أخبارالسياسة والمقالات

الحوار الذي سينعقد في جدة برعاية أمريكية سعودية بين ممثلين الفريقين المتحاربين في السودان لا يبشر بالتفائل

بقلم : يوحنا عزمي
لا اعتقد عن قناعة راسخة ان الحوار الذي سينعقد في جدة برعاية أمريكية سعودية بين ممثلين عن الفريقين المتحاربين في السودان وهما الجيش الوطني السوداني وقوات الدعم السريع ، سوف يرتفع إلي مستوي التوقعات المتفائلة التي تملا الأجواء الآن ، والتي عبرت عنها اطراف هذا الصراع المسلح وغيرها من القوي المدنية والحزبية السودانية، متصورة ان لقاء جدة يمكن ان يفتح الطريق نحو تحقيق سلم مستدام في السودان واستقرار الأوضاع السياسية فيه إلي آخر ما جاء علي لسان اصحاب هذه التصريحات التي توالت تباعا من هناك خلال اليومين الأخيرين .. وكأننا امام الفرصة الأخيرة في ان يكون السودان اَو لا يكون.
وكما تعلمنا من خبرة التجارب الكثيرة السابقة مع هذه النوعية الصعبة من الحوارات التي تدور حول مثل هذه الموضوعات الشائكة والحساسة والمعقدة ، والتي تفضي تفاعلاتها إلي افراز
مثل هذه التوترات السياسية الساخنة ، وتفجر من الصراعات والأزمات والحروب الأهلية المسلحة ، ما يكفي لافشال دول وتفكيكها وتقسيمها ، اقول تعلمنا ان العبرة ليست بما يقال في البداية خاصا بالرغبة في التوصل لاتفاق يساعد علي تنقية الاجواء ، وهو ما قد يكون للتمويه والخداع والمجاراة ..
وإنما بما سوف يتم انتهاجه من مواقف فعلية في مناخ تفاوضي متوتر تتبادل فيه اطرافه ابشع الاتهامات ، ويفصلها عن بعضها
جدار سميك من المشاعر العدائية وانعدام الثقة ، وتغيب فيها القواسم المشتركة التي قد تساعد علي تجاوز الخلافات وتذليل الصعاب. وهو المناخ التفاوضي الذي سوف نري تجسيما واقعيا
له في لقاء جدة القادم. وهو ما قد يعجل ايضا بفشله وانتكاسه وربما بانهياره وإغلاق ملفه وباسرع مما نتصوره.
فلا الجيش الذي يقوده البرهان سوف يتنازل طواعية عن دوره كحامي وضامن لأمن السودان ، خاصة وهو يتعرض حاليا لخطر الانهيار والتفكيك ، وهو ما يعني انه لن ينسحب من الساحة السياسية ليقف علي هامشها بدلا من ان يكون في قلبها ..
والاقرب لأن يحدث هو أنه سوف يصر في جدة علي إطالة امد الفترة الانتقالية إلي ان يستقر الأمن وتهدأ الأوضاع ، وهذه الفترة الانتقالية قد تطول تبعا لمتغيرات الظروف الأمنية التي يصعب التكهن بتطور مجريانها ، ولا قوات الدعم السريع بقيادة دوقلو
علي الجانب الآخر ستقبل بتوصيفها من الجيش السوداني كجماعات متمردة خارجة علي الشرعيه ، ولا بطلب وزارة الخارجية السودانية من دول العالم تصنيف هذه القوات كمنظمة إرهابية ..
ولكنها سوف تصر علي الاعتراف لها داخل السودان وخارجه بوضعها كمكون أمني اساسي من مكونات البنية العسكرية
الدفاعية الشاملة للدولة السودانية .. وهو ما يعني انها سوف تتعامل مع الجيش السوداني رأسا برأس .. وعلي قدم المساواة
هو ما لا اتصور ان الجيش السوداني سوف يقبل به او يستسلم له.
وإذا كانت هذه هي أزمة المكون العسكري السوداني وانقسامه علي نفسه ، فإن أزمة المكون المدني لا تقل اهمية عنها .. فالقوي المدنية تفتقر إلي وجود رموز قيادية وطنية كبيرة قادرة علي استلام مهام الحكم في الحال ، وانقاذ السودان من الازمات والصراعات المسلحة التي تكاد تسحقه وتجهز عليه كدولة قابلة للحياة.
