التربية والقيم  وجهين لعملة واحدة 

بقلم/دكتور محسن قاسم

تمثل التربية الوعاء الذي يحمل الفكروالعلم والقيم ، وفي المقابل يوجه التربية في تحديد أهدافها واستراتيجيتها ووسائلها مجموعات من القيم المحكومة بالأيدلوجية التي يرتضيها المجتمع ، أى “طريقة الحياة السائدة ” ، والعلم تحكمه قيم المنفعة الإنسانية، وعدم المساس ببيئة الإنسان ومكوناتها ، والحفاظ عليها ، فالقيم إذن هي طابع وجود الفاعلية الإنسانية. وأسلوب أفعالها ، والفكر والعلم هو أحد صور هذه الفاعلية التي تسهم التربية النظامية في بنائها واستقرار أركانها الجسمية والنفسية/ الاجتماعية والمعرفية. (بغاغو، 1996، 88) 

ومن ثم تعد التربية عملية متشعبة ذات ارتباط وثيق بالمجتمع الذي تقوم فيه ، فالتربية باعتبارها وسيلة من وسائل تشكيل الوعي لدي الانسان فيما يعرف” بالوعي الاجتماعي” للفرد داخل الجماعة ، فإنها :أي (التربية) تبقي ظاهرة فوقية تجد أسباب وجودها العميقة في البني التحتية للمجتمع.

والتربية وفقاً لوجهة النظر الإسلامية تَسْتَقِي مصادرها من نظم نابعة من تصور الإسلام لحقيقة الكون والإنسان والحياة وتهدف إلي تربية الإنسان وإيصاله – شيئاً فشيئاً – الي درجة كماله ، بما يمكنه من القيام بواجبات الخلافة في الأرض عن طريق إعمارها وترقية الحياة علي ظهرها ، ويستند تنفيذ هذا الهدف إلى عمليتي التعليم والتعلم ، فالتعليم وسيلة ، والتعلم غاية ، لأنه تعديل في السلوك نحو الاتجاه الأفضل ، فكل عمل تعليمي جيد لابد أن يكون له هدف تربوي في نفس الاتجاه ، فالتعليم وسيلة التربية ، والتربية علم إخبار عن الحقائق الكلية والمعايير والقيم الثابتة التي يتلقاها الانسان عن الله فيُسَلِّم بها ويتكيف معها، وهي أيضاً علم من حيث كونها معرفة بقوانين الله في الكون.

وتتميز التربية عن عمليات أخري مشابهه مثل التدريب أو إعطاء التعليميات في أنها تشير إلي تلك العمليات التي تؤدي إلي تكوين الإنسان ، وتتضمن التربية بهذا المعني مساعدة الطلاب ليصنعوا شيئاً من أنفسهم خلال أنشطة ذات قيمة بطريقة تتضمن فهماً عميقاً وشاملاً لمجريات الحياة.

ومن ثم نجد أن هناك تضارباً في ماهية التربية وتعدد مفاهيمها بتعدد وتنوع وجهات النظر حولها ، وبالظروف الموضوعية بمن يتناول هذا المفهوم وتتنوع أيضاً الممارسات التربوية بتنوع الأنماط الثقافية والفلسفات الاجتماعية ، وبصرف النظر عن ذلك كله ، فإنه يجب توفر شروط خاصة لأي نشاط يمكن أن يطلق عليه (تربية – Education)

– أن يكون هناك شئ ذو قيمة يجب توصيله للمتعلمين من خلال هذا النشاط.

– أن يكون هذا النشاط مرتبطاً بأنشطة أخري لكي تتكون لدي المتعلم رؤية معرفية واسعة.

– أن يُظْهِر القائمون بهذا النشاط والمرتبطون به في آن واحد اهتمامهم به وأن يعتقدوا في أهمية وقيمة القيام به.

ويُؤصل “علي العاجر” للترابط بين القيم والتربية بقوله ، القيم هي التي توجه العملية التربوية كاملة ، وفي نفس الوقت القيم بحاجة الي وسائل وأساليب ومعلمين ونظام ، أي أنها في حاجة للتربية ، فالعلاقة إذن بين القيم والتربية علاقة تبادلية ، فبدون تربية يصعب غرس وتكوين القيم الايجابية وتنميتها ، وفي المقابل تصبح التربية مُفَرَّغَة من مضمونها ، عقيمة غير ذات فائدة إذا لم تُؤَسَس علي قيم ثابتة. (العاجز، 2002، 68)

ونَقْصِد بالتربية هنا التربية في المنزل والمدرسة وفي مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخري ، كَدُور العبادة ، ووسائل الاعلام ، وجماعات الرفاق ، والاندية والنوادي الاجتماعية، لأن عملية اكتساب وتربية القيم تبدأ منذ الأيام الأولي من حياة الفرد ولا تنتهي إلي بإنتهاء حياته.

والقيم في المجال التربوي عبارة عن مجموعة من المعايير الموجهة للسلوك الإنساني ودوافعه ، فهي تناسق أو تضارب الأهداف والمثل العليا التي تستند إليها علاقات المجتمع وأنشطته، لذا فهي تتميز عن غيرها من الدوافع السلوكيه كالعادات والاتجاهات والتقاليد والأعراف، في كونها تتضمن سياقاً معقداً من الاحكام والمعيارية للتمييز بين الصواب والخطأ، وبين ما هو حقيقي وزائف ، حيث تمثل وعياً جماعياً وتكون أكثر تجريداً ورمزية وثباتاً وعمومية ، اكثر بطءًا في التكوين ، وتسهم في غاية من غايات الوجود ، وامتثالاً لأوامر تنبع من داخل الفرد وليس علي ضغوطات خارجية 

ومن ثم تصيح القيم أساساً يجعل أي فعل إنساني ذا معني، لأنها مبدأ لتعليه وشرعيته، فهي ما يجعل الحياة قابلة أو جديرة بأن تُعَاش ، وتمنح التربية والتكوين معني ، وتربية القيم أو “التربية علي القيم” هي ما تحقق التعايش البنَّاء وتضمنه ، لأن التربية الحقيقية هي ما تحقق المشاركة في فرص الحياة وامكانياتها.

وكي يكون الفعل التربوي ذا مغذى ، لاينبغي أن يكون متناقضا ً، ونعني بالتناقض هنا، تناقض القول مع الواقع ، تناقض القيم مع الممارسة السلوكية ، فكثيراً ما نري سلوكيات لا تُعُبِرعما يعتنقه الفرد من مبادئ وقيم ومعتقدات ، فنجاح التربية في وظيفتها ، المتمثلة في بناء شخصية الإنسان ودعم وجوده في هذه الحياة ، مرهون بتطابق القيم التي يتبناها الطلاب مع قيم المجتمع بحيث يري المجتمع المؤسسة التعليمية ضرورية ، لأن صلاح المجتمع رهين صلاح المؤسسات التربوية. (أسيداه، 2006، 63)

وترتبط القيم ارتباطاً وثيقاً بالتربية ، حيث تعد القيم لبنة أساسية يقوم عليها المنهج التربوي المدرسي، وذات صلة قوية بالشخصية الإنسانية ، وتربطها علاقات متشابكة بالميدان التربوي ، فالعملية التربوية توجهها أهداف وغايات ومقاصد وقيم أساسية تعمل دائماً علي تكوين شخصية الانسان ، وفي المقابل يعد البناء القيمي هو أحد الاركان المحورية عندما نتطلع إلي تكوين الجانب المعرفي لأي منهج في أي مجتمع (الشاهين، 2012، 18-19)، فلكل مجتمع مجموعة قيم يؤمن بها ويمارسها ويرجو أن تستمر وتنمو لدي أبنائه ، وهناك مجموعات أخري وافدة عبر وسائل الاتصال علي اختلاف صنوفها ومستوياتها لا تمت للمجتمع بصلة يرغب في عزلها ويحذر من تقبلها ، ولا تتم عمليات الاكتساب أو العزل إلا من خلال التربية المدرسية التي تؤكد علي قيم المجتمع وتقاوم استدخال القيم الوافدة غير المرغوبة في بنية شخصية الفرد.

فالتربية تستمد مضامين أهدافها من مَعِين القيم التربوية التي تكون بمثابة اللُحمة والسند للأهداف التربوية.

وتواصلاً مع هذا المعني ، يتضح أن علاقة ما قائمة لا يمكن إغفالها بين التربية والقيم ، بحيث تلزم تضمين ودمج القيم في تحديد الأهداف التي نسعي إلي تحقيقها ، من منطلق أن التربية في مكنونها عملية قيمية بالدرجة الأولي سواء عبرت عن نفسها بصورة واضحة أو ضمنية ، وفقدان التربية للقيم التي تُبْنَي عليها الشخصية يُفْقِدُها روحها وفاعليتها ، بل إن القيم هي الأساس في بناء الخطط والاستراتيجيات اللازمة لأي مجهود تربوي ، ويتضح دورها الهام في تحديد الأهداف التربوية للمقررات والمواد الدراسية وكموجهات للنشاط التربوي بكافة مجالاته وتبدو القيم في كل ما يصدر عن المدرسة من قرارات وفيما تنظمه من علاقات وفيما تختاره من وسائل وبرامج.( محمد، 2011، 3)

حيث تتوقف جودة وفاعلية النظام التربوي علي مدي تضمين القيم في غايات وأهداف التربية ، فلن يكون النظام التربوي فعالاً وذا كفاءة ما لم يضع لنفسه أهدافاً وغايات يحققها، ويمثل إذْكَاء وغرس القيم أسمي غايات التربية التى علي ضوئها يمكن الحكم علي عائد وفاعلية النظام التربوي ككل.

والخطوة الأولي لأي عمل منظم في ميدان التربية يستند إلي تحديد الأهداف التي تحدد أهدافه وتحكم مسالكة وتُبْرِز أولوياته ، لذا وجب الاختيار بين أهداف التعليم والتعلم المختلفة وتحديدها بصورة واضحة دقيقة ، لأن ذلك يعد معياراً لنجاح النظام التربوي أو إخفاقه في غرس القيم الأساسية ، وتطوير التفكير وتنمية القدرة علي حل المشكلات ، والإبداع ، والعمل التعاوني، والمرونة العقلية في فهم الواقع وإشكالياته ، وتهيئة الطلاب للعمل والتعلم المستمر مدي الحياة. (Leme’ tais, 1997, 3)

– البعد القيمي للتربية

بعض الاعتبارات الهامة التي تستوجب التأكيد علي أهمية البعد القيمي في التربية في الوقت الحالي:

في ظل عالم اليوم المتغير والمتقلب الذي بدأ يتنكر للقيم ويحارب الفضيلة تأتي أهمية التأكيد علي البعد القيمي في التربية للأسباب الآتية: (العاجز، 2002، 27-83)

• اتسام المجتمعات عامة ومنها الشعوب العربية والإسلامية حالياً باهتزاز القيم واضطراب المعايير الاجتماعية والاخلاقية ، وكثرة حالات الخروج علي تعاليم الدين والقانون.

• الواقع الحالي يتميز بالتطور التقني والمعرفي ، وكل منهما يلاحق الآخر بصورة مذهلة ، ويفرض الانبهار به والتجاوب معه والتعامل مع متطلباته ، لذا تطلب هذا التطور تنامي سلوكيات تضبط حركة الحياة خِشية وقوعنا مع مرور الوقت في التبعية المعرفية والثقافية المصاحبة له ، مما يهدد الانتماء والولاء لأمتنا العربية والاسلامية.

• ظهور ميل لدي أفراد المجتمع يتنامي يوماً بعد يوم بعدم اللامبالاة بالانحرافات والحماقات التي يقوم بها بعض أفراده وجماعاته ، إضافة لذلك ظهور تيارات معاكسة للتدين والإلتزام ، وتسرب القدوة الصالحة من اكثر من موقع ، مما هيَّأ الساحة لأعداء وخصوم سَعَوْا في تفتيت الوحدة السلوكية وتوسيع الفجوة بين الأجيال وتكريس العلمانية.

• ظهور بعض السلوكيات التي لا تتفق مع أصول وثوابت مجتمعاتنا العربية والاسلامية في وسائل الاعلام والثقافة ووسائل الاتصال باسم الفن ، وباسم الاطلاع علي واقع العالم المتقدم ، وباسم اللحاق بركب التقدم، وكثيراً من إنتاج هذه الاجهزة وأعمالها يدخل منازلنا ويقتحمها دون سابق إذن .

• انشغال الكثير من الناس بهموم العيش والرزق ، حيث لم تعد الدخول كافية لمواجهة احتياجات المعيشة ، وساعدت السلوكيات المعاصرة علي شيوع الرغبة من الاستزادة من الدخول ولم تعد الاسرة – لعدة أسباب – قادرة علي القيام بالأعباء المتزايدة يوماً بعد يوم ، مما أدي إلي ضعف القدرة علي رعاية الأولاد ، إما عن قصور أو تقصير.

• ضعف دور المدرسة والمؤسسات التعليمية عامة في غرس القيم لدي الطلاب وصار اهتمام المعلمين منصباً علي تلقين المعارف والانتهاء من المناهج والمقررات الدراسية في أقرب وقت ، دون الاهتمام بتربية القيم وتعليم المبادئ التي تحكم حياة الفرد داخل مجتمعه وتجعل أنماط سلوكه في مواقف تفاعله الاجتماعي متوافقة مع أعراف المجتمع ومبادئه.

وعليه تكون الوظيفة القيمية والأخلاقية من الأهمية بمكان من بين وظائف التربية المتعددة، والتي منها:”إعداد كوادر مدربة لمجالات العمل والإنتاج من أجل تحقيق المشروع التنموي للوطن ، ومنها ما يتعلق بإعداد جيل يحافظ علي الهوية وحماية مكتسبات الأمة” ، ولكن إذا ما نظرنا إلي هذه الوظائف وجُل أهميتها ، نجد أن الوظيفة الأخلاقية للتربية وبناء القيم علي درجة أعلي ، حيث أنها هي التي تضبط وِجْهَة الوظائف الأخري ، من خلال السعي الدائم إلي تنمية الشخصية الإنسانية في اتجاه يتحقق به خير الفرد والمجتمع (مقرب، 1994، 291) وبناء علي ذلك يمكن القول بأن التربية عملية ونشاط قيمي وأخلاقي في المقام الأول ، والوظيفة القيمية للتربية تكتسب أهميتها في المجتمعات المعاصرة والمتحضرة والنامية علي حد سواء وبالتالي لا يمكن أن تُتْرَك لأن تحدث بالصدفة خلال ترتيبات غير مقصودة ، ولكن يجب أن تُرَاعي وتتم خلال نظام رسمي للتربية ، والذي عن طريقة تقوم المدارس بدور فعال في هذا المنحني التربوي ، يسانده روافد أخري داخل نسيج المجتمع من منظمات أهلية وخدمية وترفيهية.

وإجمالاً لما سبق يمكن التأكيد علي حقيقة مفادها أن أي حس أو فهم قيمي أو أخلاقي يكتسبه الفرد إنما يأتيه من مجتمعه الذي يعيش فيه ، فيتعلم البعض مجموعة من القيم والانماط الخُلِقية التي تختلف من مجتمع لآخر ، وذلك حسب الرؤية والفلسفة والمنهجية التي يتخذها المجتمع أساساً في تنشئة أبنائه ، ويساند هذه المنهجية ويدعمها إلتزام الأفراد بها ، فيما يعرف بــ (حِس الإلتزام الأخلاقي ) ، الذي يعد الأمر العام والمشاع بين البشر، وهو يمثل بذلك الصفة السامية التي تميز الإنسان ، بل تُمَثِل التعريف الفريد للإنسانية ، وذلك يؤكد أن الأساس القيمي والأخلاقي في الإنسان فطري وأن للقيم وجودها الذاتي حتي يستطيع الانسان العادي أن يُمَيِّز إلي حد ما – وفي كل ما يقوم به من أنواع السلوك – بين ما هو خير وما هو شر وما هو محايد لا ينفع ولا يضر، أما عجز بعض الأشخاص عن إدراك القيم أو التمييز بينها إنما يرجع إلي نقص النضج أو قصور في التربية لديهم. وعلي هذا الاساس تحتل القيم مركزاً أساسياً في توجيه العملية التربوية ، وفي هذا الاطار فإن التربية لا تعمل للمحافظة علي التراث الثقافي ونقله من جيل إلي جيل بما في ذلك القيم الاخلاقية وحسب ، وانما تعمل علي تطوير الواقع مقتربة به بقدر ما تستطيع لما ينبغي أن يكون عليه.

ومن ثم لَزِمَ الحديث عن التربية ودورها في تنمية القيم ، وعلاقة التأثير والتأثر بينهما ، والاعتبارات الواجب مراعاتها عند تربية القيم ، وملامح الأزمة القيمية وتأثيراتها علي الفرد والمجتمع.