البنية العقلية المعرفية للشخصية المصرية 

 

بقلم د.محسن قاسم

البعد العقلي المعرفى: ويتمثل في قدرة الإنسان علي التفكير والتعلم، والتخيل والفهم، والربط، والنقد والإبداع، والتحليل والتفسير وهنا يكون أثر النظم الثقافية والدينية والتعليمية واضحة بدرجة عالية، ويتوقف متانة بناء هذا البعد علي مدي جودة الأنظمة التعليمية، والتثقيفية في المجتمع، وعلي الرغم من زيادة الطلب علي التعليم والامتداد الكمي لمؤسسات التربية إلا أن “المنتج النهائي”، مازال يعاني من قصور في التكوين، ولا يرقي للمستويات العالمية، ولا يتناسب مع متطلبات المهن والصناعات القائمة في المجتمع، الأمر الذى يفقد المجتمع فاعليته.

ومكانة العقل في الشخصية المصرية تظهر من خلال ما طرحه طلعت عبد الحميد في دراسته المعنونة بــ “أبعاد الشخصية المصرية: دراسة الأصول الاجتماعية للتربية” واصفاً العقل بأنه الميزة التي ترتفع بمكانة الإنسان عن سائر المخلوقات، وهو مصدر العلم والفكر، حيث يعتبر العلم كنظام متماسك من القيم العقلية والملكات النفسية والطاقات الذاتية التي يتميز بها الإنسان عن سائر النشاطات والجهود الإنسانية، ومنهجه يعتمد أساساً علي الاستقراء والتثبت بالتجريب والاختبار , والعلم بهذا المعني يدفع المجتمع الي تجاوز التخلف في اتجاه التقدم، وخاصة العلم التطبيقي، الذي يلعب دوراً أساسيا في عملية تحديث المجتمع،

 وبالنظر إلي مجتمعاتنا العربية عامة والمجتمع المصري خاصة نجد أن الكثير ينعتها بالتخلف، لأسباب عديدة، في مقدمتها غياب سيادة العلم والتفكير العلمي في كثير من المجالات، مما أدي إلي انتشار كثير من العقبات نذكر منها. 

(‌أ) انتشار الفكر الأسطوري والخرافي اللذان يقاومان أفكار العلم، ورفض مناهجه.

(‌ب) الخضوع للسلطة بأوسع معانيه سواء الدينية أو السياسية.

(‌ج) إنكار قدرة العقل علي الوصول إلي الحقائق عند البعض.

(‌د) التعصب: من حيث هو اعتقاد بأن المرء يختار لنفسه الحقيقة أو الفضيلة، وبأن غيره يفتقدونها، ويحدث التعصب عندما تسود العاطفة علي العقل، ثم يسود ما يسمي بالإرهاب الفكري، كالتفكير الديني، أو الاتهام بالخيانة علي المستوي الوطني في بعض المواقف.

(‌ه) الإعلام المضلل حيث يخلق رغبات مصطنعة لدي الجمهور “اعلاماً تجارياً” أو يعمل علي إشاعة العقلية التي تصدق كل ما يقال، وتستسلم وتكون قابلة للإيحاء والاستغلال “اعلاماً سياسياً” فكثير من الصحف نجد فيها أبواباً ثابتة للحظ والتنجيم، الأمر الذي يجعل المناخ العام يُسَلِم بالغيبيبات أكثر من العلم، وإن كان ذلك محصلة لعوامل تاريخية كالتشبث المرضى بالماضي الذي يعني عدم السيطرة علي الحاضر أو عدم الرضا به، هذا الي جانب عامل الثبات النسبي في شخصيتنا المصرية، والاستمرار بين ماضينا وحاضرنا، وهذه السمة نتيجة سيادة نمط من الإنتاج يعتمد علي الزراعة التقليدية والتي ترتبط بعقلية نمطية قدرية في معظم الأحوال، تسود اللفظية فيها علي الأداء، وليس لدينا إلا فائض من الكلام، وثقافتنا ما زالت ثقافة الكلمة لا ثقافة العلم المؤدي للعمل.