وهو ما تكفي معه التصريحات وحدها ، وانما يحتاج إلي رؤية سياسية واستراتيجية ثاقبة ، وفكر واقعي يجيد فن المواءمات السياسية ، وبرنامج عمل وطني واضح الأهداف والأولويات ، وقدرة فذة علي الحشد الشعبي والتاثير في قواعد الرأي العام السوداني بما يوفر القاعدة المطلوبة من الدعم اللازم لإحداث التحول المدني الديموقراطي الذي طال الحديث عنه ولم يتحقق منه شيئ حتي الآن.
ولا لقاء جدة سوف يتطرق فيما اتصور ، إلي مشكلات الأقليات والمناطق المهمشة في دارفور وغيرها ، وهي مناطق ساخنة ومتفجرة ولم تعد تجدي معها سياسة المهدئات والمسكنات
المؤقتة بينما تبقي جذورها الحقيقية علي حالها بلا علاج لها
ينهيها وقد تجد فرصتها للانفصال عن السودان الآن مع عجز
الدولة عن قمعهم واخمادهم بالقوة كما فعل البشير بالجنجويد وغيرهم من العصابات المسلحة التي استعان بها نظامه ونفذ بها مجازره الوحشية في دارفور وجعلته مطلوبا للمثول امام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لمساءلته عن جرائمه ضد الانسانية.
وكذلك سوف يكون الحال مع مشكلات النازحين السودانيين المتفاقمة إلي بعض دول الجوار ، وذلك في غياب توفر دعم إنساني واغاثي أممي او عربي كاف لهم .. وقد تضيق الدول التي ينزحون إليها باعبائهم الاقتصادية الفادحة وتحاول ارجاعهم إلي بلدهم للتخفيف عن كاهلها ، وهو ما سوف يلقي باعباء اقتصادية قاتلة علي السودان في ظروف صعبة للغاية لا تحتمل ..
فماذا سيفعل لقاء جدة لهم ، بعد ان اصبحت مشكلة النازحين السودانيين العابرين للحدود مشكلة المشكلات وتحتاج إلي مساعدات دولية إنسانية طائلة لم تبدي اي جهة دولية كالامم المتحدة او الاتحاد الأوروبي او الاتحاد الافريقي او دول الخليج العربية او الجامعة العربية استعدادها لتقديمها لهم والتي ستتكلف المليارات من الدولارات … فالكل ياخذون الآن موقف المتفرج مما يجري فيه ، ولا يحاولوا ان يقيدوا انفسهم بأية تعهدات او وعود
او التزامات محددة حول مساعدة السودان فيما يتعلق بمشكلة النازحين منه إلي دول الجوار.
المشكلات في السودان عويصة جداً ، وابعادها تتوزع في كل
اتجاه من سياسية وأمنية واقتصادية وإنسانية وعرقية ومناطقية ومن مدنية وعسكرية ، كما ان الأيادي الخارجية التي تعبث بأمن السودان كثيرة حتي وان لم تفتضح حقيقتها بعد ، والمسرح الداخلي يكاد يكون وبلا منارع في اسوأ حالاته واوضاعه سياسيا َواقتصاديا وأمنيا ومعنويا ..
لم يكن السودان مهدداً يوما بخطر السقوط والانهيار كما هو اليوم فبماذا سيجدي حوار جدة المرتقب، او غيره من الحوارات عن السودان إذا كان السودانيون انفسهم لا يتوافقون مع بعضهم البعض بخلافاتهم المتجذرة وحساسياتهم المتبادلة ورؤاهم المتعارضة ومواقغهم الحدية التي لا تترك مجالا للحلول الوسط التي يمكنهم الالتقاء عندها جميعا من مدنيين وعسكريين ؟
ما الذي يدعو للتفاؤل حول حوار يتحرك فوق هذا الحقل الملئ بالالغام والاشواك ؟

اتصور ان الجهد الأكبر في هذا اللقاء سوف يركز علي وقف اطلاق النار وعقد هدنة طويلة الأجل بين المتحاربين ، واعتبار ذلك إنجازاً مهما بحد ذاته ، تاركين امر كل ما تحدثنا عنه للمستقبل ، واعتباره مسئولية السودانيين مع بعضهم ، حتي إذا فشلوا فإنه سوف يبقي بعدها لكل حادث حديث.

قد تكون صورة ‏‏‏٣‏ أشخاص‏ و‏نص‏‏

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى