الإحباط والعدوانية: دراسة حالة

175

المقدمة:

لعل من أصعب الأمور هي خطوة البداية، بداية التغيير للأفضل.. تبديل وتقويم السلوك للأصلح..

تعديل التفكير ليتناسب مع مقتضيات العصر.

أخذت قلمي وبدأت أسرح بأفكاري في ملكوت شاسع لعلي أجد طريقة لأبدأ هذا البحث.. لكني فشلت. أحسست بالضياع..

لكني استرقت النظر إلى وجه ابنتي لأراه حزينا..

لقد طال غياب والدها هذه المرة، ومع اقتراب العيد الثاني وهو بعيد مقتصراً على المهاتفات اليومية، أصبحت ابنتي أكثر ميلاً للشكوى والحزن، عندها أمسكت بداية الخيط وبدأت..

لأن ابنتي وزوجي هما محور بحثي.

فما هو عنوانه؟!!

      تأثير غياب الوالد على نفسية الطفل وانعكاسه على السلوك والتحصيل الدراسي.

وترتكز عينه البحث على طفلتي التي بدأ سفر والدها منذ أن كان عمرها(7سنوات) وقد لامست الحادية عشر.

لقد وُضعَ العلم فاتحاً بابه في متناول البشرية ليكون عوناً لنا في مواجهة مشاكلنا اليومية..

ولعل الشكر يكون واجباً لكل عالم في مجال العلوم التطبيقية أو العلوم الإنسانية لكل ما قدموه لتطور وتحسين الظروف الحياتية..

ولعل التطور التكنولوجي وبعض التقصير في بعض البلدان التي هي قيد النماء جعلت من السفر ضرورة بحته لتلبية حاجات الأسرة..

 وكان السفر في حالتنا لهذا الغرض، وبدأت معه التغيرات النفسية التي انعكست سلبياً على السلوك وعلى التحصيل الدراسي.

وكان لابد لنا من مراجعة بعض الكتب والمراجع لتكون لنا عوناً في التعامل مع طفلتنا.

التي بدأ سفر والدها منذ نعومة أظافرها(4سنوات).

وقعت في يدنا نظرية الإحباط*(دولار-ميلر)،

التي تقول أن العدوان هو أحد الآثار المترتبة عن الإحباط على اعتبار أن السلوك العدواني يسبقه دائماً إحباط لدى الفرد.

بمعنى أن العدوان هو استجابة للإحباط، وبمعنى آخر فإن أولى التأثيرات النفسية من سفر الوالد تكون الإحباط الذي ينعكس بدوره على سلوك الفرد ليصبح عدوانياً، وما يسبق من مشاعر غضب وحزن..

دولار-ميلر 1939.

وهناك نظرية التعلم الاجتماعي*(جميل2003)،

التي ترى أن الثقافات المختلفة تعمل على تعليم السلوك العدواني، وأن الأبوين هما المصدر الأول والأساسي لتعلم الطفل.

على أساس ما سبق من هذه النظرية يكن على عاتق الأسرة أن تحافظ على توازنها النفسي الانفعالي أمام الأطفال!

لأنهم يلاحظون كل صغيرة وكبيرة.

كما وأن نظرية التعلم بالملاحظة والتقليد*,

تضع مفتاحاً بين يدينا، لأن الأطفال يلاحظون ويقلدون كل ما يحيط بهم في بيئتهم، من والدين أو أصدقاء أو مدرسة وحتى وسائل الإعلام.

 جميل2003-باندولا1973

العيسوي2000.

أهم السلوكيات التي تظهر خلال هذه المرحلة:

  • الحزن.

  • الانطواء.

  • ضعف الرغبة في الدراسة.

  • ضعف الثقة بالنفس.

  • القلق.

  • الاتكالية.

  • الأنانية.

  • ضعف الالتزام بالنظام.

  • العدوان.

وغير أن شخصية الطفل تلعب دوراً مهماً في ظهور عدد كبير من هذه المظاهر أو عدد قليل.

نصل الآن إلى الحلول العملية في وقاية الفرد من هذه السلوكيات..

هناك استراتيجيات خفض السلوك العدواني*, بما أن السفر شيء لابد منه:

  1. التعزيز التفاضلي: تعزيز السلوك الإيجابي بالمديح أو بلعبة أو بمشاهدة تلفزيونية كوميدية (أو أي شيء يرغب فيه الطفل ويكون ملائماً لسنه واحتياجاته)..

  1. العزل: إبعاد الطفل عن أي مثير يوصله إلى السلوك العدواني..

  1. التصحيح: على الطفل اصلاح ما تم إفساده بعد السلوك العدواني، وإن أمكن تصويره بعد عدة مرات.. وقد تكون مشاهدته لما قام به نوع من تأنيب الضمير ومساعدته لعدم القيام بهكذا عمل مرة أخرى..

  1. تقديم نموذج: بمعنى آخر التربية الصحيحة بالقدوة أو عرض بعض القصص التي تحوي أبطالاً واقعيين ومتزنين..

مفلح وآخرون2003.

أما عن دور الأم في أولى أيام سفر الوالد فيمكن تلخيصها بهذه النقاط:

  1. قضاء الليلة الأولى معهم، مع بعض الحكايات والنهفات لتخفيف حدة أول ليلة بدون درع الأمان.

