أدب وثقافه

التاكسي الأبيض/بقلم الكاتبة : إنجى الحسينى

من المجموعة القصصية “حكاية ريال فضة”

وفاة عبلة الكحلاوي

نظرت إليها بشفقة، كانت تلهث وهى تحرك قطع الأثاث يمينًا ويسارًا،

رفعت رأسها ورأتنى وأنا أتأملها بصمت فسألتنى بوجه بدا عليه علامات الحيرة :”عاوزة حاجة يا مدام؟!”

أجبت : ايوه ، مش هاتستريحى شوية وبعدين تكملى ؟

ردت بأنفاس متقطعة :”لازم أخلص بسرعة، فأنا على موعد مع مدام مروة وممكن تزعل منى “

قلت: مادام بنتك كبرت وتعلمت، بترهقي نفسك كده ليه؟

قالت وهى منهكمة بتلميع أحد المناضد: لازم أجيب العربية لهيام ، أنا وعدتها لما تدخل الطب هاتكون معاها العربية”

شعرت بأسي فصوت أنفاسها المتلاحقة كأنه ضحيج مزعج بلنسبة لى،سألتها: “عاوزة أى مساعدة ؟”

ردت وكأنها تريد التخلص منى :”ده شغلى يامدام ،حضرتك كده هاتعطلينى وأنا متأخرة جدًا”.

أنصرفت وشعور الشفقة لا يفارقنى وتساءلت بينى وبين نفسي : هل تستحق السيارة كل هذا العناء فهى فى النهاية امرأة على مشارف

الستين من عمرها ؟ وهل حبنا لأولادنا مبرر بأن يتم تكبيلنا بالكثير من الأعمال،

وهل ستقدر الابنة ما فعلته الأم من أجلها يومًا ما أم ستطالبها بالمزيد من التضحيات؟

تساؤلات أنتهت سريعًا برنين الهاتف ليأخذنى بعيدًا وكأن الأمر لم يعد يعنينى.

*****

اليوم موعد النظافة العالمى، غادرت البيت مبكرًا حتى أتجنب رؤية “أم هيام”،

وقد أعربت لأمى عن رغبتى فى عدم حضورها ثانية فمظهرها يؤلمنى، ولكن أمى قالت: إذا لم تعمل عندنا، فسيرحب بها غيرنا ،

فهى أمينة و تجيد عملها إلى جانب أنها ترفض الراحة رفضًا تامًا.

عندما عدت لم تكن الأعمال المنزلية قد أنتهت، ألقيت السلام سريعًا ودخلت غرفتى لأرتاح،

وأستمعت لصوت أمى وهى تودع المرأة العجوزوتغلق خلفها الباب.

لم تمر إلا دقائق قليلة، حتى دفعت أمى الباب قائلة : مسكينة أم هيام، لقد بكت اليوم كثيرًا

وهى تحكى عن جحود ابنتها الوحيدة والتى تعاندها فى كل شئ وترهقها بطلبات لا تنتهى.

قلت ببرود: الحل بسيط، عليها ألا تنصاع لها.

قالت أمى بدهشة: كنت فاكرة أنكِ ستتعاطفي معاها أكثر من كده ، دى أم زيك يا كارمن،

أنتِ نفسك تلبين كل رغبات بنتك وتدلينها وتبررى دايمًا بأنها وحيدتك والتى ليس لها أحد غيرك وإنها …

قاطعتها قائلة: بداية ليس فى كلامى ما يدل على العكس، ثانيًا أنا لا أعمل فى مهنة تستلزم مجهود

جسدى يستنزف صحتى، كما أننى لا أضغط على نفسي لشراء أشياء فوق إمكانياتى،

وكل الأمهات يضعهن أولادهن فى المقام الأول لكن ابنتى تشعر بفخر شديد لكونى أمها.

تابعت أمى كلامها كأنها لم تسمعنى: البنت كسرت قلب أمها ورغم الدروس والمصاريف والدلع،

إلا إن مجموعها كان ضعيف، والبجاحة أنها تأخذ الموضوع ببساطة.

*****

مرت الأعوام وأم هيام ترفض الراحة، فهى ترى أنها خلقت للعمل، ولقد توسطت  لتعيين ابنتها

ببنك شهير عن طريق إحدى السيدات المهمات والتى خدمتها كثيرًا وبإخلاص، ورغم راتب الأبنة

الضخم إلا إنها بخيلة فى عطائها، الأمر الذى شجع الأم على الاستمرار رغم العجز الشديد والألم

الظاهر على خطواتها المتثاقلة، ولقد حاولت أمى اعطائها راتب شهرى لترتاح ولكنها قابلت ذلك بالرفض المصحوب بالغضب، فهى لا تقبل احسانًا من أى إنسان.

انقطعت أخبار أم هيام لفترة طويلة، حتى رأيناها بالصدفة، ولم نستطع أن نستوعب الصدمة حتى الآن.

*****

كنا فى طريقنا لحى المقطم فى يوم شديد الحرارة من أيام الصيف، عندما عطل

ذلك “التاكسي الأبيض” الطريق، لتهبط فتاة ترتدى جلبابًا أسود بصحبة السائق، ويقوما بإنزال سيدة

عجوز تجلس مشلولة على كرسيها المتحرك، ليتركاها بلا رحمة بهذا المكان العاصف بالأتربة والسيارات،

ثم انصرفا مسرعان كأنهما هاربان من شيئا مًا.توقفت السيارات تعاطفًا مع العجوز،

والكل يعطيها ما فيه القسمة، حتى حان دورنا، وبمجرد أن رأيتها أنا وأمى حتى صرخنا “أم هيام”.

لم يبدو على المرأة إنها تعرفنا، ولكن أمى أشارت للسائق بأن يتوقف، ونزلنا وحملناها داخل السيارة،

وأنطلقنا نحو أقرب دار مسنين لنمضي اقرارات لا حصر لها، متكفلين بكل مصاريفها وعلاجها.

فمن الواضح أن المرأة قد تعرضت لشتى أنواع العذاب والذل ، فالجروج تملأ جسدها الهزيل.

أخذناها فى أحضاننا ونحن نبكى وجلسنا نشاهدها وهى تأكل وتشرب كأنما لم ترى طعامًا منذ

زمن ثم ابتسمت لها أنا وأمى ، فليأتى التاكسي وقتما يشاء ولكنه لن يجد أحدًا فى انتظاره.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى