الحصن

138

كتبت مايسه امام
بين مواجيد الكون جعل الله قوما ملكهم من مقاليد الحياة ما لم يملكها قوم سواهم فكان لهم من الما ل ، والسلطة والجاه والمتع والملاذ ذخائر حتى نهاية عمرهم وتقلبوا بين هذا وذاك وتلك وفملك من ملك وعمل من عمل وساد من ساد وتسيد من تسيد وبين الدرجات والطبقات فروق متفاوتة لحكمة إلهيه لا يعلمها إلا الله كما لا يدرك مكنون النفوس إلا هو فأعطى كل منهم مايراه ملائما له من العطايا وحرمه من غيرها
ذات يوم حل بأرضهم لعنة أصابت الصحيح منهم والمريض فصارت تحصد الأرواح حصدا بلا رحمة فجعل الأغنياء منهم لنفسهم بقعة من الأرض جعوهاحصنا أحاطوه بسور عالى كالقلاح الحربية جمعوا فيه أسرهم وذويهم وأموالهم خوفا من وصول اللعنة إليهم وتركوا ماتبقى من القوم خارج حصنهم خوفا من العدوى وتمر الأيام والأمر يزداد سوء والجثث تتهاوى كالهوام حتى لم يعد باأرض شبر لقبر .
وتزايد الزحف باللحود حتى صار يحيط بالحصن ومن فيه وغدا الخطر الذي فروا منه كقطيع الذئاب الجائع الذي يستعد لإلتهام الفريسة فاجتمعوا للتشاور في تلك الكارثة التي توشك أن تفتك بهم فكان من رأي بعضهم أن يرحلوا عن هذه الأرض الملعونة لم يعد من الخيربجوفها قدر الشر ، وأشار دونهم أن يعدوا آتونا ضخما نيرانه تبلغ عنان السماء يحرقون فيه الجثث بل ويلقون ما تبقى من أحياء بالخارج فلا يبقي غيرهم بالمكان وبذلك يتخلصون من اللعنة ومصابيها وظلت المناقشات والمداولات سجالا وعلا بينهم صوت الاختلاف وانقسموا على أنفسهم فققر البعض الرحيل وأعدوا عدتهم وتركوا المكان إلى مجهول لا يعلموه وقام أصحاب الآتون يحفرون ويجمعون الحطب من كل صوب وحدب لينفذوا ما عزموا عليه .
خارج الحصن كان هناك ماتبقى من العوام من الناس لا يملكون لأنفسهم من اللعنة منجى وقد فقدوا ذويهم وأهليهم وهاهم يرون علية القوم هرب منهم من هرب ومن بقي يعدونهم وجبة للنار فكانوا بين فكي الرحى وقد استنفذوا كل وسائل المقاومة ولم يعد لديهم إلا استقبال الموت ، حتى جاءهم صوت حكيم يقول : إذا كان من الموت بد فلنمت ميتة الشرفاء ولينهض كل منا ويعترف بخطاياه ويتوب إلى الله ويستغفره على ما جناه فلطالما عصيناه وأنكرناه نعمه وعطاياه حتى جاءنا مالا قبل لنا به التهم منا من التهم ومن بقي سيكون طعما للنار ، فهبوا جميعا طواعيه ينفذون النصيحة ويضرعون لله أن يرفع عنهم البلاء
وخلا ل ذلك كان سكان الحصن قد انهوا ما قد عزموا عليه وبدأوا يشعلون النيران حتى تعالى لهيبها وصارت كوحش جائع
فغر فاه ليلتهم كل ما يقع بين يديه وصوتها كزئير في ليل بهيم يقتلع القلوب رعبا وجمع اصحاب الحصن أولادهم وذويهم بعيدا عن الآتون لحمايتهم من هول المشهد والنيران ولم يتذكروا من رحلوا عن المكان وساروا الى المجهول في الصحراء فارين من اللعنة وهاهي سحب اللهب تطاردهم في الطريق كالجرذان وتملأ صدورهم بالدخان فيختنقون ويتساقطون صرعى الواحد تلو الآخر متناثرون كفراش مبثوث
إبتهالات المستغفرين تزداد وتعلو وهتافات طالبي العفو تشق الفضاء وصوت اللهب يزأر ويزأر وفجأة تهب رياح شديدة تحول إتجاه اللهب نحو المخابئ التى أعدها أصحاب الحصن لذويهم وهاهي النيران تلتهمهم بشراسة فيفزعوا لنجدتهم وإنقذ ما يمكن إنقاذه فيحترقون جميعا ويستمر المشهد المروع وتستمر الرياح في اجتياح المكان حتى تخمد النيران تماما ولا يبقى سوى من قال : غفرانك اللهم
*************