” التنويم الإيحائي” “hypnosis”

73
بقلــم د. طــارق رضــوان
يقوم نجاح روايات أجاثا كريستي على استخدام تقنيات أدبية مماثلة لتلك المستخدمة من قبل الذين يعملون في ميدان التنويم المغناطيسي والطب النفسي، حسبما توصلت إليه دراسة نشرت أخيراً في المملكة المتحدة.
ما هو التنويم؟
التنويم هو الدخول في حالة تأمليَّة، ومن ثم استعمالها لتغيير سلوك معيَّن، فكرة معيَّنة، أو عادة معيَّنة. علميًّا يعرَّف التنويم على أنه حالة وعي معيَّنة، يتمُّ فيها انتباه مركَّز على شيء معيَّن، مع انخفاض الانتباه للتأثيرات المحيطيَّة الأخرى، مع قابليَّة كبيرة للاقتراحات Suggestibility. ومن فوائد التنويم للفرد إيقاف التدخين، الكحول، تحسين النوم، حالات الشره الطعامي واضطرابات الطعام من بوليميا وقمه عصبي، الاضطرابات الجنسيَّة والممارسات الجنسيَّة غير الصحيَّة، إيقاف عض الأظافر، ممارسة الرياضة المكروهة سابقًا، تخفيف الألم، حالات القلق والهستريا واضطرابات النوم، الكولون العصبي، تحسين الوضع الفيزيولوجي والنفسي بعد العمليَّات الجراحيَّة والحروق والصدمات النفسيَّة الشديدة والأمراض الخطيرة كالسرطان… الخ. من إحدى الاستعمالات المميَّزة له هي خلال الولادة وما بعدها من أجل تخفيف الألم، ولكن هذا الاستعمال خفَّ كثيرًا بعد تقدُّم طرق التخدير القطني.
وتجدر الإشارة إلى أنّ التنويم الإيحائي لا يناسب المرضى الذين يعانون من هلوسات وأوهام، أو أولئك الذين يدمنون الكحول أو المخدرات، كما ينبغي اللجوء إليه بعد موافقة الطبيب الفيزيائي وتأكيده بعدم وجود أي خلل أو مشكلة جسدية قد تزيد من الأمر سوءًا لاحقًا. وبالإضافة لذلك، تكمن عيوب التنويم الإيحائي في أنّ نوعية الذكريات والمعلومات التي يذكرها المريض أثناء الآلية غير مضمونة أو موثوقة تمامًا، فقد يقوم المريض بخلق ذكريات كاذبة سواء عن طريق الإيحاءات غير الصحيحة من قبل المعالِج أو من خلال طرح الأسئلة الخاطئة أثناء العلاج.
وكان من الغريب ظهور أول فيلم في التاريخ بيتم استخدام التنويم المغناطيسي على معظم ابطاله:
القصة ابتدت لما المخرج الألماني “ويرنر هيرزوج -Werner Herzo ” قرر أن يخرج فيلم بطريقة جديدة ومختلفة .. فيلم كل أبطاله منومين مغناطيسين بينفذوا الأداء الذى يريده هو بالظبط حتى تصل رؤيته السينمائية مثلما يتمنى بالضبط. وبالفعل بدأ في تنفذ إجراءات الفيلم واسمه قلب من زجاج – Heart of Glass – Herz aus Glas ” انتاج عام 1976 .. الفكرة كانت غريبة وغامضة جدا لدرجة كبيرة وجذبت أنظار ناس كثير .. منهم المؤلف والمخرج “آلان غرينبرغ– Alan Greenberg”الذى كتب كتاب كأمل عن تجربة وصناعة الفيلم باسم ” كل ليلة تختفي الأشجار -Every Night the Trees Disappear” وتحدث بالتفصيل عن الأحداث الغريبة التى تمت أثناء تصوير الفيلم وعملية التنويم المغناطيسي الذى كان يخضع لها كل الممثلين بالفيلم ما عدا ممثل واحد قام بشخصية واحد اسمه Hias -(Josef Bierbichler) لأن دوره كان يتطلب هذا لأنه كان يقوم بدور عراف القرية الذى وقع لها حدوث كارثة عظيمة ولم يصدقه أحد منذ بداية الفيلم.
حدث ذات مرة ان تم تحقير مندوبي الـbbc عندما ذهبوا لإجراء مقابلة مع أحد المنومين المغناطيسيين.
ففي عام 1946م وكان التليفزيون في أيامه الأولى أخذ فريق من الـ bbc يجري مقبلة مع منوم مغناطيسي ,فقام الأخير بتنويم الفريق بإستثناء المخرج,وعندما طلب المخرج من الفريق متابعة العمل لم يتلق أية إستجابة لأن الجميع كانوا منومين,ومنذ ذلك اليوم أخذت الـbbc على نفسها عهداً بعدم نقل عروض مباشرة عن التنويم المغناطيسي.
كما أن الممثلة الكوميدية والكاتبة “ليلى توملين” قالت: إنها نومت نفسها مغناطيسياً لكي تنهى كتابة سيناريو أحد افلامها بعد طول تعثّر.
-والشيء نفسه فعله الممثل”سيلفيستر ستالون ” لكي يتغلب على خجله – كما يقول- وليكتب سيناريو أفلام “رامبو” البالغة النجاح.

وكان بطل الملاكمة المعروف”محمد علي كلاي” يلجاأ إلى نوع من التنويم المغناطيسي الذاتي كإجراء نفساني قبل مباراياته.

تعود بدايات العلاج بالتنويم المغناطيسي إلى أبي الطب المصري القديم”امحوتب” وذلك سنة 2850 قبل الميلاد ,حيث كان يستخدم في مدرسته الطبية ومستشفاه بمدينة”منف” طريقة تشبه الإيحاء للوصول إلى المخزن السري”العقل الباطن” بأن يترك مرضاه ينامون سواء كان نومهم طبيعياً أو عن طريق تناول النباتات المخدرة، ثم يجعل الكهان يرددون على أسماء هؤلاء المرضى النائمين عبارات إيحائية لتتسلل إلى أحلامهم وتلعب دوراً إيحائياً في حفزهم على التعافي من أمراضهم التي يعانون منها.

وفي اليونان إشتهرت بعض المؤسسات المتصلة بمعبد”أسكولاب” إله الطب عندهم بمعالجة المرضيى بواسطة الرقاد ,وكان يتم ذلك بواسطة وضع المريض إصطناعياً بحالة نعاس كلي فيصبح شديد التأثر بالإيحاء مما يساعد على الشفاء.

لقد شاع دخول الناس في حالات من الغيبة أو الترانس منذ آلاف السنين وكانت تعتبر كنوع من التأمل والعلاج من قبل الكهنة. لقد ذكر الطبيب المشهور ابن سينا الغيبة منذ عام 1027، ولكن كانت هذه الطريقة نادرة الاستعمال طبيًا.

وقام باحياء هذه الطريقة الطبيب النمساوي”فرانز انطون ميسمر” 1774م الذي كان يعمل في فرنسا وكان متخصصاً في دراسة الاجرام السماوية على الحياة البشرية إلا انه فيما بعد اصبح مهتماً بدراسة ظاهرة المغناطيسية,وقد لاحظ أن تعريض المريض للمغناطيس يؤدي إلى تخفيف شكواه بدرجة كبيرة ,

في عام 1842م جاء عالم لنفس الإسكتلندي العنيد جيمس برايد الذي توصل إلى تنويم مرضاه بجعلهم يركزن أبصارهم على ضوء يوضع أمام أعينهم
ولقد شبه “برايد” حالة مرضاه كمن يمشي وهو نائم وأطلق على عمله -لأول مره- عبارة “التنويم المغناطيسي”

وبالرغم من أن السلطات البريطانية رفعت في عام 1988م الحظر الذي كانت قد فرضته قبل 36 عاماً على التنويم المغناطيسي,فإن ملاحقة الشرطة للمنومين المغناطيسي لم تتوقف لا في بريطانيا ولا في سواها من البلدان.
فالطفل الذي يلعب بألعابه الالكترونية ولا يسمع نداء والديه هو في حالة تنويم، ومعظم العباقرة مثل موتسارت واينشتاين ونيوتن وغيرهم كانوا في حالة استغراقية تنويمية عندما اكتشفوا وألَّفوا ما فعلوه.وهناك فرق بين التنويم والتأمل :فالتنويم يتم بهدف تغيير سلوك أو فكرة والتركيز فيه يكون على هذا الهدف فقط.
التنويم ليس نفس العلاج التنويمي Hypnotherapy، فالعلاج التنويمي يدخل ضمن العلاج النفسي الذي يستعمل التنويم كجزء من العلاج من أجل استحضار أحداث من الماضي يعتقد أنها تلعب دورًا هامًا في الأفكار، المشاعر والتصرفات الحاليَّة.التنويم ليس بالنوم، فرغم أن كلمة تنويم أو Hypnosis قد أتت من كلمة نوم باليونانية Hypnos إلا أنه يوجد اختلافات بيِّنة، ففي التنويم، يمكن أن يكون الشخص مغمض أو فاتح العينين، غالبًا ما يكون الجسم مسترخيًا ولكن يمكن الاقتراح أن يكون متشنجًا، كذلك في التنويم يسمع الشخص صوت المنوِّم بعكس النوم، وفي التنويم تكون هناك قدرة هائلة على التركيز بعكس النوم، وتحوي أمواج الدماغ الكثير من أمواج ألفا، التي تكون شبه غائبة في النوم. خلال النوم، نفقد العقل الواعي، بينما في التنويم، نكون يقظين ومهتمين بالمغامرة العقلية التي نمر بها.
عادة ما تكون الجلسة التنويميَّة على الشكل التالي:
1- التحضير Introduction أو اللقاء مع الشخص ومحاولة فهمه ومعرفة أفكاره وتصرُّفاته وإعطائه فكرة عن التنويم ومعرفة ما إذا مرَّ بتجارب تنويميَّة سابقة. كل هذا يتمُّ طبعًا في جو هادئ بعيد عن الضوضاء.
2- التحريض التنويمي Hypnotic Induction ومحاولة الدخول في حالة متغايرة من الوعي. يتمُّ التحريض التنويمي Hypnotic Inductionمن خلال إعطاء مجموعة من التعليمات والاقتراحات البدئية، التي تضع ذلك الشخص في حالة استرخاء وغيبوبة.
3- تعميق التنويم وحالة الغيبة Trance، وتتمُّ عن طريق زيادة حالة الاسترخاء والهدوء العصبي، وبالتالي تفتح المجال أمام الاقتراحات التي تأتي ما بعد التنويم من أجل تغيير عادات وتصرفات معيَّنة أو تقوية تصرُّفات أخرى.
4- الاستيقاظ من التنويم أو إنهاء التنويم: عادة ما يكون بسيطًا ومباشرًا، ويتمُّ عن طريق الرجوع المباشر إلى حالة الوعي الكامل.
لكننا كثيرا مانرى الطبيب النفسي كإنسان مضطرب نفسيا او مجنون أو مختل عقليا، في حين انه يحلل سلوك من أمامه ويتعرف على نفسيته بوضوح!.. والحقيقة ان السبب وراء ذلك هي السينما المصريه:
ففي فيلم (الملاك الظالم) للمخرج حسن الإمام انتاج عام 1954 يظهر الطبيب النفسي في صورة شخصية عاقلة جدا تشرح مفهوم المرض النفسي للمشاهد بشكل مبسط واقرب مايكون للواقع.
وفي فيلم (بئر الحرمان) للمخرج كمال الشيخ انتاج عام 1969 يظهر محمود المليجي في شخصية الدكتور “طلعت” الطبيب النفسي الذي كان يعالج “ناهد” أو سعاد حسني من حالة فصام تسببت في انها تظهر للناس بشخصيتين.
وفي فيلم (خلي بالك من عقلك) للمخرج محمد عبد العزيز انتاج عام 1975 يقدم لنا جلال الشرقاوي شخصية الدكتور النفسي بصورة عاقلة ويتعامل مع المشاكل بكتير من الجدية والحزم!.. فنجده مثلا يرفض اندماج الطلاب مع المرضى الا لدراسة الحالات طبعا، ايضا يرفض منهم اي صورة للتعاطف مع الحالة وكان يستخدم العلاج الكهربي كعقاب للمريض غير المطيع، لكنه في النهاية اقتنع بوجهة نظر عادل امام في تغيير طريقته في التعامل مع المرضى.
وفي فيلم (اسف على الأزعاج) للمخرج خالد مرعي انتاج عام 2008 يظهر سامي مغاوري في شخصية الدكتور النفسي اللي جاء لـ(يدردش) مع المريض الذي رفض العلاج، ولكن المريض الذكي والذي كان مصابا بالفصام يدرك الموضوع ويسبب احراجا لأهله وللدكتور.
في فيلم (المنزل رقم 13) انتاج عام 1952.. قدم لنا المخرج كمال الشيخ محمود المليجي في دور الطبيب النفسي حيث كان يستخدم التنويم المغناطيسي في اخضاع المريض لسيطرته ويتحكم فيه كاملا ويدفعه لإرتكاب جريمة قتل لصالحه!.. وهذه طبعا جانب من جوانب الشر في شخصية الطبيب النفسي اللي قدمتها السينما.
وفي دور مشابه قدم لنا المخرج السيد بدير شخصية الدكتور النفساني المجرم في فيلم (نصف عذراء) انتاج عام 1961 عندما ظهر محسن سرحان وكان طبيبا نفسيا مصاب بعقدة دفعته لأن يستخدم علمه في السيطرة على زينب المريضة التي يعالجها والتي كان ايضا يحبها.
وفي فيلم (كده رضا) للمخرج أحمد جلال انتاج عام 2007 ظهر خالد الصاوي في شخصية الدكتور “سليمان” واللي كان يستغل المرضى المترددين على عيادته في القيام بعمليات نصب لصالحه.
وفي فيلم (عروس النيل) للمخرج فطين عبد الوهاب انتاج عام 1963 ظهر لنا الدكتور شديد بهيئته المضحكة كالعادة. وفي فيلم (عصابة الدكتور عمر) يقدم لنا كلا من مصطفى قمر ولطفي لبيب صورة كوميدية من الطبيب النفسي الذي يعالج مرضاه الذين كانوا بيعانون من “الفوبيا” بطريقة الصدمة النفسية.
وختاما نستطيع القول إن التنويم موضوع شائق جدًا، لكنَّه ما يزال تحت الكثير من التدقيق والتمحيص، ولا يزال غير معترف به من جميع الأوساط العلميَّة بما فيها بعض علماء وأطباء النفس. له أحيانًا الكثير من الفوائد، خاصة في مجال الألم وتغيير بعض العادات السلبية، ولكن ما يزال مشكوكًا فيه في العلاج النفسي، وإن كان بعض الأشخاص يذكرون فائدة كبيرة منه.