التداوي بالفلسفة…. بقلم د. طــارق رضــوان

189٬904
“Healing with Philosophy”…By The Egyptian Writer
Dr/ Tarek Radwan Gomaa
تسود مجتمعات اليوم حياة مادية و ثقافة إستهلاكية تجعل الإنسان في عوز روحي حقيقي، فنرى لجوء البعض إلى الطبيعة أو لبساطة العيش هربا من ضغط الحياة المعاصرة، و يتوجه آخرون إلى الفلسفة علَّها تجيب أسئلتهم و تساعدهم على إيجاد السكينة. فالفلسفة هي فن التعامل مع الحياة وروح الحكمة التي تعرفنا معنى الوجود.
ولكن بعيدا عن التعمق فى عالم الفلسفة فإنَّ لنا في كلام خالق الكون وواضع السنن التي لا تتبدل ما يغنينا و يبعث السلوى في نفوسنا أمام ابتلاءات الحياة، و ما يعيننا على الثبات في عالم تسوده الرداءة، فنقبل العجز الإنساني و تسمى الروح رضا و قناعة. فيقول الله عز وجل “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ” فنفهم جدوى الحياة و نعي الصورة الكبرى للكون و التي يمثل الإنسان جزءً صغيرا منها “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”.
وهنا عدد من الكتب الصادرة حديثًا التي تتناول أفكار فلسفية عن الإنسان والنفس البشرية، وتستعرض آراء مشاهير الفلاسفة بأسلوب مبسط وجذاب.
1- “التداوي بالفلسفة”: يؤكد المفكر المغربي “سعيد ناشيد” في كتابه “التداوي بالفلسفة” حيث يقول ” إذا لم تنفعك الفلسفة في مواجهة أشد ظروف الحياة قسوة وضراوة، فمعناها أن دراستك لها ــ إن كنت تدرسها ــ مجرد مضيعة للوقت، وعليك أن تعيد النظر في أسلوب التعلم “.
2- “عزاءات الفلسفة” : حيث حاول (آلان دو بوتون) جمع آراء و مقولات مجموعة من أشهر الفلاسفة فى كتابه “عزاءات الفلسفة” فيواجه صعوبات مخالفة الأفكار السائدة بفلسفة سقراط و يبحث في أزمة الافتقار إلى المال بمفهوم السعادة لدى أبيقور و يجد العزاء في مواجهة الإحباط لدى سينيكا و يقاوم العجز بمختلف مظاهره بأفكار مونتين و يعالج انكسارات القلب بآراء شوبنهاور و يتحدى مصاعب الحياة برؤية نيتشه .
3- “لماذا نتفلسف ؟”: يتناول جان فرانسوا ليوتار في هذا الكتاب أفكار أفلاطون وبروست الفلسفية للوصول إلى الآخر بصورة مبسطة، كما يتحدث عن هِراقليطس وهيجل والعلاقة الوثيقة بين الفلسفة والتاريخ. ويختتم محاضراته بالحديث عن ماركس باعتباره تطبيقًا عمليًا لقدرة الفلسفة على إحداث تغيير في العالم.
4- “دعونا نتفلسف” :ويضع الكاتب على حسين يده على مهمة الفلسفة الرئيسية في فهم معنى الحياة، والتغلب على مخاوفها.
ويختتم حسين كتابه بمقال يحمل عنوان “مائة كتاب تجعل منك فيلسوفًا” ما يعني أن قراءتك لعدد من الفلاسفة من تيارات مختلفة قراءة واعية متأنية، يمنحك عقل فيلسوف
5- “فلسفة البحر”: يستعرض “جونتر شولتس” آراء الفلاسفة المختلفة حول البحر، والعلاقة الأزلية بينه وبين الإنسان، لكن جميع الفلسفات القديمة والحديثة أجمعت على أن البحر هو أصل الحياة. لكن يعيب على الكاتب هنا كما جاء في مقدمة الكتاب، التحدث عن العلاقة بين البحر والفلسفة الغربية فقط، متجاهلًا آراء الفلاسفة العرب على اعتبار “أن كل ما هو شرقي يجب استبعاده من تاريخ الفلسفة” كما قال هيجل.
6- “على مقهى الوجودية”: على مقهى الوجودية ستعرفك الكاتبة الإنجليزية سارة بكويل على حياة أشهر مفكري الوجودية وأهمهم، جان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، ومارتن هايدغر.
7- “عالم صوفي “: عالم صوفي المميز لجوستاين جاردر، صوفي تلك الفتاة المراهقة التي تأتيها رسائل غامضة. يظهر الفليلسوف “ألبرتو كنوكس”، لصوفي، فتارة تجده في زي راهب في كنيسة قديمة يعلمها فلسفات القرون الوسطى، وتارة أخرى يظهر كأنه سارتر يجلس على مقهى فرنسي متحدثًا عن الفلسفة الوجودية. عالم صوفي رواية مذهلة كونها حولت موضوعًا ثقيلًا مثل الفلسفة إلى رواية فانتازيا ممتعة
يعتقد الفلاسفة أن مادام للأمراض الخارجية علاج طبي فأيضا للأمراض الروحية علاج ألا وهو الفلسفة. لذلك دعانا سقراط إلى عدم إتباع التيار السائد وإعمال العقل، لو كنا في عصرنا هذا نملك أفكارًا غير منطقية كثيرة سائدة، ففي عصر سقراط كانت الأفكار السائدة غير المنطقية أضعافًا مضاعفة عما نملكه حاليا.
فقديما تجد أهل أثينا لا يريدون التفكير فيها ويرثون الأفكار السائدة دون التفكير فيها. وبقليل من التأمل نرى أن نفس الأمر يجري لدينا حاليا.
كان سقراط يعاني من الكراهية وأنه يفسد العقول وكذا حتى تم دعوته للمحكمة التي تتكون من لجنة محلفين جهلاء، حيث أيد الأغلبية قرار إعدامه بالسم الذي ابتلعه سقراط بلا مبالاة وبرباطة جأش.
و عندما يشتد الكرب و يطول المسير نستكين عند سماع الآية “فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ،إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا” فحين تستيقن النفس أن لن يغلب عسر يسرين تُقبِل على مشاقِّ الحياة الدنيا يحدوها الأمل عصيةً على اليأس.
و إن قوبل إحساننا بالإساءة أو آلمنا نكران الجميل لجأنا إلى قوله تعالى “وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ” فمن ينتظر الأجر من الله عز و جل لا تضيره أفعال البشر .
وأيد أبيقور مفهوم اللذة من أجل الوصول إلى السعادة، وكانت لائحة السعادة بالنسبة لأبيقور تتكون من “الصداقة أن تمتلك أصدقاء حقيقيين في حياتك، الحرية أن لا ترتبط بالعمل في أثينا المقيد جدا بإملاءات الآخرين والعيش باستقلالية ولو كان المال غير متوفر، التفكير واستعمال العقل وتحليل ما كان القلق.” فهو يؤيد مبدأ أو تبسيط الحياة، يهتم بما هو طبيعي وضروري فقط أما الباقي فيتم إقصاؤه من الحياة.
وأبرز الفيلسوف سينيكا أن الإحباط الناتج عن عدم تحقق أمنية ما يمكن تجنبه، وذكر خفض مستوى الآمال وخفض مستوى التوقعات، لا تتوقع الكثير ولا ترفع آمالك كثيرا لكي لا تصاب بصدمة إحباط.
وبعدها فلسفة شوبنهاور الذى يؤيد فكرة أن الزواج فقط من أجل ضمان استمرارية النسل ولو أنكر الإنسان ذلك فهو يقوم بذلك بدون شعور.
أخيرا فلسفة نيتشه حول المصاعب، فمن البلاءات تنبت النجاحات، ولا يمكن أن ننجح إلا بالبلاء وبالمصاعب، فهو يحث على التحمل وإنبات النجاحات من البلاءات.
وأمام الإحباط الذي قد يتملكنا عند عجزنا عن تحقيق أمانينا، أو إن واجهنا في أقدارنا غير الذي كنا نصبو إليه لنا السلوى في قوله عز وجل ” وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”.
و نجد في الآية الكريمة و هي تصف مشهد يوم القيامة “وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ” عزاءً أمام الظلم الذي يكسر نفوسنا و يتركنا بلا حيلة و أمام ظالمين صدق فيهم قوله تعالى “أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ” و يقيننا أنهم سيقفون وقفة ذل أمام جبار عادل يهوِّن من قهرنا.
وعندما تفجعنا مصيبة الموت فيمن نحب و نستحضر قوله تعالى”ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون” تشعرنا الآية أن لا فاصلة بين الموت و البعث، كما يجيب الناس يوم القيامة “قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ” فنعزي أنفسنا أنما هو فراق قريب سيعقبه إن شاء الله لقاء غير منقطع “وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ”.
و عزاء المصلحين الواهبين حياتهم لنشر الخير أمام استعلاء الأهواء و الشرور في قوله “لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ” فيؤدون رسالتهم راضين أنهم على الطريق حتى وإن بعدت الغاية.
وعزاؤنا الدائم مهما ضاقت الدنيا أو اشتد البلاء هو قوله تعالى “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ”.
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏‏وقوف‏ و‏بدلة‏‏‏‏
تمت المشاهدة بواسطة ٢
أعجبني

 

تعليق