الدعاء بإثمٍ أو قطيعة رحمٍ لأنه ليس محل للقبول دعاء الله بالسوء :

فعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “ما من مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ، ولا قطيعةُ رحمٍ، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاثٍ: إما أن تُعجَّلَ له دعوتُه، وإما أن يدَّخِرَها له في الآخرةِ، وإما أن يصرِفَ عنه من السوءِ مثلَها، “قالوا: إذًا نُكثِرُ، قال: “الله أكثرُ”
( سنده حسن: أحرجه أحمد (3/ 18)، والحاكم (1/ 493).

 

 

فكيف بمؤمن لله أن يدعوا بمحرم أو منهي عنه مهما كان ومهما حدث.

تاسعا: علي من يدعوا ربه الثناء علي ربه بما هو أهله وحمْدُ الله وتمجيدُه بين يدي الدعاء:

فعن فَضَالة بن عُبَيد رضي الله عنه قال: سمِع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يدعو في صلاتِه لم يُمَجُّدِ الله تعالى، ولم يُصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “عجَّل هذا”، ثم دعاه فقال له – أو لغيرِه -: “إذا صلَّى أحدُكم، فليَبدَأْ بتمجيدِ ربِّه جلَّ وعزَّ، والثناءِ عليه، ثم يُصلِّي على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعدُ بما شاءَ”.

( سنده حسن: أخرجه أحمد (6/ 18)، وأبو داود (1481)، والترمذي (3477)، والنسائي (1284).

ففي الحمد تتابع النعم وقبول الدعاء وزيادة الخير والبر والبركة وهو مطلوب كل مسلم.

في رواية النسائي: “وسمِع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يُصلِّي، فمجَّد الله وحمِدَه، وصلَّى على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “ادعُ تُجَب، وسَلْ تُعطَ”.

 

عاشراً: التوسُّل لله تبارك و تعالى عند الدعاء:

والتوسُّلُ جائز ومشروع وهو علي أنواعٌ:

أولًا: التوسُّلُ بأسماءِ الله الحسنى:

قال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
[سورة الأعراف ، الآية: 180].

فمما يُستَحب عند الدعاء اختيارُ اسمٍ من أسماءِ الله موافق للمسألة التي نريدُها ونسألُها، ومن هذا قولُ موسى عليه السلام: ﴿ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ﴾
[سورة الأعراف ، الآية: 155].

وجاء قولُ نبي الله عيسى عليه السلام:
﴿ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
[سورة المائدة ، الآية: 114].

وقولُ نبي الله سليمان عليه السلام:
﴿ وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴾
[سورة ص ، الآية: 35]

وقولُ النبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم:
“واشْفِ أنتَ الشَّافي”
( أخرجه البخاري (5750)، ومسلم (2191).

 

 

والنوع الثاني: التوسُّلُ إلى الله بفضلِه وكرمه وسابقِ إحسانِه:

ومن هذا قولُ نبي الله يوسف عليه السلام:
﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾
[سورة يوسف ، الآية: 101].

وكذلك قولُ نبي الله زكريا عليه السلام:
﴿ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾
[سورة مريم ، الآية: 4].

وقولُ الصالحين رضوان الله عليهم:
﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾
[سورة آل عمران ، الآية: 8].

 

والنوع الثالث: وهو التوسُّلُ إلي الله بصالحِ الأعمالِ وأفضلها وأرجاها قبولا عند الله:

ومن هذا قول الصالحين:
﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾
[سورة آل عمران ، الآية: 53]

، وقولُهم: ﴿ رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾
[سورة آل عمران ، الآية: 193].

وقولُ أصحابِ الغارِ الثلاثة في بلاءهم:
“إنه لا يُنَجِّيكم من هذه الصخرةِ إلا أن تدعُوا الله بصالحِ أعمالِكم”
( أخرجه البخاري (2272)، ومسلم (2743).

وكذلك علي من يدعوا الله تبارك وتعالى تحرِّي أوقاتِ الإجابةِ وأحراها قبولاً عند الله:

توجد هناك أوقاتٌ تكونُ الإجابةُ فيها أرجى من غيرِها، فينغي للمسلمِ أن يحرِصَ عليها، ويجتهدَ في الدعاءِ فيها، ومنها:

1_ الدعاءُ في الثلثِ الآخرِ من الليل وهو من أشرف الأوقات وأجلها وأحبها لقلوب الصالحين:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ينزِلُ ربنا تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا، حين يبقَى ثلثُ الليلِ الآخر، فيقولُ: من يدعوني فأستجيبَ له، ومن يسألُني فأعطيَه، ومن يستغفِرُني فأغفرَ له”
( أخرجه البخاري (1145)، ومسلم (758).

وجاء في رواية :
عن أبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، أنهما شهِدا على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن الله عز وجل يُمهِلُ حتى يذهبَ ثلثُ الليلِ، ثم ينزِلُ فيقولُ: هل من سائلٍ؟ هل من تائبٍ؟ هل من مستغفرٍ؟ هل من مذنبٍ؟ “قال: فقال له رجل: حتى يطلُع الفجرُ؟ قال: “نعم”.
(أحمد (3/ 34)، بسند صحيح).

وجاء عن جابر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “إن من الليلِ ساعة، لا يُوافِقُها عبدٌ مسلمٌ، يسألُ الله خيرًا إلا أعطَاه إياه”
( أخرجه مسلم (757).

2_ كذلك من الأوقات الفاضلة الدعاءُ عند الاستيقاظِ من الليلِ، ومن الدعاءِ الواردِ في ذلك:

عن عُبَادة بن الصامت رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من تعارَّ من الليلِ، فقال: لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حولَ ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفِرْ لي، أو دعا، استُجِيبَ له، فإن توضَّأَ وصلَّى قُبِلت صلاتُه”
( أخرجه البخاري (1154).

3_ الدعاء في السجودِ وهو أشرف المواضع والأماكن:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاءَ”
( أخرجه مسلم (482).

4_ الدعاء بين الأذان والإقامة وهو من الأوقات المهمة التي يغفل عنها كثير من الناس:

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يُرَدُّ الدعاءُ بين الأذانِ والإقامةِ”
( صحيح: أخرجه أبو داود (521)، والترمذي (212، 3594، 3595)، وأحمد (3/ 119).

5_ الدعاء دُبر أي: عقب كل الصلوات المكتوبة:

فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قيل يا رسولَ الله، أيُّ الدعاءِ أسمَعُ؟ قال: “جَوفُ الليلِ الآخرِ، ودُبَر الصلواتِ المكتوباتِ”
( سنده حسن: أخرجه الترمذي (3499)، النسائي في “الكبرى” (9856).

وقد اختلف أهل العلم في معنى: “دُبَر الصلواتِ”، هل هو آخرُ الصلاةِ قبلَ السلامِ، أو بعدَه؟
وهو ما يشمل بعد انتهاء الصلاة وختمها.

6_الدعاء في ساعة الجمعة وهو بوم القبول وساعة القبول :

فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إنَّ في الجمعةِ لساعة، لا يُوافِقُها مسلمٌ، يسألُ الله فيها خيرًا، إلا أعطَاه إيَّاه”.
( أخرجه البخاري (935)، ومسلم (852).

7_الدعاء عند نُزول المطر وكثير ما يغفل الناس عنه :

فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “ثنتانِ لا تُرَدَّان أو قلَّما تُرَدَّان: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضه بعضًا”، وفي رواية لأبي داود: “وتحتَ المطرِ”
(مختلف في رقعه ووقفه: أخرجه أبو داود (2540)، وابن حبان (1720).

8_الدعاء عند الصيامِ والسفر:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاثةٌ لا يُرَدُّ دعاؤهم: الإمامُ العادلُ، والصائمُ حتى يُفطِرَ، ودعوةُ المظلومِ”
( حسن بطُرقه: أخرجه أحمد (2/ 445).

وفي روايةٍ : “ثلاثُ دعواتٍ يُستجَابُ لهن، لا شكَّ فيهن: دعوةُ المظلومِ، ودعوةُ المسافرِ، ودعوةُ الوالدِ لولدِه”.
( أخرجه ابن ماجه (3862).

اللهم تقبل دعاءنا واغفر لنا ذنوبنا وتب علينا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم.

(يتبع إن شاء الله)