الدولة الأيوبية وما حدث لها بعد صلاح الدين الجزء الثاني

55

كتب وجدي نعمان

الدولة الأيوبية هي دولة إسلامية نشأت في مصر، وامتدت لتشمل الشام والحجاز واليمن والنوبة وبعض أجزاء بلاد المغرب. يعد صلاح الدين يوسف بن أيوب مؤسس الدولة الأيوبية وهنا نبدء الجزء الثاني 

الدولة بعد صلاح الدين

تعرضت الدولة الأيوبية التي كانت تضم الشام وفلسطين ومصر إلي التقسيم بعد وفاة صلاح الدين نتيجة التنافس بين أفراد أسرته، فكانت مصر من نصيب ابن صلاح الدين عماد الدين أبي الفتح عثمان الذي لقب بالعزيز، ودمشق من نصيب ابنه الثاني الأفضل نور الدين علي، وحلب من نصيب ابنه الظاهر غازي غياث الدين، والكرك والشوبك من نصيب العادل أخو صلاح الدين، استقل أولاد عم صلاح الدين ببعض مدن الشام واليمن، فاحتفظ سيف الإسلام طغتكين أخو صلاح الدين باليمن وجزيرة العرب، وأخذ الملك الأمجد مجد الدين بهرامشاه بن فرخشاه بعلبك وأعمالها، واستمر الملك منصور الأول محمد بن تقي الدين عمر في حكم حماة. تنافس كل من العزيز والأفضل ابني صلاح الدين علي السيطرة علي بيت المقدس، انتهى هذا التنافس بالاتفاق على ترتيب جديد لحكم الأسرة الأيوبية يقضي بأن: يحتفظ الأفضل بدمشق وطبرية، ويتخلى عن بيت المقدس وماجاورها للعزيز، ويتخلى الأفضل عن جبلة والاذقية لأخيه الظاهر غازي، ويعترف العزيز بسيادة الأفضل، في فترة النزاع الأيوبي على السلطة استولى الصليبيين على مدينة جبيل وقلعتها عام 590 هـ الموافق 1194م، وخرج الملك الأفضل لاستردادها لكنه لم يستطع. ولَّى العزيز الوزارة في مصر لعمه العادل الذي بدأ يثبت أقدامه في الحكم حتي أصبح صاحب السلطة الحقيقية، قام العادل والعزيز بالاستيلاء على دمشق وتجريد الأفضل من إمارته، واتفق الأطراف الثلاثة على أن يأخذ الأفضل صرخد، ويملك العادل دمشق وأواسط الشام، ويتولى الملك العزيز السلطنة وتبقى له مصر وبيت المقدس، استمرت الهدنة حتي توفي العزيز عام 595 هـ الموافق 1200م. بعد وفاة العزيز تولي ابنه ناصر الدين محمد حكم مصر، ولقب بالملك المنصور، وكان الأفضل وصيًا علي ابن أخيه المنصور الذي كان لايزال صغيرًا، ونازعه في الأمر عمه العادل، واتفقا على أن يحكم العادل مصر ويحكم الأفضل ديار بكر. بمجرد حصول العادل علي الوصاية قرر خلع السلطان الصغير وتولى حكم مصر منفرداً سنة 596 هـ الموافق 1200م، ثم قام بعد ذلك ببسط نفوذه علي الشام، وبذلك عادت دولة صلاح الدين تحت حكم سلطان واحد. لم تنقطع إغارات الصليبيين علي المدن التي تخضع تحت سيطرة المسلمين، فكان العادل يرسل بالمدد لأمراء المدن الإسلامية في الشام ليصدوا هجمات الصليبيين، وكان كثيراً ما يخرج بنفسه لقتال الصليبيين ويردهم إلي المهادنة، ومنها حملة هنري السادس امبراطور ألمانيا، التي وصلت حملته عكا عام 594 هـ الموافق 1197م، ودارت بين الصليبيين والأيوبيين معركة عند تل العجول قرب غزة انتهت بهزيمة الصليبيين، كما انتهت الحملة بموت هنري السادس.

