الأدب والأحلام بقلم الأديب المصرى د. طارق رضوان جمعه

319٬167

الأدب والأحلام

بقلم الأديب المصرى

د. طارق رضوان جمعه

روى مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إذا اقترب الزمان لم تكدْ رؤيا المسلم تكذِب، وأصدقُكم رؤيا أصدقُكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزءٌ من خمس وأربعين جزءًا من النبوَّة، والرؤيا ثلاثةٌ: فرؤيا الصالحة بُشرى مِن الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا ممَّا يُحدِّث المرءُ نفسَه، فإن رأى أحدُكم ما يكره فليقُم فليُصَلِّ، ولا يُحدِّث بها الناس))؛ (مسلم، حديث2263).

يتأمل المرء نفسه في الحلم بدلاً من تأمل العالم من حوله، فيدخل في ذاته كما يقول باشلار، وهكذا يكون هو نفسه الممثل والكاتب والجمهور والمسرح دفعةً واحدة على حد تعبير الشاعر الإنجليزي جون درايدرن. ويذهب الروائي الأرجنتيني إرنستو ساباتو أبعد من ذلك، حين يزعم أن الإنسان عندما يحلم يكون شاعراً فذاً، لكن ما إن يصحو من الحلم حتى يعود مجرد مخلوق بسيط. وعلاقة كافكا بالأحلام تتجاوز عالمه الأدبي بل وتتعداها إلى الواقع، فقد روي عنه عندما قضى ليلة في بيت صديقه ماكس برود، أنه دخل بالخطأ غرفة والد ماكس، وفزِع الرجل، فما كان من كافكا إلا أن انسحب معتذراً وهو يقول: “اعتبرني حلماً”.

لنتذكر معا ملحمة جلجامش، ألم يرَ جلجامش في منامه نجماً يهوي في الأرض؟ لم يكن ذاك غير أنكيدو. ثم ألم يحلم مرَّة أخرى بالجبل الذي يسقط؟ ليطمئنه أنكيدو في الحال بقوله إنهما سيتمكنان من قتل خمبابا الرهيب

وربما تولد بذرة الأفكار الثورية وأبرز الأعمال الفنية في الأحلام: من أبرز الأمثلة على ذلك رواية “فرانكنشتاين” للكاتبة ماري شيلي؛ وتصميم الجدول الدوري للعناصر على يد ديميتري مندليف؛ واكتشاف فريدريك أوجست كيكولي لبنية البنزلين؛ وتصور المهندسة المعمارية سولانج فابيو لمتحف مدينة المحيط في مدينة بياريتز في فرنسا.

تغلغلت الأحلام في أنساق ومناهج شملت الإرث الأدبي العربي كاملاً: فنجدها في المقامات، في قصص السيرة الرسمية والشعبية، في قواميس علم الرجال، في كتب التاريخ، وفي كتب الأخبار وفي ألف ليلة وليلة وفي التاريخ الإسلامي، أصبحت جنساً أدبياً خاصاً. قسم البابليون والآشوريون الأحلام إلى ثلاثة أنواع: خيرة آتية من الآلهة، سيئة مرسلة من الشيطان، ونبوءات لأحداث المستقبل. أما في معتقدات المصريين القدماء، فتعتبر الأحلام رسائل من الآلهة .

من أشهر تجليات الأنبياء في الأحلام قصة وصول العرب إلى الأندلس: في غمرة الغزو والتخطيط الحربي، قرر طارق بن زياد أن يركب آخر سفينة تنقل جنوده من المغرب شمالاً، وأثناء اجتياز المضيق، غفا غفوة قصيرة ارتئا له فيها النبي وحوله المهاجرون والأنصار، وقد “تقلدوا السيوف” و”تنكبوا القسي”. فقال له الرسول: “يا طارق تقدّم لشأنك!”، ونظر طارق إليه وإلى أصحابه، وقد دخلوا الأندلس، فهبّ من نومه مستبشراً وبشّر أصحابه وثابت نفسه ببشراه ولم يشك في الظفر”. وهذه هي القصة كما يرويها المقري من كتابه “نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب” في القرن الحادي عشر هجري، أي قرابة عشرة قرون بعد طارق بن زياد، وبعد نهاية الحكم الإسلامي في الأندلس.

واشتركت الأديان السماوية الثلاث باعتبار الرؤيا جزءاً من النبوءة. وكان العمل الأهم لتفسير الأحلام، الذي بقي من الثقافة اليونانية الرومانية، هو مخطوطة بعنوان “تعبير الرؤيا” لكاتبه الإغريقي أرطميدورس أو أرتميدورس الأفسي (الذي عاش في القرن الثاني الميلادي). اهتم أرطميدورس بالبحث في ماهية الأحلام، فجمع كل المخطوطات المتوفرة في زمنه، واستشار المنجمين والمفسرين، وتوصل إلى تعريف للحلم قسمه إلى خمسة أنواع: الرمزي، التكهني (ذو المصدر الإلهي)، الخيالي (الذي ينبع مما نتوق له)، أحلام اليقظة، والكوابيس. ما يميز الكتاب أن أرطميدورس ربط تفسير الأحلام بحالة الشخص نفسه، وبيئته ووضعه. 

وتذكرها الأحاديث النبوية كواحد من 45 باباً/جزءاً للنبوة. ومن قصص السنة النبوية، نعرف أن الاهتمام بالأحلام استمر بقوة، فكان الرسول الكريم يسأل أصحابه في مجالسهم أن يقصوا أحلامهم عليه ليفسرها لهم. وقد ميز بين “الأحلام”، التي تأتي من “الشيطان”، و”الرؤيا” الصالحة التي تأتي على شكل بشرى من الله.

وقد تبدو الأحلام غريبة أو غير منطقية لأن كيمياء الدماغ النائم تؤثر على الطريقة التي ندرك بها أفكارنا، ولكننا رغم ذلك نستمر في التركيز على الموضوعات نفسها التي تشغل تفكيرنا في أثناء اليقظة.

يعتبر ابن سيرين أشهر من نسب له كتب عن تفسير الأحلام حتى يومنا هذا. كما أنّ “ابن سيرين” معبّر الأحلام ذائع الصّيت قد تلقّى نبأ وفاته عن طريق منام لامرأة.

 وردت في القرآن الكريم آيات عدة تشير إلى ألفاظ الرؤيا وصورها، لعل أشهرها قصة يوسف عليه السلام، وبهذا احتفظت رؤيا الأنبياء بقدسيتها في الإسلام.

فما فائدة الأحلام؟

وتساهم المنامات في إيجاد الحلول لبعض معضلات المسائل التعبديّة، وتعليم الإنسان الحكمة، وتعمل على تقويم سلوكه وتوجيهه نحو الأصوب، وتدفعه إلى الإبداع الأدبي عن طريق الإلهام والوحي في المنام. الأحلام قد تتأثّر بنوعيّة الطّعام الذي يتناوله الرّائي، فالإفراط في تناول الفُول أو الثّوم تنتج عنه أحلام مزعجة تُصنّف تحت ما يُصطلح عليه “بأضغاث الأحلام”.

وتظلّ الرّؤى والأحلام ضرباً من ضروب استنطاق المجهول واستشراف المستقبل الذي يعتبر بدوره هاجس الإنسان في مختلف العصور.

وثمة عدد لا حصر له من الفنانين والمخرجين جاءهم الإلهام بأبرز أعمالهم وهم نائمون؛ فقد حلمت الكاتبة ماري شيلي بالمشهدين الرئيسيين اللذَين أسفرا في النهاية عن رواية “فرانكنشتاين”، وهكذا كان الحال مع الكاتب روبرت لويس ستيفنسون مع رواية “الدكتور جيكل والسيد هايد”. وقد استيقظ كلٌّ من لودفيج فان بيتهوفن وبول مكارتني وبيلي جويل من نومهم على ألحان موسيقية جديدة تتردد في أذهانهم. ليس هذا فحسب، بل إن دعوة المهاتما غاندي إلى المظاهرات السلمية ضد الحكم البريطاني على الهند جاء إلهامها في حلم.

الكاتب إذ يجنح صوب الحلم في نصه يغدو أقرب ما يكون إلى الغرائبي والفانتازي فيحرر نفسه لا من القيود الواقعية فحسب بل وينعتق أيضاً من الرقابة الاجتماعية، إذ يوفر له الحلم أكثر من مخرج، غير أن هذه الحرية المطلقة إن صح التعبير لها اشتراطاتها الفنية أيضاً.ش