الالتقاء لا يعني الانتقاء و الارتقاء .

24

كتب : ماهر المنزلاوي

القول بأن الكثرة تعنى الحق ، وَهّمٌ يتشدق به العامة ،
ويتألم منه الخاصة ، ويتغني به الجهلاء ،
ويتخفي من وراءه الضعفاء ،

وهو من أهم الأمور التي تبعث الشك في قلوب المتأرجحين ، و تنبت الريبة في عقول المترددين ،

و تجعل الكثير من الناس منهزمين نفسياً أمام كثرة الباطل ، وذلك على غير الحقيقة والمنطق ، وعلى غير سند من صحيح الدين ، قال تعالى ( قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ) .

ومن أجل تصحيح فهم الذين يظنون بأن الكثرة تعنى الحق ، ذكر الله تعالى في كثير من الآيات لتوضح الصورة ، فإن الأمر على العكس تماماً فقد ذمت الكثرة في القرآن الكريم قال تعالي :

1- (( وَأَكثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ ))

2- (( وَأَكثَرُهُم لاَ يَعقِلُونَ ))

3- (( وَأَكثَرُهُمُ الكَافِرُونَ. )

4- (( وَأَكثَرُهُم لِلحَقِّ كَارِهُونَ ))
5- (( وَأَكثَرُهُم كَاذِبُونَ )) وغيرها الكثير والكثير من الآيات بينما نجد القرآن يمدح القلة ويقول تعالى :
1- (( وَقَلِيلٌ مِّن عِبَادِيَ الشَّكُورُ ))
2- (( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وقليل ما هم ))
3- (( وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ ))
4- (( لأصحاب اليَمِينِ ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ ))
6- (( وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) .

لذلك وجب الإيمان بأن الدولة بمجموع أبناءها ، على اختلاف انتماءاتهم وآرائهم ومعتقداتهم ، دون الانسياق وراء العامة ،

حتي وإن كانوا الأقوى صوتاً ، والأكثر عدداً ، مهما علا سيطهم ، وبزغ نجمهم ، وتعاظمت قوتهم ، لأن المجتمعات القوية مترابطة متماسكة بمؤيدها ومعارضيها ،

دون إقصاء لأحد أو مداهنة لأحد ، هدف أبنائها التعارف والتراحم ، لا التباغض والتنافر ،

موقنون بأن الله خلقهم مختلفين ،

وليسوا نسخا بعضهم من بعض ، مؤمنون بأن الإختلاف لا يعني العداء والبغضاء ، وأن رأي أحدهم صواب يحتمل الخطأ ورأى الآخر خطأ يحتمل الصواب .

إن الحكم علي الناس بما يرويه الآخرون عنهم ، والذي يكون في أغلب الأحيان مختلفا عن الواقع والحق ، ظُلّمٌ بيّن ، وإقصاءٌ متعمد ، بل يجب أن يتم تصنيف أفراد المجتمع ،

بما تحويه أفكارهم ومعتقادتهم ، ليس بانتماءاتهم ومسمياتهم ، لا يعني أن المادحين زعماء للوطنية ، وأن القادحين رموز للخيانة والعمالة ،

لا يعني أن الأطباء ملائكة للرحمة ،

وأن المحامين سفراء للباطل ، وأن التجار زعماء الغش والتدليس ، بل كل منهم يؤخذ منه ويرد ، دون النظر إلى جنس أو دين أو نوع .

إن الإيمان بالأفكار عقيدة يجب الدفاع عنها مهما كلف الأمر ، حتى ولو لم يؤمن بها أحد ، أو آمن بها واحد فقط ، ولا تعني أنها أفكار خاطئة أو غير صحيحة ، ما دامت لم تحرم حلالاً أو تحل حراما .

إن الثقة والاعتزاز بالنفس ، والتمسك بالأفكار والمعتقدات ، والثبات على المواقف ،

والصمود والدفاع عن الآراء ، هي رأس مال الأحرار ، والمدافعين عن الحرية ، والحاملين لواء المساواة ، لا يتتازلون عنها تحت أي ظرف أو تحت أي مسمي ،

حتي وإن أصبحوا وحيدين بين جدران غرفهم ، حتي وإن اتهموا بالانطواء والعزلة ،

حتي وإن تضاءلت أصدقاؤهم وأحبتهم ، حتي ولو حساب عملهم وعلاقاتهم ، لطالما أن المسافة بينهم وبين الله أقرب .

إن التقاء أعداد كثيرة حول شخص معين ، ليست دليلاً على كامل الإيمان بأفكاره ،

وليست شرطاً أن تكون أفكاره سامية الهدف ،

نبيلة الغاية . وليست من الضرورة أن تكون على مستوى من المثالية والنقاء والرقي يكفي للإيمان بها والالتفاف حولها ،

ولا يشترط أن تكون من المنطق والعقل بالشكل الذي يحملها على الحياة ، فهناك ملايين من البشر يعبدون البقر أو الشجر أو الشيطان ،

ومع ذلك ملتفون حول معبودهم دون رادع من فهم أو منطق او إدراك .

إن التفاف الناس حول شخص معين ، لا يعني أنه الأمل

المنشود أو الغاية المبتغاة ،

ولا يعني أنه الأفضل ، فقد يراه الناس هو المتنفس لهم ،

أو هو المفزع من واقع مؤلم ، وتأكد أن اختفاء الأفضل

لا يعني سيطرة السيء عليه ، فلا يطفو على السطح إلا الأخف ،

وأن الالتفاف لا يعني النجاح ،

وأن الالتقاء لا يعني الانتقاء والارتقاء .