أخبارالسياسة والمقالات

الحرب العالمية الثالثة تطرق أبواب أوروبا

الحرب العالمية الثالثة تطرق أبواب أوروبا

بقلم : يوحنا عزمي

اليوم تقف أوروبا والعالم مع التطورات الأخيرة التي طرأت علي مجريات الحرب الأوكرانية في موقف بالغ الخطورة والتعقيد مع تزايد الإحتمال بأن تعمد دول حلف الناتو إلي تصعيد دورها في
هذه الحرب من التدخل غير المباشر إلي التدخل المباشر فيها بقواتها البرية لتحارب إلي جانب أوكرانيا لمنع روسيا من إحراز إنتصار استراتيجي حاسم في هذه الحرب ..

وهذا التصعيد الخطير قد يخرج عن السيطرة ويشعل حربا نووية عالمية سوف تكون فيها نهاية العالم وليس الدمار الشامل لأوروبا فقط .. ولا يخفي ، ان دول الناتو الأوروبية لا يمكن ان تقدم علي هده الخطوة التصعيدية الخطيرة إلا إذا كانت قد حصلت علي موافقة أمريكا المسبقة عليها ، بل الإحتمال الأرجح هو ان تكون
هي نفسها التي اقترحتها لترهيب روسيا وارغامها علي التوقف والحرب الأوكرانية تمر حاليا باخطر منعطفاتها وتنذر بإلحاق هزيمة عسكرية قاسية لأوكرانيا ولحلف الناتو بعد كل ما قدمه إليها من مساعدات عسكرية ولوجيستية ومعلوماتية واقتصادية . الخ.

والأمر المدهش في هذا التصعيد المحتمل ، والذي لم يعد مستبعداً إذا ما تحرجت الأوضاع القتالية اكثر علي الأرض لغير صالح اوكرانيا ، والذي تقدم تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون مؤشراً عليه ، هو ان يحظي هذا التصعيد بدعم إدارة أمريكية تحزم امتعتها وتوشك علي الرحيل بعد سلسلة من القرارات الخاطئة التي فجرت بها العديد من بؤر الصراع الساخنة في العالم في حين كان بمقدورها ان تتعامل معها وتديرها بتعقل اكبر ، وبحسابات سياسية اكثر مرونة وواقعية ، وبدبلوماسية توافقية هادئة ومتوازنة مع غيرها من القوي الكبري في العالم وفي مقدمتها روسيا والصين وان تكرس جهودها من اجل حل الكثير من المشكلات الدولية الضاغطة والملحة بعيداً عن سباقات التسلح والحروب والصراعات المسلحة التي تهدر للعالم طاقاته وتستنزف موارده وقدراته في ما لا جدوي منه كما فعلت حرب أوكرانيا وغيرها من الصراعات المسلحة هنا وهناك وكان لأمريكا ضلع كبير فيها ..

اعلان

كان بامكانها ان تفعل ذلك واكثر منه ، لكنها اختارت الطريق
الصعب المحفوف بكل أشكال المخاطر والتهديدات. وهو الطريق الذي وجدت فيه نفسها وتصورت أنه هو الذي سيعيد لأمريكا قيادتها للعالم ليبقي عالم القطب الواحد .. وكأننا ما زلنا في مطلع التسعينات وان دورة الزمن قد توقفت عند هذه اللحظة من التاريخ.

وكمثال لاخطائها الجسيمة التي ورطت العالم معها في صراعات مسلحة لم يكن ثمة ما يدعو إليها ، هو هذه الحرب الأوكرانية نفسها .. إذ كان عليها ان تدرك من البداية وقبل نشوبها بالعملية العسكرية التي بادرت روسيا اليها ، مخاوف روسيا المتصاعدة وحساسياتها الأمنية الشديدة باقتراب حلف الناتو من حدودها
من خلال نظام يناصبها العداء في أوكرانيا ويرتمي في أحضان الغرب ، ويقاتل من اجل الإنضمام إلي حلف الناتو وفتح أراضيه أمامه لينصب قواعده النووية فيها في تهديد مباشر لأمن روسيا القومي وليقلب لها اولويات استراتيجيتها الأمنية في أوروبا وعلي الصعيد الدولي كله رأسا علي عقب ..

وكان يمكن لإدارة الرئيس الأمريكي بايدن احتواء الموقف المتفجر مع الناتو حول أوكرانيا وتهدئته مع روسيا بالطرق الدبلوماسية الودية او التوافقية ، لكنها لم تفعل وآثرت المواجهة التي كانت بدايتها منظومة من العقوبات الصارمة التي هدفت إلي لف الحبال حول رقبة روسيا لخنقها والتعجيل بانهيار نظام الرئيس بوتين وبمعني آخر ،، فإنها بدلا من التهدئة ، بالغت عامدة في تصوير خطر روسيا علي الأمن الأوروبي قاصدة من ذلك إستعادة زعامتها لتحالف الناتو ولراب الصدع الذي احدثته سياسات سلفه ترامب
في جدار العلاقات الأمريكية الأوروبية بتشكيكه المستمر في التزام أمريكا بالدفاع عنهم لعدم وفائهم بما كان يجب عليهم الالتزام به من اعباء مالية بالأساس ..

اعلان

ومن هنا جاءت الحرب في أوكرانيا لتحقق لإدارة الرئيس بايدن هدفه ، وبدأ هذا واضحا تماما في المراحل الأولي من هذه الحرب حيث وصل التحالف الأمريكي الأوروبي فيها ذروته ثم اخذ في التراجع مع تعثر أداء أوكرانيا فيها وفداحة الأعباء العسكرية والاقتصادية التي ألقتها الحرب الأوكرانية علي عاتقهم علي حساب شعوبهم وأولويات سياسات بلادهم الداخلية ، وهو ما اصبح من الصعب عليهم تحمله او مجاراة أمريكا فيه علي الرغم من ضغوطها المستمرة عليهم.

وبأختصار ، فإن الحرب الأوكرانية تقف حاليا في مفترق طرق
بين خيار البحث الجاد عن حلول دبلوماسية مرنة وواقعية تنهيها وتخمد نيرانها ، او الاندفاع في مسار التصعيد الذي قد يلقي بالجميع في محرقة نووية رهيبة لن ينجو منها احد ..

ولا اعتقد ان لدي الإدارة الأمريكية الحالية من الشجاعة السياسية والأدبية ما يحفزها علي المبادرة إلي إتخاذ الخطوة الأولي نحو البحث عن سلام يعيد إلي العالم بعضا من هدوئه وتوازنه واستقراره ، فمن اشعل حربا في أوكرانيا وبعدها حربا في غزة
هو آخر من نتوقع منه ان يقوم بهذا الدور.

زر الذهاب إلى الأعلى