المقالات والسياسه والادب
الأصالة حين يكون التفرّد ممارسةً للحرية

بقلم: د.ذكاء رشيد
في خضمّ التحولات الاجتماعية المتسارعة التي تدفع بالأفراد نحو “التنميط” والذوبان في الجماعة، تبرز شخصيات استثنائية تتبنى منظومة قيمية صلبة، تجعل من “الأصالة” دستوراً لا يقبل المهادنة. هذه الشخصيات لا تتحرك وفق ردود الفعل، بل تنطلق من مبادئ راسخة تبدأ بالوفاء وتنتهي بالاستقلال التام.
العطاء كقيمة مجردة
تُعرف هذه الشخصيات بظاهرة “العطاء العابر للحسابات”؛ حيث يمثل الوفاء لديهم طبعاً متجذراً لا يتأثر بمتغيرات الجحود أو النكران. هم يمنحون بلا حدود، لا رغبةً في نيل الثناء أو انتظاراً لرد الجميل، بل لأن العطاء بالنسبة لهم هو تعبير عن امتلاء داخلي واكتفاء ذاتي. هذا النوع من الوفاء يكسر القاعدة المادية السائدة التي تربط المنفعة بالنتيجة، ليعيد للاعتزاز بالقيم رونقه الإنساني.
رفض الانصياع ومعادلة الكرامة
وعلى صعيد آخر، تظهر قوة هذه الشخصيات في رسم حدود واضحة للعلاقة مع الآخر؛ فهي ترفض الاضطهاد بكافة صوره النفسية والاجتماعية، وتؤمن بأن الخضوع فعلٌ لا يُصرف إلا للخالق وحده. هذا الموقف لا يعكس صداماً مع المجتمع بقدر ما يعكس “عزة نفس” تأبى الانكسار أمام محاولات التدجين أو الإقصاء، مما يمنح الفرد حصانة أخلاقية تجعله ثابتاً في وجه الضغوط.
عشق التفرد ورفض “النسخ”
إن الميزة التنافسية الحقيقية لهذه الشخصيات تكمن في عشق التفرد. ففي زمنٍ أصبح فيه البعض “نسخاً مكررة” من أجل إرضاء الآخرين أو كسب القبول الاجتماعي، يختار هؤلاء أن يكونوا أنفسهم، بكل ما يحملونه من اختلاف وتميز.
إنهم يدركون يقيناً أن “النسخة الأصلية” هي التي تترك أثراً، وأن محاولة صياغة الشخصية وفق أهواء الآخرين هي نوع من الاستلاب الفكري. بالنسبة لهم، التفرد ليس مجرد تميز ظاهري، بل هو صدق مطلق مع الذات، ورفض قاطع لبيع الهوية مقابل إعجاب عابر.



