الثواب والعقاب بقلم محمد الدليمى

بقلم محمد الدليمى

الثواب والعقاب 

أحدثكم عن المبتدع في الدين ،

والذي جعل هواه شريعة ليقضي

 بها حياته، الدين الذي نفتخر

 بأنتمائه وعظمة رسوله صلى الله

 عليه وسلم وآله وصحبه

 أجمعين؛ ماهو إلا ثقافة للغة

 العربية ، الذي صقل ألفاظها

 وهذبها وجعل رونق اللغة يتألق

 في عليائه، أما الشريعة للإنسان

 فهي تدل على حضارته وثقافته

 التي يتسم بها أمام الأمم ، فلا

 يستنكف ( يستحي ) أحدنا من

 عبادة الله سبحانه على الشريعة

 الإسلامية أمام الأمم، ولا يجعل

 دينه عرضة للشر من قبل الأمم .

قال تعالى ( وبالحق أنزلناه

 وبالحق نزل وما ارسلناك إلا

 مبشرا ونذيرا وقرآنا فرقناه

 لتقرأه على الناس على مكث

 ونزلناه تنزيلا قل آمنوا به أو لا

 تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من

 قبله إذا يتلى عليهم يخرون

 للأذقان سجدا ويقولون سبحان

 ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا

 ويخرون للأذقان يبكون

 ويزيدهم خشوعا ) ١٠٥ – ١٠٩؛ – اتمنى التمعن بآيات الله سبحانه فإنها تتحدث عن العلماء القدامى الذين علموا تأويل آي القرآن لنفهم المقصود الحقيقي من المنشور – الدين سمة يلقي الإنسان بها ربه، وبها تعلم الجنة خاصية تلك السمة فتقبلهم مستبشرين لا غابرين . الدين والشريعة وضعا ضمن قانون متفق عليه بين الجنة والنار ؛ فالجنة تقبل من طابق عمله إلى النصف من الحسنات والنار تقبله عن النصف من السيئات ، فكلتا الحالتين منصوصتين ضمن آيات قرآنية أو ضمن البينات النبوية الشاملة من الأحاديث الشريفة ؛ قال تعالى ( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ) ١٢ يونس ؛ فالذي اتبع هواه وجعل الشريعة لدنياه اتبعته خاصية النار ، فلا تظن سفاهتك من الحسنى في شيء ، أو رعونيتك تنجيك من نار جهنم ، فنرى الأول السفيه يسفه نفسه في العطاء سواء معنوي أو مادي فيقعد ملوما مدحورا بعد نفاد كميات المعنوية أو المادية، فتتجلى قدرة الله سبحانه هنا التي قدرها في نفحات الشريعة لتنبه العبد فيما يفعل صح أم خطأ عدلا أم جرما . أما الثاني فيظن رعونيته من أنكار وجود الله أو عدم الإيمان بالشريعة ويجرم في كل شيء ليعيش في تلك الحياة ضنكا معتوه لا رجاء في اصلاحه ، فلا تنبيه له قال تعالى ( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين ) ١٣ يونس . وهكذا هي أسباب السماوات والأرض من عدل الله سبحانه ورحمته وعطفه على البشر ؛ فالسماء لا تمطر ، والأرض تزرع ولا تنبت ، والثمار لا يخرج إلا نكدا ، والأنهر تنخفض وتفيض في غير حينها، والبرد لا يأتي والصيف لا تنقطع حرارته، والأكل لا يسمن والجوع لا يكاد يشبع، والنفس لا تطمئن والحائر يؤتمن ، والغاضب مغتصب والضعيف مفجوع، والمتكبر مسرف ، والبخيل مقتطر ، الأم ليس لها حنين ، والطفل ليس له أم ، والرجل ليس له سكينة ، والمرأة ليس لها ستر ، والخوان سيد القوم ، والجبان رعيلهم، والسارق مؤتمنهم، والقاتل حكمهم، والمفجوع حكومتهم، فأيكم بعد ذلك المفتون ؟ كل هذه الصفات سبب ظهورها المتفيهقون ، الذين جعلوا هواهم شريعة ودينهم بدعة، فالجنة تدعو الأسباب لتضلهم عنها قال تعالى ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ) ١٥٨ الصافات ؛ والنار تدعو الأسباب لتأتي بهم إليها قال تعالى ( وبرزت الجحيم للغاوين ) ٩١ الشعراء ؛ وليس للإنسان إلا ما سعى ، قال تعالى ( فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ياأيها الناس إنما بغيكم على إنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ) ٢٣ يونس ؛ فلا تقرن نفسك بالهوى ولا تبتدع فتسقط .
اللغة العربية هي محراب الشريعة فكيف تخطأ قبلتك بعدها، قال تعالى ( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) ٢ يوسف ؛ أم كيف تظل الضلالة بالهدى ، فلا تطعم أحدا وأنت تريد الفساد ، ولا تنشر صلاحا بتجمعا وأنت تريد الفاحشة، ولا تقرأ القرآن الكريم لتقرب إليك فريستك، ولا تدعو بالهداية وحب الرسول وأنت تريد بغضه وكراهته ، فلا تبكي وتتباكى لحب رسول الله والخشوع من آيات الرحمن وأنت تريد بها فسادا في الأرض .
اللغة العربية ليست كباقي اللغات ، هي لغة التخاطب ومعرفة الغرض الذي نطلبه من ذلك التخاطب ، ولكن لها خاصية أخرى هي الضمير الذي في نفسك ، هي توحي للناس من خطابك صدقك أو كذبك وكل على ناصيته فأن كنت من المنافقين سيكذب أحساسك وتصدقه وما في داخلك سيقف مكتوف الأيدي قال تعالى ( ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ) ٥ هود ؛ وإن كنت صادقا عظيما في الدين ، ستكشف لغته ما كان في داخله من كذب ونفاق فاللغة إيحاء بعد التخاطب ولن تجد ذلك في لغة أخرى. قال تعالى ( ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) ٥٧ يونس .
المتفيهق ،أو المستهتر ،أو المنافق ، هؤلاء أخطر على الدولة من العدو الخارجي لو نظرنا نظرة تاريخية سبب سقوط الخلافة الأموية وهي في قمة رونقها وعنفوانها ، سنكتشف ظهور جانب كبير من المتفيهقين من دون محاسبة فيظهر بعدهم المستهزئين ومن ثم المرائين، ولو أمعنا النظر في سقوط الدولة العباسية سنجد تلك الحملات كانت سببا سقوطها، ولنمعن النظر ببصيرة ما بين الخلافتين وبين الخلافة الأموية في الأندلس سنجدها في عظمتها واقفة راسخة بسبب حرصهم ومبادئهم التي بنيت على ذلك ، وعندما دخل المتفيهقون عليهم افسدوا رحالهم وترحالهم واضاعوا ما وقف عليه الأباء والأجداد .
وتجدر الإشارة هنا إلى إن المبتدع في الدين ، أوالمتفيهق به ، هم رأس الحربة للعدو الخارجي .
وأن لا ننسى للجنة شريعة تدعو من آمن وعمل بشريعتها ، والنار لها شريعة تدعو من أدبر عن شريعة الجنة ، فلأثنين حسابهما بالأسباب في الدنيا قبل الأخرة ؛ أما سعيدا وأما شقيا .