إنه اليقين في الله تعالى فاكهة الصالحين دعاؤهم لربهم الجزء الأول

بقلم د/ محمد بركات

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة

 والسلام على المبعوث رحمة للعالمين

 سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

 أجمعين وبعد:

 

يقول أحدهم: كثيرا ما أدعوا الله ولا يجيب.
يقول الآخر : دعوت الله كثيراً لكن.. بلا جدوي
ولا أعرف لذلك سبباً.

يقول الثالث : أدعوا الله ولم يتغير حالي بعد.

 

في الحقيقة ينقصكم جميعاً اليقين في الدعاء
فكم هي عبارة لها شأنها وقيمتها ” ادعوا الله وأنتم موقنون في الإجابة”

مع الأخذ بأسباب إجابة الدعاء والتي من أهمها:

أولاً : التجرد من كل قوتك ، وليكن دعاؤك بصدق وإخلاص لله تعالي في مسألتك:

 

 

يقول الله تعالى: ﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [سورة غافر ، الآية: 14].
فالإخلاص هو العبادة الخفية بينك وبين ربك تبارك وتعالي وهو سر القبول في جميع الأمور والأحوال.

 

يتذكر الإنسان منا ربه في كل أقواله وأفعاله وفي الشدائد يعرف قدر النعمة من قربه لربه سبحانه وتعالي.
﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ [سورة العنكبوت ، الاية: 65]

، وقال سبحانه وتعالي : ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾

 

[سورة لقمان ، الآية: 32]

، وقال سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[سورة يونس ، الآيتان : 22-23].

 

 

يا الله …نعم إنها قدرتك وعظمتك
في أصعب الظروف، في أحلك الأحوال
في سيء الأمور
في ظلمات الظروف وصعاب المرات
أنت سبحانك من تسمع وتري وتجيب
تخرج المرء من أكداره وأحزانه
تسعده وتطفيء نار قلبه
سبحانك..

 

فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لَمَّا كان يومَ فتحِ مكة أمَّن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الناسَ، إلا أربعةَ نفرٍ وامرأتين، فقال: “اقتُلوهم، وإن وجدتُموهم متعلِّقين بأستارِ الكعبةِ، عكرمةُ بن أبي جهل، وعبدالله بن خطل، ومَقِيس بن صُبَابة، وعبدالله بن سعد بن أبي السَّرْح”.

 

قال: فأما عبدالله بن خطَل، فأُدرِك وهو مُتعلِّق بأستارِ الكعبة، فاستبقَ إليه سعيد بن حُرَيث وعمارُ بن ياسر، فسبقَ سعيدٌ عمارًا، وكان أشبَّ الرجلين فقتَله، وأما مَقِيس بن صُبَابة فأدركه الناسُ في السوق فقتلوه، وأما عكرمةُ فركِب البحرَ، فأصابتهم عاصفٌ، فقال أصحابُ السفينةِ: أخلِصوا، فإن آلهتَكم لا تُغنِي عنكم شيئًا ها هنا، فقال عكرمة: والله لئن لم يُنجِّني من البحرِ إلا الإخلاصُ، لا يُنجيِّني في البرِّ غيرُه، اللهم إنَّ لك عليَّ عهدًا إنْ أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتِيَ محمدًا صلى الله عليه وسلم حتى أضعَ يدِي في يدِه، فلأجِدَنَّه عفوًّا كريمًا، فجاءَ فأسلمَ..
( سنده حسن: أخرجه النسائي (4067).

 

فإذا دعوتَ الله تعالى فاصدُق في دعائك، واتجه له بكل أركانك وأجواءك وكل ما فيك نحوه سبحانه وتعالى.

نعم أخلِص لربِّك، فإنك إن تصدُقِ الله في دعائك صدقَ الله معك، فاستجابَ لك دعواتِك، وحقَّق لك ما تتمنى.

 

ثانياً : لا تكن قصير النفس سريع التمني بل عليك بالإلحاحُ والصبر وعدم التعجل والإستعجال:

لا تقل كثيراً ما أدعوا..
كثيراً ما دعوت..
نعم لا تشترط علي ربك وتحدد زمنا للإجابة
هو وحده سبحانه أعلم بحالك وسؤالك وما فيه صلاح نفسك وحياتك .

 

وسريع الملل والضجر لا يصل لشئ ، والله تعالي يحب العبد اللحوح من يكرر ويدعوا ويتيقن في إجابة الله تعالي له مهما تأخر قليلاً أو كثيراً هو أعلم بك .

 

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا يزالُ يُستجابُ للعبدِ، ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعةِ رحمٍ، ما لم يستعجِل”، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجالُ؟ قال: يقول: “قد دعوتُ وقد دعوتُ، فلم أرَ يستجيبُ لي، فيستحسِرُ عند ذلك ويدَعُ الدعاءَ”
(أخرجه البخاري (6340)، ومسلم (2735)

وقد أخبر النبي ﷺ : “والله لا يَملُّ الله حتى تَملُّوا” .

( أخرجه البخاري (43)، مسلم (785).

فالله سبحانه وتعالى لا يملُّ من الثوابِ والعطاءِ على العملِ، حتى تمَلُّوا أنتم أيها السائلون عطائه من العملَ وتقطعونه، فينقطِعُ عنكم ثوابُه، ولا يَسأمُ من أفضالِه عليكم إلا بسآمتِكم عن العملِ.

ويُروَى: “إن الله عز وجل يُحب المُلحِّين”
(أخرجه القضاعي في “مسند الشهاب” (1069)، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي سنده راو متصفح بالكذب ).

 

وقد قال أهل العلم: ما دام العبدُ يُلِحُّ في الدعاءِ، ويطمَعُ في الإجابةِ من غير قطعِ الرجاءِ، فهو قريبٌ من الإجابةِ، ومَن أدمَن قرعَ البابِ، يوشك أن يُفتَحَ له؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو في قُبَّة: “اللهم إني أنشُدُك عهدَك ووعدَك، اللهم إن شئتَ لم تُعبَدْ بعد اليومِ”، فأخذ أبو بكرٍ بيدِه، فقال: حسبُك يا رسولَ الله، فقد ألححْتَ على ربِّك وهو في الدِّرْع، فخرجَ وهو يقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴾ [سورة القمر ، الآيتان: 45، 46]
(أخرجه البخاري (2915).

ثالثاً: عليك أيها الطالب لعطاء ربك بالإنكسار والتذلل و التضرُّع له سبحانه وتعالى:

فاعلم أن حال المؤمن الذي ينبغي أن يكون عليه هو الانكسار والتذلُّلُ بين يدي الله، وإظهارُ نفسه مظهر الضَّعفِ والافتقارِ لله تعالى فهو يعد من أقوى أسبابِ الإجابةِ.
؛ قال الله تعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[سورة الأعراف ، الآية: 55].

وقال سبحانه وتعالى في شأن صفوة الخلق الأنبياء : ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ﴾
[سورة الأنبياء ، الآية: 90].

ومقام التضرُّع تراه واضحاً جلياً في نبي الله يوسف عليه السلام وانكساره بين يدي ربه: ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
[سورة يوسف ، الآية: 33].

وقال نبي الله زكريا عليه السلام:
﴿ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾
[سورة مريم ، الآية: 4].

فإذا دعوت الله تعالي تضرع تذلل ترقق توقد من داخلك بحبه سبحانه وتعالى ليَرَ الله منك تضرعًا وانكسارًا، تذلَّلْ بين يدي ربِّك، ألقِ حولَك وقوتَك، واستمدَّ العون من ربِّك، دعك من الخلقِ واعتمدْ على الخالق، أظهر فقرك وتذلُّلَك، ردِّد بقلبِك: ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
[سورة القصص ، الآية: 24]

،ليكن دعاؤك له سبحانه وتعالى اللهم بك أجول، وبك أصول، ولا حول ولا قوة إلا بك.

ليكن دعاؤك دعاء المسكين والمساكين فمساكين يدعون ربهم حري أن يجاب لهم سؤلهم ومطلبهم من ربهم سبحانه وتعالي .

اللهم إنا نسألك ونحن على يقين بإجابتك لنا يا أرحم الرّاحمين.
(يتبع إن شاء الله)