  1. نزهات نهاية الأسبوع ضرورية لتفريغ الشحنات السلبية من الأم وصولاً لأصغر فرد في الأسرة.

  1. اشتراك الطفل في نواد تلبي حاجاته وتشبع رغابته.

  1. الإجابة على كل استفساراتهم بوضوح وحسب عمرهم.

  1. اشتراك الأولاد في الأعمال المنزلية (كلٌ حسب عمره وميوله وقدراته).

  1. قد يكون وجود أخ أو خال أو عم وممكن قائد كشفي أو شيخ المسجد عاملاً مهماً في تهذيب بعض أفكار الأطفال الذكور (بعلم الوالد والوالدة).

  1. ضرورة وجود مهاتفة يومية، ومع تطور التكنولوجيا أصبحت خاصية ال video  call حلاً مؤقتاً لهذه المعضلة.

  1. ضرورة أخذ رأي الوالد في كل كبيرة وصغيرة، ليظل الأمان الأساسي موجود عند الطفل.

  1. عدم مقارنة الأطفال ببعضهم.

نكون هنا قد اتممت الشق الأول من المشكلة، أما الشق الثاني فهو تأثير سفر الوالد على تحصيل الطفل دراسياً.. ودور المدرسة والمرشدة التربوية في تقويم العملية التحصيلية..

الخطوة الأولى تكون بإبلاغ المدرسة بموعد سفر الوالد كي تكون المدرسة متحضرة وجاهزة تماماً..

حيث أن دور الأب لا يقل أهمية عن دور الأم في العميلة التربوية، حيث أن الأب يصبح قدوة.

وتوصلت عدد من الدراسات التي أجريت حول غياب الوالد إلى بعض الاضطرابات في حركاته وتصرفاته، وقد ينتج عنه أيضاً احساس بالنقص والحرمان والغيرة..

ولا شك أن رغبته في التحصيل الدراسي سوف تنخفض بشدة، وتكون هذه الرغبة متأرجحة صعوداً وهبوطاً عند كل استقبال ووداع.

سامية 1989 ,ص5 , مجلة الأستاذ العدد222.

بعض المظاهر التي تصاحب هبوط الرغبة في التحصيل الدراسي:

  • الحزن.

  • الانطواء.

  • البكاء.

  • الغضب.

  • عدم قدرة الطفل على الاستمتاع مع الآخرين.

  • تشتت الانتباه في حصص الدرس.

  • ضعف الالتزام بالنظام.

  • الأنانية.

  • الاتكالية.

  • ضعف الثقة بالنفس.

  • الخوف (من فقدان الأم أيضاً- أو السائق…) بحال تأخر قدومهم لاصطحابه عودةً إلى المنزل.

  • القلق.

  • ضعف الرغبة في الدراسة.

اسماعيل2009, ص31-32,مجلة الأستاذ العدد 222.

أما بالنسبة للحلول العملية، فهذا يكن على عاتق الأخصائية النفسية والمرشدة التربوية في المدرسة حمل كبير..

 بادئ الأمر على الأخصائية النفسية التواجد مع التلميذ والقيام بواجبها في احتواء المظاهر السلوكية السلبية ومساعدة التلميذ، قد يكون الرسم خطوة البداية مع بعض التمارين والتعديلات السلوكية والمعرفية..

وهذا يكون نقطة أساسية ومهمة وركيزة للوصول إلى تلميذ يتمتع بصحة نفسية.

أما دور المرشدة التربوية الأسرية فيكون عبر تعديل بعض الدروس أولاً لتتلاءم مع وضع التلميذ أول غياب الوالد، ووضع بعض النقاط كقانون حياتي يعيش عليه التلميذ، بالتعاون مع عائلته.

.

من أهم هذه النقاط:

-توضيح أن سفر الوالد هو ضرورة حياتية وأنه سيتواصل معه يومياً.

-وضع برنامج يومي مع الكثير من الأنشطة التي تساعد التلميذ على إفراغ طاقته بطريقة إيجابية.

-اشتراك الطفل في فعاليات مدرسية لامنهجية لرفع مستوى ثقته بنفسه وتعزيزها.

-من الممكن إعادة شرح بعض الدروس بطرق مسلية، نوع من كسر روتين الدراسة ولمنع تشتت التلميذ.

ختاماً..

أتمنى أن أكون قد أحطت بكل جوانب هذا البحث، الذي قد يساعد بعض العائلات التي أصبح سفر الوالد فيها ضرورة لا غنى عنها.

وأعود لأكرر أهمية التفاعل الإيجابي بين الأم والمدرسة (مشرفة تربوية وأخصائية نفسية)

لدعم الطفل أسرياً ونفسياً.

معاً من فرد متزن نفسياً وأسرياً ودراسياً إلى مجتمع متماسك ومحب وفعالّ…

المراجع:

-جميل، عز الدين (2003) الأوهام المرضية أو الضلالات في الأمراض النفسية والعنف، عالم الكتب، القاهرة.

العيسوي، عبد الرحمن محمد (2000) دراسات في السلوك الانساني، دار المعارف القاهرة.

-مفلح، تيسير وآخرون (2003) علم نفس النمو، دار الكتاب الجامعي، العين.

-مجلة الأستاذ، العدد 222 المجلد الثاني (2017).