كان البابا أنوسنت الثالث قد أعرب علنًا عن رغبته في الدعوة إلى حرب صليبية جديدة، في عام 600 هـ الموافق 1203م وصلت سفن الحملة الصليبية الرابعة للقسطنطينية بقيادة ألكسيوس ابن الإمبراطور إسحاق الثاني، واعتقد الصليبيون أن بيزنطة كلها سوف ترحب بهم، ولكنهم اكتشفوا أن جميع أبواب القسطنطينية أغلقت في وجوههم، وأن الجنود البيزنطيين مرابطين فواق أسوارها، وفشلت المحاولات الأولى التي قام بها الأسطول الصليبي لمهاجمة الأسوار، وبعد قتال عنيف تمكن البنادقة من فتح ثغرة في الأسوار، وفكر الكسيوس الثالث من الفرار مع ابنته ولجأ مدينة موزينو في تراقيا، فما كان من حاشية القصر إلا أنهم أخرجوا الإمبراطور المعزول إسحاق من السجن وأعادوه على عرشه وبذلك توقف القتال، وتم الاتفاق على تنصيب الكسيوس الصغير قسيمًا لأبيه في حكم الإمبراطورية وتسمى بعد ذلك الكسيوس الرابع. في عام 602 هـ الموافق 1404م وقعت ثورة في القصر الإمبراطوري، وتم عزل الكسيوس وألقي به في السجن حيث توفي ولحق به أبوه، تولى الحكم الكسيوس الخامس الذي وقف موقفًا مضادًا ضد الصليبيين، ومع هذا التطور اتجه الأخيرون لمهاجمة القسطنطينية، وحل بالمدينة القتل والسلب والتدمير. ثم بدأت محاولة الحملة الصليبية السيطرة على بلاد الشام حيث أرسلت قوات قليلة من القسطنطينية، وهناك تعاونوا مع الصليبين المستوطنين لشن هجوم هزيل ضد مدينة رشيد المصرية ومدينة فوة القريبة منها، عندما علم أمالريك الثاني ملك عكا بعدم قدوم الحملة الصليبية واستقرارها في بيزنطة، سعى أمالريك لعقد هدنة مع الملك العادل الذي رحب بعقد الهدنة، وتم عقد هدنة مدتها ست سنوات في أواخر سنة 1204م.

في عام 614 هـ الموافق 1217م بدأت قوات الحملة الصليبية الخامسة في الوصول إلى عكا، وكانت القوات المجرية في طليعة الواصلين بقيادة الملك أندريه الثاني، ولحق به ليوبولد السادس دوق النمسا، ثم لحق بهما هيو ملك قبرص، وأرسل ليوبولد فور وصوله عكا سفارة إلى بوهيموند الرابع، وأحضر معه بعض الأمراء الصليبيين، وتجمع لدى الصليبيين أكبر جيش لهم منذ الحملة الصليبية الثالثة، خرج بعدها الصليبيون من عكا ليشنوا هجومًا مباغتًا ضد دمشق في جيش ضخم، عندما علم العادل بتحركهم خرج من مصر إلى فلسطين وتابع طريقه إلى نابلس آملًا أن يقطع الطريق عليهم عند عين جالوت، لما علم الصليبيون بقدومه غيروا خطتهم واتجهوا نحوه، وساروا إلى مدينة نيسان في الوقت الذي سار فيه العادل نحوها بعد أن تحص بها، نتيجة لتفوق الصليبيين تجنب العادل الاشتباك معهم، فواصلوا هجومهم على المدن الإسلامية وحاصروا بانياس ووصلوا إلى حوران، ثم عادوا إلى عكا. ظل الوضع هادئًا حتى عام 615 هـ الموافق 1218م حين وفدت قوات صليبية جديدة من أوروبا، وقرر مجلس الحرب الصليبي الذي اجتمع في عكا مهاجمة دمياط، وصل الصليبيين دمياط بقيادة الملك يوحنا دي بريان، فنزل أفراده إلى البر، ونصبوا معسكرهم على الضفة الغربية للنيل المواجهة للمدينة، عندما علم الملك العادل بنزول الصليبيين في دمياط، وكان بمرج الصَّفر، انتقل إلى عالقين بظاهر دمشق، وبدأ بإرسال العساكر إلى مصر، حتى أنه لم يبق عنده من العساكر إلا القليل، وطلب من ابنيه المعظم عيسى والأشرف موسى أن يغيرا على معاقل الصليبيين في بلاد الشام ليشغلهم ذلك عن دمياط. ظل الوضع متجمدًا قُرابة أربعة أشهر، نفذ خلالها الصليبيون محاولات عديدة لاقتحام برج السلسلة، انتهت بنجاح الصليبيون في دخول برج السلسلة والاستيلاء عليه، حيث قاموا بإقامة برج على سفينتين أحكم ربطهما معًا بالحبال، وجرت تغطيته بالجلد والنحاس الأحمر لحمايته من النار، ووضعوا فوقه سلمًا متحركًا حتى أضحى كالقلعة العائمة. مات بعدها الملك العادل سنة 615 هـ الموافق 1218م أثناء وجوده في الشام ودفن في أحد المساجد بدمشق، وترك أبناءه الثلاثة يحكمون الدولة الأيوبية في مصر والشام، الكامل في مصر والمعظم عيسي في دمشق والأشرف موسي في حلب.

تولي الكامل بعد أبيه العادل في ظروف حرجة حيث استولي الصليبيون علي دمياط، فراح يستجد بالمسلمين من حوله، ولكن حكام المسلمين كانوا في هول من هجمات المغول التي بدأت تدق أبواب بغداد، فجهز الكامل قوة برية تدعهما عشرات السفن وهاجم المعسكر الصليبي إلا أنه اصطم بخنادق دمياط، ثم نصب جسرًا عظيمًا ليمنع العدو من سلوك النيل، لكنهم استطاعوا من قطعه، وسلكوا النيل ولم يفلحوا في الوصول إلى القاهرة، ولسوء الأحوال الجوية توقف القتال مدة من الزمن. لما علم عسكر الشام بموت الملك العادل، ما كان من العسكر إلا أن اتفقوا مع القائد عماد الدين أحمد بن المشطوب، وعزموا على خلع الملك الكامل وأن يملكوا الديار المصرية أخاه الفائز إبراهيم، ولما أحس الكامل بذلك خرج من معسكره في العادلية توجه إلى الشام، فساد الفزع أرجاء المعسكر وترك الجنود خيامهم وأسلحتهم، ولما علم الصليبيين بذلك خرجوا إلى دمياط وملكوها واستولوا عليها. وصل الملك المعظم عيسى من الشام لنجدة أخيه وانهى تمرد ابن المشطوب. دعا الملك الكامل الجهاد في البلاد الإسلامية فوصله المدد من أخويه المعظم والأشرف، وأخذ يستعد لشن هجوم على الصليبيين لكنه تراجع لهبوب عاصفة عام 616 هـ الموافق 1219م. حال استمرار تدفق الإمدادات والمؤن من الغرب الأوروبي وقبرص على الصليبيين، وتواتر الأخبار من الشرق الإسلامي عن تقدم الجيوش المغولية بقيادة جنكيز خان باتجاه الدولة الخوارزمية، من مواصلت قوات الملك العادل القتال ضد الصليبيين، واقترح الكامل على الصليبيين شروط بالغة السخاء، شملت: أن يتنازل عن أراضي بيت المقدس باستثناء الكرك والشوبك، مقابل أن يخرج الصليبيون من دمياط، وعقد هدنة بين المسلمين والصليبيين مدتها ثلاثين سنة. لم يتردد الإمبراطور فريدريك في أن يقبل هذا العرض، لكن البابا في روما رفض العرض ووبخ الإمبراطور فريدريك علي قبوله للعرض، فعرض السلطان الكامل عرضًا آخر وهو أن يتنازل عن نابلس وصيدا وعسقلان وطبرية واللاذقية وسائر ما فتحه السلطان صلاح الدين من بلاد الساحل، دفع مبلغ خمسة عشر ألف مقابل الكرك والشوبك، دفع تكاليف إعادة تحصين بيت المقدس وباقي القلاع التي خربها المسلمون في بلاد الشام، تشكيل مجلس لتحديد تكاليف البناء، إعادة صليب الصلبوت، تستمر الهدنة مدة ثلاثين سنة، وضمانًا لحسن تنفيذ العرض تعهد الكامل بتقديم عشرين رهينة من أقاربه ليحتفظ بها الصلبيبيون مدة سنتين يتم خلالها إعادة تحقيق ما تقدم. لكن البابا رفض هذا كله وهدد فريدريك أن ينزع منه مملكته في أوروبا إذا عقد صلحًا مع المسلمين، فلم يبق للسلطان الكامل إلا ان يقاتل ليحرر دمياط من الصليبيين. واصلت الحملة حصار دمياط، وتعذر على الكامل إمداد المدينة بالمؤن والمقاتلين، وفي عام 616 هـ الموافق 1219م سقطت دمياط بعد حصار دام تسعة أشهر، واستعد الصليبيون لزحف نحو القاهرة، وكان الموقف ينبيء بانتصار الصليبيين فهم أكثر سلاحًا وعدة، لكنهم لم يكونوا يعرفون طبيعة الأرض المصرية وما تمتلئ به من قنوات الماء. اختار الكامل مكانًا أكثر ملائمة للقتال لوقف الزحف الصليبي باتجاه القاهرة، فنقل معسكره إلى المنطقة التي تقع جنوب بحر أشموم طناح والشاطيء الشرقي للنيل، قبالة قرية جوهر، وبنى فيها قلعة جديدة أسماها المنصورة، من الجانب الصليبي بادروا ببناء حصني تورون وبوتا في دمياط، الذين حدا من نشاط السفن الأيوبية. تحركت القوات الصليبية في عام 618 هـ الموافق 1221م من دمياط إلى العادلية استعدادًا للتقدم جنوب دمياط بحذاء النيل، حتى وصلت فارسكور، فلما تقدم الصليبيون نحو دمياط قام المصريون بفتح سدود المياه من كل جانب فتدفقت المياه وأغرقت القوات الصليبية، ولم يستطيعوا التقدم خطوة واحدة، فشقوا طريقهم وسط الوحل مرتدين إلي الشاطئ، استقر رأي القادة الصليبيين على عرض الصلح على المسلمين، ومال الكامل للقبول بالعرض، وفيه أن تسلم دمياط للكامل وأن يسترد الصليبيون رهائنهم ومنهم ملك عكا، وبذلك فشلت الحملة الصليبية الخامسة.

كان لتضامن ابنا العادل الكامل والمعظم وتكاتفهما أثر لا يُنكر في تحقيق النصر وإفشال الحملة الصليبية الخامسة، لم تكد تمضي سنوات معدودة حتى شبَّ صراع بين السلطان الكامل وأخيه المعظم عيسى صاحب دمشق، واستعان كل منهما بمن يحقق له الظفر، فاستعان المعظم عيسى بالسلطان جلال الدين الخوارزمي سلطان الدولة الخوارزمية، واستنجد السلطان الكامل بالإمبراطور فردريك الثاني، وتعهد له بمنحه بيت المقدس، وجميع فتوحات صلاح الدين بساحل الشام، بادر الملك المعظم بتجهيز العساكر في نابلس لحماية القدس من مطامع الإمبراطور، لكن الموت عجل بالمعظم وخلفه ابنه الناصر داود، وانهار التحالف بين خوارزم شاه والمعظم. في عام 625 هـ الموافق 1228م بدأ الإمبراطور فردريك الثاني الحملة الصليبية السادسة على رأس جيش صغير، فمر على قبرص واحتلها، ثم قصد عكا، واحتل صيدا. بعد مفاوضات طويلة بين فريدريك والكامل توصل الطرفان لاتفاق يافا، نصت على: تُسلم القدس للإمبراطور فريدريك على أن تظل أسوار المدينة وتحصيناتها خرابًا وألا تجدد الأسوار، يأخذ الفرنج بيت لحم والناصرة، ألا يكون للفرنج موطئ قدم خارج مدينة القدس، وأن تظل قرى بيت المقدس في أيدي المسلمين، قرى بيت المقدس والضاحية يديرها والي مسلم، وتكون البيرة مقرًا له، يظل الحرم القدسي بما فيه من المعالم، كالصخرة والمسجد الأقصى، في أيدي المسلمين، ويظل شعار الإسلام فيه ظاهرًا، ألا يسمح للفرنج بدخول القدس إلا بغرض الزيارة، يكون المتولون على الأماكن المقدسة من المسلمين، تكون القرى الواقعة على الطريق بين القدس وكل من عكا ويافا تحت إدارة الفرنجة لحماية أرواح الحجاج وضمان سلامتهم، يتعهد الإمبراطور المشاركة في الدفاع عن الملك الكامل ضد أي عدو حتى لو كان من الفرنج وعدم تقديم أية مساعدة لحكام أنطاكية وطرابلس وحكام المناطق الإفرنجية الأخرى في بلاد الشام. دخل فريدريك القدس واستلمها من القاضي شمس الدين يوم الأحد 18 مارس 1229م الموافق 636 هـ، و دخل كنيسة القيامة وتوج نفسه ملكًا علي القدس. بذلك عادت القدس للصليبيين. أكمل السلطان الكامل بناء قلعة الجبل، كما أنشأ مدينة جديدة هي مدينة المنصورة في الموقع الذي انتصر فيه علي الحملة الصليبية الخامسة.

الصالح نجم الدين أيوب

ولي العادل الثاني سيف الدين أبو بكر حكم مصر بعد وفاة ابيه السلطان الكامل مما أدي إلي أن يسعي أخوه الأكبر سنًا الصالح نجم الدين أيوب لاستعادة حقه في تولي السلطنة، وواتته الفرصة نتيجة سياسة أخيه التي أثارت مشاعر الأمراء عليه فقبضوا عليه واستدعوا الصالح نجم الدين أيوب الذي اصبح سلطانًا علي مصر عام 637 هـ الموافق 1240م. واجه السلطان الصالح ثورات بعض طوائف الجند، فبدأ في تكوين جيش جديد يخلص له ويطيعه فاشتري آلاف المماليك والأتراك الذين هجروا أوطانهم في آسيا الصغرى بسبب غارات المغول واتخذ الصالح أيوب منهم جيشًا نظاميًا. من أبرز آثار الملك الصالح في مصر قلعة الروضة التي أقام فيها مع مماليكه، وقد تزوج من جارية أرمنية هي شجر الدر والتي كان الخليفة العباسي قد أهداها له. وجد السلطان الصالح أيوب نفسه مهددًا بحلف صليبي مع أمراء دمشق الصالح إسماعيل، والكرك الناصر داود، وحمص المنصور إبراهيم، عمد الصالح أيوب إلى استدعاء الخوارزمية وتحريضهم على مهاجمة دمشق، فما كان من الصالح إسماعيل إلا أن استعان بالصليبيين مقابل تعهده لهم بأن تكون سيطرتهم على بيت المقدس تامة مطلقة، عبرت القوات الخوارزمية نهر الفرات حتى وصلت دمشق، ثم طبرية واستولوا عليها، ثم إلى نابلس وبيت المقدس، عندها أحس الصليبيون بالخطر الخوارزمي، في عام 642 هـ الموافق 1244م اقتحم الخوارزميون المدينة وجرى قتال شديد، استنجد على أثره الصليبيون بأمير أنطاكية وطرابلس وملك قبرص بحامية عكا وبحلفائهم من المسلمين في دمشق والأردن، فلم ينجدهم أحد سوى ما قام به الناصر داود في توسطه بخروج من يرغب من الصليبيين من القدس إلى الساحل. بعد أن استولى الخوارزمية على بيت المقدس ساروا إلى الملك الصالح يخبرونه بقدومهم فأمرهم بالإقامة في غزة، وسير إليهم عسكرًا من مصر بقيادة ركن الدين بيبرس، فسار إلى غزة وانضم للخوارزمية، وهناك التقى الجيش المصري المتحالف مع الخوارزمية مع جيش حمص ودمشق المتحالف من الصليبيين، واستطاع بيبرس إلحاق الهزيمة بالتحالف الشامي الصليبي. بعد معركة غزة سارع بيبرس للاستيلاء على غزة والساحل، والقدس والخليل وبيت جبريل والأغوار، ثم حاصر دمشق وفيها الصالح إسماعيل وإبراهيم بن شيركوه صاحب حمص، وبعد حصار دام ستة أشهر استسلمت دمشق عام 643 هـ الموافق 1245م، وعوض الصالح إسماعيل عنها ببعلبك وبصرى. أما الخوارزمية فقد انقلبوا على الصالح نجم الدين، بعد أن أقطعهم بلاد الساحل وكانوا يطمعون بدمشق، وأعلنوا الثورة على الصالح، وسارع الناصر داود والصالح إسماعيل بالانضمام إليهم، واستطاع نجم الدين الحاق الهزيمة بالخوارزميين بالقرب من حمص، وانتهى خطرهم بشكل نهائي.
 
الحملة الصليبية السابعة تغزو دمياط في سنة 1249م
قامت حملة صليبية جديدة تستهدف مصر، وكانت أشرس وأعنف من الحملة الأولى علي دمياط وهي الحملة الصليبية السابعة، وكان علي رأسها ملك فرنسا لويس التاسع الذي كان معروفًا بتدينه وتعصبه، استغرق الأوروبيون ثلاث سنوات وهم يعدون للحملة، وقام لويس بتجهيز أسطول كبير لنقل الجنود والعتاد عبر البحر بعد أن قرر استبعاد الطريق البري، واستأجر عدد من السفن من جنوة ومرسيليا، وغادر على رأس حملته من مدينة باريس إلى ليون، ثم إلى جنوب فرنسا حتى وصل قبرص، خلال هذه الأثناء تسربت أخبار الحملة على مصر، وعلم السلطان الصالح أيوب بأن الصليبيين يحتشدون في قبرص، وقدر أنهم سينزلون دمياط كما فعل اسلافهم، فحشد جيشه تجاه المدينة وقرر أن يحارب حربًا لا هوادة فيها. دخل الصلبييون مدينة دمياط عام 647 هـ الموافق 1249م دون قتال وحولوا مسجد المدينة إلي كنيسة وأقاموا بطريركًا فرنسياً للمدينة، تعود أسباب الاستيلاء السهل لمدينة دمياط من قبل الصليبيين إلى أحد القادة العسكرين في الطرف الإسلامي وهو الأمير فخر الدين بن الشيخ، إضافة لبعض أفراد القبائل العربية التي عهد إليها الصالح أيوب بالدفاع عن المدينة وهم بني كنانة، قد تركوها وانسحب هؤلاء جميعًا إلى حيث يوجد معسكر الملك صالح أيوب في منطقة أسموم طناح، بالإضافة أنهم تركوا أبواب المدينة ممفتوحة وفاتهم عند فرارهم أن يقطعوا الجسر الذي يربطها بالضفة العربية للنيل، وأصبحت دمياط بذلك مدينة مفتوحة. قبيل سيطرة القوات الصليبية على دمياط أرسل الملك لويس رسائل تهديد للصالح نجم الدين، وطالبه فيها بالاستسلام وإرجاع الأراضي المقدسة للصليبيين، واعتبر أن الصالح أيوب ماهو إلا أحد نوابه. كان شهر يونيو شهر فيضان النيل فآثر الملك لويس أن ينتظر حتي ينتهي الفيضان حتي لا يقع فيما وقعت فيه الحملة الخامسة، عندما انتهي موسم الفيضان بدأ لويس زحفه إلي القاهرة، وفي تلك الأثناء مات السلطان الصالح في المنصورة عام 647 هـ الموافق 1249م.
 

مرحلة السقوط

استمرت الحملة الصليبية بعد وفاة الصالح أيوب، واستطاعت شجر الدر أن تخبيء نبأ وفاة السلطان، ودارت بين الأيوبيين والصليبيين معركة المنصورة بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا من جهة، والأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ وفارس الدين أقطاي الجمدار وركن الدين بيبرس البندقداري من جهة أخرى، أسفرت المعركة عن هزيمة الصليبين هزيمة كبرى. قامت شجر الدر باستدعاء توران شاه ابن الصالح أيوب ليكون السلطان الجديد بعد موت أبيه، جاء توران مسرعًا من حصن كيفا ومعه خاصة رجاله ومساعدوه، واستلم قيادة البلاد والجيوش فور وصوله وأظهر مقدرة حربية، وبمساعدة المماليك وضع خطة عسكرية محكمة لإجبار الصليبيين على التسليم حيث أمر بحمل عدة سفن مفككة على ظهور الجمال، ثم أعاد تركيبها وإنزالها خلف خطوط الصليبيين مما أدى لوضع الصليبيين في كماشة أدت لهزيمتهم وأسر ملكهم لويس التاسع. على الرغم من هذا الانتصار العسكري الكبير على الصليبيين إلا إن توران شاه كان يمثل تجسيدًا حقيقيًا لانهيار الأيوبيين الصغار، وبدلاً من أن يستغل الظروف الراهنة في توحيد المسلمين للقضاء على الخطر الصليبي تمامًا، اتجه نحو أمراء المماليك وزوجة أبيه شجر الدر، وأخذ في التخطيط للقضاء عليهم. كان توران شاه كئيبًا متكبرًا سريع الغضب، فأصدر عدة قرارات صادر بمقتضاها إقطاعات الأمراء وحدد عدة أسماء ووضعها على قائمة التصفية، ووصلت أخبار هذه القائمة للأمراء فقرروا التخلص منه. في صباح يوم 27 محرم 648 هـ الموافق 2 مايو 1250م كان السلطان توران في خيمته السلطانية فهجم عليه بيبرس البندقداري وقلاوون الصالحي وأقطاي الجمدار وضربوه بالسيوف فهرب منهم لكشك خشبي فأحرقوه عليه فهرب منه ورمى نفسه بالنيل فضربوه بالسهام والنبال فقتل جريحًا غريقًا حريقًا، وبمقتله سقطت دولة الأيوبيين بمصر وقامت دولة.

صار المماليك بعد مقتل توران شاه أصحاب الحل والعقد، وكان من الطبيعي أن يعينوا أحدًا منهم لتبوء عرش السلطنة الشاغر، وأخيرًا قرر المماليك حل المشكلة الناجمة عن شغور العرش فاختاروا شجر الدر لتولي العرش. غير أن حكم شجر الدر تعرض للنقد من قبل الخليفة العباسي المستعصم بالله، الذي عاب على المماليك تنصيب امرأة في الحكم، فاقتنعت شجر الدر واقتنع المماليك معها بضرورة تغيير رأس السلطة، فتزوجت من الأمير عز الدين أيبك وتنازلت له عن الحكم، بعد أن دام حكمها ثلاثة أشهر. وقف الأمراء الأيوبيون في الشام موقف العداء للنظام الجديد القائم في مصر، وقد جرت العادة منذ أيام صلاح الدين أن يكون للسلطان في مصر سيطرة على بقية الأمراء الأيوبيون في الشام، لذلك أرسلت شجر الدر عقب مبايعتها الخطيب أصيل الدين محمد لأخذ البيعة لها من أمراء الشام، ظل الأمراء الأيوبيون يعتبرون أنهم أصحاب الحق الشرعي في حكم مصر وبلاد الشام بوصفهم سلالة صلاح الدين، وأن ماجرى يعد خروجًا للسلطنة في مصر على البيت الأيوبي، ورفضوا أن يحلفوا يمين الولاء للسلطانة الجديدة، وشاركهم بعض الأمراء المماليك في بلاد الشام، فقد رفض المماليك القيمرية(3) في دمشق أن يحلفوا يمين الولاء والطاعة، ولم يعترفوا بماجرى في مصر من تغيير في نظام الحكم، فكتبوا إلى الناصر يوسف الأيوبي صاحب حلب يعلمونه بموقفهم الرافض ويستدعونه للقدوم إليهم ليسلموا له دمشق، كما خرج الملك السعيد حسن بن العزيز عثمان الأيوبي صاحب قلعة الصُبية من الديار المصرية احتجاجًا على ماحصل، فهاجم غزة وأخذها واستقر فيها، وثار الطواشي بدر الدين الصوابي الصالحي نائب الصالح أيوب بالكرك والشوبك، وسلم الحصنين إلى المغيث عمر الأيوبي بعد أن أخرجه من السجن، وخضعت باقي مدن بلاد الشام لأمراء من البيت الأيوبي، فستقر الموحد تقي الدين عبد الله بن توران شاه في حصن كيفا وتصيبين، والكامل ناصر الدين محمد بن المظفر عازي في ميفارقين، والمنصور ناصر الدين محمد بن المظفر تقي الدين محمود في حماة، والأشرف مظفر الدين موسى بن المنصور إبراهين في تل باشر والرحبة. انتهز الناصر يوسف الفرصة واستجاب لدعوة المماليك القيمرية، فزحف بجيوشه نحو دمشق ودخلها وخلع الأمير جمال الدين بن يغمور، وعلى الأمراء القيمرية وعلى جماعة من الأمراء المصريين من مماليك الصالح أيوب، وبذلك خرجت بلاد الشام من قبضة شجر الدر، وانقسمت الجبهة الإسلامية بين مصر المملوكية وبلاد الشام الأيوبية.
 
