أدب وثقافه

اجعلني قصيدة! ليال إبراهيم

 هذا الحُبّ هديّة الليلِ لنا، أَسعَدَنا كحُلُمٍ، وأبهَرَنا كَنَجمةٍ يَتيمةٍ تُغازِلُ ببراءتِها القَمَر. كيفَ نسينا في
غَمرةِ الدّهشةِ أنّ النهارَ يمحو الليل! وأنّ الأحلامَ وَهمٌ يتمسّك به العاجزون! هل كنّا عاجزَينِ إلى
هذا الحَدّ! أُشَيِّعُ اليوم حُبّنا القديم، على ورقٍ أبيضٍ كَبراءتِي وبِحبرٍ أحمرٍ ككِبريائكَ! أكتُب فصولَ
الحُبّ الأولى، صِفاتك التي أغوَتني بالعشق، أكتُبكَ يا مُلهِمي، ومَرهَمي، ومُرَّ هَمّي وأحزاني، أكتبُكَ
لأقتلَ حبّك في قلبي، ولأُحييهِ على الوَرق. كأنّ الكاتِبَ نبِيّ لهُ نبوءةٌ ومعجزات! يقتُل ويُحيي
بأحرُفٍ وقَلَم! يُسعدني أنّكَ كاتِبٌ مثلي، وأنّكَ ستُحييني في قصيدةٍ أو خاطِرةٍ أو رِواية، يقرؤُها عابِرٌ
غَريبٌ فيتعجّبُ من بلاغتها، وأقرأُها أنا كأنّي أنظُرُ في المرآة! فأبتَسِمُ، وأحزن، وتعودُ الذكرى التي
أردتُ قتلها لتتفنّن في قتلي، وأتلذّذ أنا بذاك الألم، بِمازوشيّةٍ لا مثيل لها، أستَجلِبُ طيفَك ليجلَدني
وأدّعي أنني أذبحه! ويعودُ صوتُكَ لِذاكِرَتي، يعترِفُ للمرّةِ الأولى، باللحظةِ التّي لم أتوقّعها ولم
تتوقعها أنت، لتقول لي في غمرةِ حديثٍ لا أذكره: “أحبّكِ”! كيفَ لكلمةٍ واحدةٍ أن تُغَيِّر انتظامَ
النّبضِ هكذا! تقولها مرارًا وتكرارًا، سعيدًا بها، كأنّك تحرّرت لتوِّك من سجنِ صمتٍ طويل! كأنّك
سِرتَ العُمرَ في صحراءٍ جافّةٍ من غيرِ ماء، وها أنتَ الآن ترتوي! هل ستقولها من بعدي، لغيري،
بنفسِ السّعادةِ تلك! هل ستكرّرها على أذنيها هكذا! لم يعدِ الأمرُ مهِمًّا، لم يُحجَزْ لي مكانٌ بجانبكَ
منذ البداية، تقاطعَت رحلتُنا لكنّنا لم نتّجه لنفس المكان! كنتَ تحلُم أن تزورني في وطني، وكنتُ
أحلمُ أن تكونَ أنتَ وطني، مغترِبةٌ أنا الآن، في أرضٍ لستَ فيها، تُسمّى كَذِبًا وَطنًا! وتِلك الجسورُ
التي شيّدناها بينَ قلبَينا، فوقَ بِحارِ الضّياع، دُكّت كلّها، لأنّ العواصف يا حبيبي لا تأتي فُرادى،
ولأنّ القَدَر الذي أَشقى العشّاق منذ الأزل، لم يكن ليستثنينا! لم نكن محظوظَين لِهذه الدّرجة! جهّز
نفسكَ الآن للفصلِ الأخير، حيثُ يموتُ أبطالُ الرّوايةِ واحِدًا تلو الآخر، ويبقى أحدُهُم على هيئةِ
حياة، ليحزَن وحدَهُ عليهم كلّهم، فيصبِح قلبُ المسكينِ مقبرة جماعيةً رغما عنه! ها أنا ذا أحول قلبي
لمقبرةٍ، فيها ضَريحٌ واحدٌ ومزار، أضعُكَ فيه لأعود إليكَ خِلسةً من أعينِ الفِراق! لن أسألكَ اليومَ
كيف حالكَ في غيابي، سيمنعُك كبرياؤكَ من الإجابةِ! لذلكَ سأطلبُ منك أن تكتَبني، ألَم تَقلْ لي يوْمًا
أنّنا نكتُب كلّ ما لا نستطيعُ قوله! هل سَنكون المجنونُ وليلاهُ بِفراقٍ أَبدِيٍّ فقط، من دونِ قصيدةٍ تقرأُ
على المنابر بعدَ ألفِ عام! إن أحبَبتني يومًا، حقًّا، اُقتُلني، اجعَلني قصيدة!

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى