الجمال في القرآن والسنة

بقلم د/محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، خلق كل شيء فجعله في أجمل صورة وأبهي وأرقي مثال، فجمله وحسنه وقومه وزينه فله المحاسن كلها دقيقها وجليلها، ثم الصلاة والسلام على خير خلقه وخاتم رسله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فإن الجمال من القيم الثابته، فالعين الصحيحة لا تبصر إلا كل جميل ، وكلما رأت عددت من صنوف الجمال والحيوان مالا تبصره عين محدودة قاصرة لا تري إلا ما هو تحت قدمها. 

ولذلك العين القاصرة لا تبصر الكثير من الجمال حتي وإن كانت فيه .

وتجد اهتمام القرآن الكريم بالحاسة الجمالية والتذوق الجمالي عند الإنسان واضحاً جلياً.

 وكان لوصف الجنة عنوان بل إن شئت فقل عناوين براقة للجمال والحديث عنه.

أولا:حديث القرآن عن الجمال:

تجد أن الله تعالي في حديثه عن الخلق لم يقتصر الحديث عن حكمة خلق الأشجار والنباتات والثمار على الفوائد الحيوية المعروفة والتي سرعان ما يصل إليها العقل الفطري السليم من كونها غذاء للإنسان والحيوان، أو رئة تتنفس بها البيئة وهو أمر لا يحتاج لمزيد جهد أو تعب بل دائما ما يغوص في العمق البعيد.

 ، فتجد أن الله أشار في كتابه الكريم إلى وظيفة أخرى لا تقل أهمية عن ما سبقها والتي تُؤَدِّيها الأشجار والحدائق في حياة الإنسان ووجدانه، وهي تلك البهجة والنشاط والحيوية التي تبعث في القلب والنفس والعين .

، فقال تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [سورة النمل، الآية: 60].

والمتأمل في هذه الصبغة الجمالية واللون الجمالي الجذاب يجد أن الحال التي تُمَيِّز الطبيعة على اختلاف مُكَوِّناتها ليست إلاَّ تطبيقًا لقاعدة عامَّة أَقَرَّها الله تعالى في كل ملمح من ملامح الكون، كما أَحَبَّ لعِباده أن يتخلَّقُوا بها؛ تلك هي (قاعدة الجمال) والتي تسير مع الكون كله علوه وسفله .

 فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْـجَمَالَ”

[مسلم: كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه (91)، وأحمد (3789)، وابن حبان (5466)، والحاكم (68)].

ومما يأخذ النظر وجماله في القرآن الكريم كثرة الحديث عن الشجر والثمار والجنات فمن خلال البحث والإستقرار نجد أنه قد ورد لفظ شجر بمشتقَّاته في القرآن نحو 26 مَرَّة.

، وكذلك وردت لفظة ثمر بمشتقَّاتها 22 مَرَّةً.

، وقد ورد لفظ نبت بمشتقاته 26 مَرَّة.

 وذُكِرَت لفظة الحدائق 3 مَرَّات.

، أمَّا الجنة مفردة ومجموعة فقد وردت 138 مَرَّة.

وهذا كله له دلالة واحدة لا ثاني لها أن الجمال قيمة أساسية ثابتة ذاتية المبني والمعني وهي حولنا في كل مكان في الشجر والزروع والنباتات والحيوانات وكل ما حولنا مصدر جمال وبهجة وللعين أن تفرح بهذا الجمال.

ونجد أن القرآن الكريم عندما يعرض في حديثه عن الأشجار والثمار من حيث أنها هي طعام للإنسان والأنعام، يأتي ذلك العرض في سياق لافت لجمال المنظر، ومن ذلك قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْـمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [سورة عبس: 24-32].

من حديث القرآن الكريم عن خلق الإنسان، قال تعالى بعد أن وصف مراحل الخلق التي مرّ بها الإنسان:{ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} [سورة المؤمنون، الآية :14)

، ولا شكّ في أنّ مخلوقاً لأحسن الخالقين يكون على أرفع مستوى من الجمال والإتقان.

وهُناك آيات تتحدث عن ظواهر الجمال في خلق الإنسان، وهي تتمثّل في التسوية، والتعديل، والتقويم، فيقول تعالى:{يا أيُّهَا الإنسانُ ما غرّك بربِّك الكَريم* الذي خلقك فسوَّاك فعدلك* في أيّ صورة ما شاء ركّبك} [سورة الانفطار، الآيات:6ـ8]

، ويقول جلّ وعَلا: {لّقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ في أحسَنِ تَقْوِيم} [سورة التين، الآية:4].

وفي حديثٍ عن الجمال في السموات والأرض يقول سبحانه: {بديعُ السَّمواتِ والأرضِ} (الأنعام:101}، ومعنى هذا تأكيد جوانب الإبداع في أنحاء الكون الكبير.

وفي موضع عظيم يقدّم القرآن صوراً بديعة من جمال الكون، بُرهاناً على البعث، فيقول تعالى: {أفَلَم ينظُروا إلى السَّماء فَوقَهم كَيفَ بَنينَاهَا وزَيّناهَا وما لها من فروج* والأرضَ مددناها وألقينا فيها رَواسِى وأنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوجٍ بَهِيج* تَبصرةً وذِكرَى لِكلِّ عَبدٍ مُنيب* ونَزّلنَا مِنْ السَّمَاء مَاء مُبَارَكَاً فَأنْبَتْنَا بِه جَنّاتٍ وحَبّ الحَصِيد* والنَّخلَ بَاسِقَات لَهَا طَلعٌ نَضِيد* رِزقَاً للعِبادِ وأحْيَيْنَا بِه بَلدةً ميتاً كذلك الخروج} [سورة ق، الآيات:6ـ11).

فمن مظاهر الجمال التي أبرزتها الآيات كلمة: {وزيّناها} ممَّا يجعل الزينة ـ وهي من أبرز عناصر الجمال ـ عنصراً في بناء الكون، وكذا قوله تعالى: {وما لها من فروج}، والاتساق والتكامل من مظاهر الجمال، وكذا قوله تعالى:{من كل زوج بهيج} ـ {حبّ الحصيد} ـ {والنخيل باسقات} ـ {طلع نضيد}، وهذه العبارات كُلها تصوّر أنماطاً من الجمال لها مغزاها الكبير.

وهذه الصّور الجمالية في الكون العظيم تردّدت في عدّة آيات، منها قوله تعالي: {الذي خَلَقَ سَبعَ سَمواتٍ طِباقَاً مَا تَرَى في خَلقِ الرَّحْمَنِ من تَفاوُت فارجِع البَصَرَ هَل تَرَى مِنْ فُطُور* ثم ارجِعِ البَصرَ كرَّتين يَنقلِبُ إليكَ البَصُرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِير* ولقد زيّنا السماء الدُّنيا بمَصابيحَ وجَعلنَاها رُجُومَاً للشياطين} [سورة الملك، الآيات:3ـ5]

فتناسقُ الخَلقِ، والتنائي عن العَيب، مظهرٌ أصيلٌ للجمال، وتزيين السماء بالنجوم يجعل الجمال هدفاً في الخلق، أشارت إليه الآيات من سورة ق، وأوضحته الآيات من سورة المُلك، كما ذكرته أيضاً هذه الآية: {إنّا زينّا السماء الدنيا بزينة الكواكب* وحفظاً من كل شيطان مارد} [سورة الصافات:6،7]

ومن جمال الحياة الثياب؛ يلبسها الإنسان فتستره وتُجمّله، يقول تعالى: {يا بَنِي آدم قد أنزلنا عليكم لِبَاسَاً يُوارِي سُوءاتِكُم ورِيشَاً ولباسُ التَقوَى ذَلك خيرٌ} [سورة الأعراف، الآية :26]

وزاوية وبعد آخر للجمال في تصوير الجنة:

، فقد كان لتصوير القرآن الكريم والسُّنَّة المطهَّرة للجنَّة، بما تحتويه من مُتَعٍ حسِّيَّة ومعنويَّة، كان لتلك العوامل مجتمعة أثرٌ قوي في دفع المسلمين لمحاكاة هذا التصوير المثالي في التعامل مع البيئة.

تجد من مشاهد الجنة في القرآن الكريم قوله تعالى:

{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْـجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْـمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الْإِحْسَانُ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْـخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} [سورة الرحمن: 46-76].

وانظر لجمال القرآن في حديثه عن الدواب 

 ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾.

[سورة النحل، الآية: 6]

جاء في الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ ﴾ زينةٌ ﴿ حِينَ تُرِيحُونَ ﴾ تردُّونها إلى مَراحها بالعشايا ﴿ وحين تسرحون ﴾ تخرجونها إلى المرعى بالغداة.

وجاء في تفسير البغوي “معالم التنزيل”: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ، زِينَةٌ، حِينَ تُرِيحُونَ، أَيْ: حِينَ تَرُدُّونَهَا بِالْعَشِيِّ مِنْ مَرَاعِيهَا إِلَى مَبَارِكِهَا الَّتِي تَأْوِي إِلَيْهَا، وَحِينَ تَسْرَحُونَ، أَيْ: تُخْرِجُونَهَا بِالْغَدَاةِ مِنْ مَرَاحِهَا إِلَى مَسَارِحِهَا، وَقَدَّمَ الرَّوَاحَ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تُؤْخَذُ مِنْهَا بَعْدَ الرَّوَاحِ، وَمَالِكُهَا يَكُونُ أَعْجَبَ بِهَا إِذَا رَاحَتْ

ويقول الله تعالى (وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)[سورة النحل، الآية:8]

والزينة : اسم لما يتزين به الإِنسان .

قال القرطبى : ” هذا الجمال والتزيين وإن كان من متاع الدنيا ، إلا أن الله تعالى – أذن به لعباده ، ففى الحديث الشريف : ” الإِبل عز لأهلها ، والغنم بركة ، والخيل فى نواصيها الخير ” خرجه البرقانى وابن ماجة فى السنن ” .

والمعنى : ومن مظاهر فضله عليكم ، ورحمته بكم ، أنه خلق لمنفعتكم – أيضا – الخيل والبغال والحمير ، لتركبوها فى غزوكم وتنقلاتكم ، ولتكون زينة لكم فى أفراحكم ومسراتكم

ويقول الله تعالي:{يا بني آدم خُذُوا زِينَتكِم عند كُلِّ مَسجدٍ وكُلُوا واشرَبُوا ولا تُسرفُوا إنّه لا يُحبُّ المُسرفين. قُل مَن حرّم زينةَ اللهِ التي أخرجَ لعبادِهِ والطَيِّبَاتِ مِن الرِزق قُل هِي للذين آمنُوا في الحياةِ الدُّنيا خَالِصَةً يومَ القيامة…} [سورة الأعراف، الآيات:31،32).

 إنّ البيان القرآني يعرض الجمال عنصراً أساسياً في بناء الكون، ودعامة من دعامات الدين الحقّ وشريعته السمحة.

وجاء الحديث عن الصبر الجميل في موضعين، كلاهما في سورة يوسف،

 {1} على لسان نبي الله يعقوب عليه السلام، وقد جاءه أبناؤه يخبرونه بأنّ يوسف أكله الذئب، وبرهنوا على قولهم بدمٍّ كذب على قميصه، وبرغم الفاجعة الرهيبة على قلب الأب المؤمن واجه الأمر بأناة بالغة، وثقة عظيمة، جعلته يحسّ أنّ الأمر على غير ما صوّر أبناؤه، وتذرّع بالصبر الجميل، يقول تعالى على لسانه: {قال بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبرٌ جميلٌ والله المستعان على ما تصفون} [سورة يوسف، الآية:18].

{2} على لسان نبي الله يعقوب عليه السلام أيضاً، عندما جاءه نبأ احتجاز ابنه الثاني في سجن العزيز بمصر، وبرُغم تتابع المحنة، وعمقها في وجدان الشيخ الرسول، لكن مايزال للصبر الجميل الغلبة على مشاعره، فقال: {بل سوّلت لكم أنفسُكم أمراً فصبرٌ جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنّه هو العليم الحكيم} [سورة يوسف، الآية:83}.

ومن أجمل أنواع الصفح ، فقال تعالى: {وما خَلَقنَا السَّمواتِ والأرضَ ومَا بَينهما إلاَّ بالحقِّ وإنّ السَّـاعةَ لآتيةٌ فاصفَحِ الصَّفـحَ الجميل} [سورة الحجر، الآية :85}.

والصَّفحُ في حدِّ ذاتِه جَميل، وعندما يتّصف بالجمال يكون صفحاً لوجه الله، لا يجعله صاحبه حديثاً يُذكر به بين النَّاس.

وانظر إلي إساءة المشركبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع كل هذا نجد أن الله تعالى قد أمر في معاملتهم بالهجر مع الصبر، والهجر قد يتنافى مع مُهمّة الداعية، لكن الهجر الذي أمر الله به نبيّه الهجر الجميل الذي يُشعر المهجور بسوء تصرّفه، وضلال سعيه مع استبقاء البرّ به والودّ له، فقال تعالي:{واصبر على مايقولون واهجرهم هجراً جميلاً} [سورة المزمل، الآية:10]

وتجد في سراح المرأة وهو الطلاق، وهو أبغض الحلال إلى الله، لكنَّه مع وقعه الأليم على النفس عندما يقترن بالجمال نحصل على ثمراته، وننأى عن سوءاته، ويَجْمُل السراح عندما تفارق المرأة بيت الزوجية من غير غبن، أو قهر، أو انتقاص للحقوق، بعيداً عن البغي والعدوان.

وذُكرَ الله السراحُ الجميل مرَّتين في مُحكم التنزيل، وكلتاهما في سورة الأحزاب،

 أولاهما: في تخيير النبي لزوجاته عندما سألنه التوسعة في النفقة، فقال ربُّ العالمين لنبيّه: {يا أيها النبي قُلْ لأزواجِكَ إن كُنتنّ تُردنَ الحياةَ الدُّنيا وزينتَها فتَعالَين أُمتِعُكن وأسرّحكم سراحاً جميلاً} [سورة الأحزاب، الاية:28]

وثانيهما: مطالبة الأزواج الذين يطلّقون الزوجات قبل الدخول، بأن يمتّعوا الزوجات، والمُتعة كسوة ملائمة لمكانة المرأة ومستواها الاجتماعي، ثم السراح الجميل دون بغي على الحقوق، وتعقب بالإساءة، فقال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسّوهن فمالكم عليهن من عدّة تعتدّونها فمتِعوهُن وسرِّحوهُن سَراحَاً جَمِيلاً} [سورة الأحزاب:49].

وعندما تقف على الجمال في السنة النبوية تجد:

تري أبعاد هذا الجمال وكأنك تعيش فيه لأنه وصف حي للجنة نسأل الله أن نكون من سكانها.

 فعن أبي هريرة قال: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، حَدِّثْنَا عَنِ الْـجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: “لَبِنَةُ ذَهَبٍ وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ، وَمِلاَطُهَا الْـمِسْكُ الأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلاَ يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلاَ يَمُوتُ، لاَ تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلاَ يَفْنَى شَبَابُه”[أحمد (8030)، وقال شعيب الأرناءوط: صحيح بطرقه وشواهده.].

وجاء عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إِنَّ لِلْـمُؤْمِنِ فِي الْـجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا سِتُّونَ مِيلاً، لِلْـمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْـمُؤْمِنُ فَلاَ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا”[ البخاري: كتاب التفسير، باب تفسير سورة الرحمن (4598)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفة خيام الجنة وما للمؤمنين فيها من الأهلين (2838)، واللفظ له].

وكذلك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ فِي الْـجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لاَ يَقْطَعُهَا”[البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (3079)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها (2827).].

وعن أنس أن رسول الله r قال: “بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْـجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْـمُجَوَّفِ، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. فَإِذَا طِينُهُ أَوْ طِيبُهُ مِسْكٌ أَذْفَرُ[ مسك أَذفر: أَي طيب الريح. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادَّة ذفر 4/306.

البخاري عن أنس بن مالك: كتاب الرقاق، باب في الحوض (6210)، وأحمد (13012)].

فالحقيفة هو الجمال حسبك أن تكون جميل تري الوجود بأكمله جميلا