الإمام الليث بن سعد إمام الأئمة وعالم زمانه

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين ،والصلاة

والسلام على المبعوث رحمة

 للعالمين سيدنا محمد وعلى آله

 وصحبه أجمعين وبعد:

فإنه ما وسع العالم أن يبقي أثره

 ولا ينتهي حتي بعد وفاته علمه

 كما وسعنا إمام الأئمة وبدر

 التتمة عالم زمانه لولا أن تلاميذه

 ضيعوه الإمام الليث بن سعد

 رحمه الله ورضي الله عنه.

فهذا هارون الرشيد الخليفة

 المعروف وهو في حالة غضب

 قال لزوجته:

(أنت طالق إن لم أكن من أهل

 الجنة)

ثم ندم على ما قال لأنه يحبها

 كثيراً، وهي حزنت كذلك حزناً

 شديداً.

فجمع العلماء للفتوى.

قال له العلماء:
ومن يجرؤ منا أن يفتيك أنك من

 أهل الجنة؟!

لقد أصابت زوجتك.

وضاقت الأمور في هارون الرشيد

 وفي وجهه.

فقال لرجاله وحاشيته:

ألم يبقي عالم في بغداد كلها؟!

قالوا: هنالك عالم واحد اعتزل

 الناس منذ زمن اسمه

{الليث بن سعد}.

وكان الليث أحد أشهر الفقهاء في

 زمانه،

(ولد وعاش وتوفي بمصر)

فاق في علمه وفقهه إمام المدينة

 المنورة {مالك بن أنس}،

ولكن تلاميذه لم يحتفظوا بعلمه

 وفقهه مثلما فعل تلامذة الإمام

 مالك،

وكان الإمام الشافعي يقول

(الليث أفقه من مالك إلا أن

 أصحابه لم يقوموا به).

قال هارون الرشيد: أحضروه

فلما أحضروه ودخل قام العلماء

 وقعدوا (وتلك كانت صفة تعرف،

لاحترام العلماء لذلك كان يقال

 فلان يقام له ويقعد)

فلما تم عرض المسألة عليه.

فنظر الليث في هارون الرشيد ثم

 نظر في وجه العلماء.

قال: يا أمير المؤمنين أريد أن

 أخلو معك فانصرف الجمع من

 المجلس.

قال له الليث: ضع يدك يا أمير

 المؤمنين على كتاب الله، وأقسم

 بأنك ستصدقني لا تكذب، فأقسم

 هارون الرشيد.

فقال: يا أمير المؤمنين أما والله،

لم استحلفك تهمة لك فإني أعلم

 أنك صادق الكلم، ولكني أحببت

 أن لا تخدعك نفسك.

أستحلفك بالله يا أمير المؤمنين

 هل ذكرت الله يوما خاليا ليس

 عندك أحد، ولم تذكر في نفسك

 غير الله أحد، فذرفت عينك

 الدمع على لحيتك؟

قال هارون: وحق منزل هذا

 الكتاب لقد كان ذلك مِراراً

قال الليث: افتح كتاب الله على

 سورة الرحمن، ففتح

قال: اقرأ قوله تعالى

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾.

فبشره بدل الجنة، جنتين بدليل قرآني.
قال الليث: فليدخل العلماء الآن، فدخلوا.

قال الليث لهم: أما والله لم أصرفكم استخفافًا بكم ولكن أحببت أن أخلو بأمير المؤمنين حتى لا تدخل عليه نفسه.

فصادق جميع العلماء قول الليث بن سعد في فتواه.

يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
لأن أدمع من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار.

ويقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه
{لا يلج النار رجل بكى من خشية الله
(حلية الأولياء وطبقات الأصفياء،أبي نعيم الأصبهاني)

من لأمة فيها الليث حق لها أن لا تعرف يأسا إنما يقوم بالعلم رجال أخلصوا فارتقوا فرزقهم الله حياة حتي بعد مماتهم ملء السمع والبصر.