الإمام محمد متولي الشعراوي خطيبا في عرفة

71

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
إمام بحجم وقامة شيخنا الإمام الشعراوي رحمه الله و رضي عنه عندما يتحدث تسمع وتستمع له الدنيا بأسرها .
فكم تأسرنا ويتملكنا كلنا حديثه الأسبوعي كل يوم جمعة بتفسيره الرائع الذي يملك القلوب والعقول .
في وقفة عرفة وبالتحديد في ذي الحجة من عام 1976، كان العالم كله علي موعد غير عادي مع خطبة مميزة علي جبل عرفات.
ولعل إمامنا الشعراوي رحمه الله هو الإمام الوحيد من غير السعوديين الذي خطب على عرفات، واعتبرت هذه الخطبة من التراثيات التي نحتفظ بها.
فبعيون تغمرها الدموع خشوعا وخضوعا لبارئها، وروح فاضت بالإيمان والاستسلام، توافد الملايين من كل فج عميق صباح يوم التاسع من ذي الحجة، لا الحر يمنعهم ولا تحول أشعة الشمس بينهم وبين تأدية منسك الحج والوقوف على جبل عرفات، تلك الشعيرة الأعظم التي يرفع بها الدعاء وتغفر بها الذنوب، ترفع الأيادي إلى السماء في تذلل وخضوع وخشوع لله.
من بين جموع المسلمين قد حظي واحد فقط من خارج المملكة العربية السعودية بشرف الخطبة يوم عرفة، وأم في المسلمين في يوم عرفة من عام 1976 في خطبة خلدت ذكراها في التاريخ بكلماتها التي كانت بمثابة الدرر لا يمحيها الزمان.
وقد وقع الاختيار على الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله عام 1976، لإلقاء خطبة وقفة يوم عرفة، في سابقة من نوعها، حيث يعد هو الإمام الوحيد من غير السعوديين الذي خطب في يوم عرفة، وأصبحت خطبته من كنوز التراث التي يحييها المسلمون كل عام، فكلماتها درر ومواعظ لا ترتبط بزمان أو مكان، أبدع فيها الشيخ الشعراوي حتى خلدت ضمن الخب التاريخية التي يتم تداولها في يوم وقفة عرفة من كل عام.
وخطب الشيخ الإمام الشعراوي رحمه الله في وقفة عرفات للمسلمين قائلا:
“في ذلك اليوم لو سألوك قضاء حوائجهم أعطيتها لهم، فما نقص ذلك عندك يا رب، فكلماتك ورحمتك لا تنفد، وعلى المؤمن أن يكون على ثقة في يوم عرفات أن الإجابة آتية لا محال، فالعبيد يتذللون لك لتأتيهم الخير وتستجيب لهم، فاليوم نحن نبتهل بالدعاء لنا ولأزواجنا وأحبابنا والمؤمنين والمؤمنات، فالملائكة بحفاوتها تحيط بهم على جبل عرفات في ذلك الزحام الذي يشع بياضاً، ملائكة الله في عليائها وعبوديتها المكرمة يتلقون إقبال الحجاج بالعناق ويتلقون الصائمين بالمصافحة، فالله يكافئ على قدر الجزاء”.
وبصوته المميز وأدائه الخطابي المختلف استهل الشيخ الشعراوي خطبته الشهيرة وسط ملايين من كل صوب وحدب.
«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ثم قال: هذا هو شعار اليوم ونشيد الساعة فلترددوه طوال يومكم، وانطلق في الحديث عن أفضال يوم وقفة عرفات وصيامه لدى المسلمين، ففيه تصبح لغة القرآن هي السائدة في ذلك اليوم، فلا ترد لأي عبدٍ دعوة مهما كانت، ولا ترد مغفرة لمؤمن مهما بلغت ذنوبه عنان السموات، فتلك هي دعوة من الرب لعباده المخلصين فاستجابوا لها، ليكون جزاؤهم المغفرة والرحمة».
ثم تحدث الشيخ الشعراوي رحمه الله عن إعجاز آيات القرآن الخاصة بالحج:
«كان الإعجاز الخالد في القرآن مصدقاً لقوله: «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق»، فالله يعلم أن مجرد النداء في الناس بالحج سيأتون من كل صوب وحدب كي يلبوا ذلك النداء، فسبحان ربي خصصت هذا الركن العظيم في حج بيتك الحرام، والوقوف في تلك الساحة العظيمة من بيتك، فهذا ركن الوقوف فيه جزاؤه عظيم في حياة الإنسان طوال عمره إلى أن تقوم الساعة».
ويواصل الشيخ الكبير والعالم الجليل الراحل كلامه عن الركن الأعظم:
«وكذلك حكمت في هذا الركن إذا أذنت للحج يأتيك القوم رجالاً ونساءً من كل فج عميق، فتلك الرقعة العظيمة تعد ظاهرة عجيبة نرى فيها أناساً تسير على منهج الله، ويتخلقون بعبودية التكبير، نراهم يحرصون على هذا الركن ويزدادون إقبالاً يضيق به كل توسع، اللهم فقد أذنت وقلت يأتوك فأتى القوم، سبحانك يا رب حين تريد أن يكون لا مرد لما تريد أن يكون».
ويستكمل الإمام الشعراوي فضائل يوم عرفة: «قد كلفت ربي عبادك بالصيام والزكاة والصلاة وتركت العبيد أخياراً يختارون الطاعة التي تقربهم منك، أو المعصية التي تبعدهم عنك».
وعن سبب وجود ذلك الركن في الحج وأهميته يقول إمامنا الشعراوي رحمه الله :
«يا رب جعلت عبيدك يزورون بيتك، ويقفون بعرفات وأنت تريد لهم الخير والرحمة، فذلك التكريم وتلك الاستجابة لهما ثوابهما عندك، لأن الداعي هو الرب الذي يقدر على كل شيء».
وتابع الإمام الشعراوي رحمه الله:
«في ذلك اليوم لو سألوك قضاء حوائجهم أعطيتها لهم، فما نقص ذلك عندك يا رب، فكلماتك ورحمتك لا تنفد، وعلى المؤمن أن يكون على ثقة في يوم عرفات أن الإجابة آتية لا محال، فالعبيد يتذللون لك لتأتيهم الخير وتستجيب لهم، فاليوم نحن نبتهل بالدعاء لنا ولأزواجنا وأحبابنا والمؤمنين والمؤمنات، فالملائكة بحفاوتها تحيط بهم على جبل عرفات في ذلك الزحام الذي يشع بياضاً، ملائكة الله في عليائها وعبوديتها المكرمة يتلقون إقبال الحجاج بالعناق ويتلقون الصائمين بالمصافحة، فالله يكافئ على قدر الجزاء».
وعن ثواب ذلك اليوم فقد أكّد إمامنا الشعراوي في خطبته:
«كان جزاء الإنسان أن يخرج الحاج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ولكن بعد وقفته بعرفات، فأنت يا رب حين تكلف العباد تكلفهم بالفعل، وتترك لهم حرية الزمان أو المكان، وهذا هو الركن الوحيد الذي اجتمع فيه الأمر والنهي بالفعل في مكان برحابك اخترته أنت».
وقد انتهي نص الخطبة الشهيرة النادرة بجبل عرفات عام 1976، لكن اللافت في الأمر هو الحضور القوي لهذا العلامة الشيخ الشعراوي بين أجيال لم تعش زمن هذه الخطبة.

فليس بعرفة إلا وتسمع الجموع من سكان الأرض في مختلف مشارقها ومغاربها للشعراوي رحمه الله.