الدولة المملوكية في أوج اتساعها

خشي المماليك على نظامهم الجديد من منافسة الأيوبيين، فتنادوا إلى اجتماع في قلعة الجبل لتدارس الموقف، جدد الأمراء والأجناد الولاء لشجر الدر وللأمير عز الدين أيبك أتابكًا وقائدًا للجيش، وقرروا الخروج من القاهرة للتصدي للأيوبيين، وإبعاد الناصر يوسف عن دمشق، إلا أنهم احجموا عن ذلك، ما حدا بالناصر يوسف الاستعداد لغزو مصر، تحرك الأيوبيون بزعامة الناصر باتجاه مصر لاستعادتها، وعندما علم أيبك بذلك قرر مواجهة الخطر الأيوبي بالطرق السلمية، فاختار بالاتفاق مع كبار المماليك صبيًا صغيرًا من بني أيوب في العاشرة من عمره هو الأشرف موسى بن المسعود بن الكامل، وأقامه سلطانًا ليكون شريكًا له في السلطة، فكانت التواقيع والمراسيم تخرج باسميهما، ويخطب باسميهما على منابر مصر، وضربت لهما السكة على الدنانير والدراهم. لكن الأمراء الأيوبيين أدركوا أن الأشرف لم يكن له غير الاسم، في حين كانت الأمور كلها بيد أيبك، واستمروا في استعداداتهم للزحف نحو مصر. عندئذ أعلن أيبك وضع البلاد تحت سلطة الخلافة العباسية، وأنه يحكم بوصفه نائبًا عن الخليفة المستعصم بالله، وأقدم في الوقت نفسه بإلقاء القبض على الأمراء المماليك بميولهم للأيوبيين. أقدم الناصر يوسف على التماس مساعدة الصليبيين وعلى رأسهم الملك لويس التاسع المقيم في عكا، لكن أيبك بعد أن علم بالأمر أرسل إنذارًا للملك لويس التاسع بأنه سوف يقدم عى قتل الأسرى الصليبيين الذين مازالوا في مصر منذ أيام الحملة على دمياط، إن قام بأي عمل عدائي ضده، غير أن الملك لويس لم يشأ أن يلتزم بشيء نحو أي من الطرفين. لما يَأس الناصر يوسف من استقطاب لويس، زحف بجيشه نحو مصر، ونسي زعماء المماليك البحرية خلافاتهم الداخلية، وتكتلوا وراء أيبك لصد الأيوبيين، خرج أيبك بجيشه والتقى الجيشان الأيوبي والمملوكي في ذي القعدة عام 648 هـ الموافق 1251م عند العباسة بين بلبيس والصالحية، انتهت بانتصار المماليك ورجوع الناصر إلى دمشق، كان لهذه المعركة أثرها في تثبيت عرش أيبك، فقد أرسل بعد شهر جيشًا بقيادة فارس الدين أقطاي واستولى على غزة. استغل الملك لويس الصراع الإسلامي ونجح في ابرام اتفاق بينه وبين أيبك ينص على: أن يطلق كل الأسرى الصليبيين، وأن يعفى الملك عن بقية المبلغ المتبقي من الفدية، واتفق الطرفان على القيام بحملة مشتركة لطرد الناصر من الشام، فاستولى لويس على يافا، وعسكر المماليك في غزة، فأرسل الناصر جيش عسكر عند تل العجول قرب غزة، وكادت أن تقع معركة بين الطرفين لكن الصلح تم بينهما عام 651 هـ الموافق 1253م، بعد تدخل الخليفة المستعصم، وتقرر أن: يعترف الناصر بسلطة أيبك وبسيادة المماليك على مصر وبلاد الشام حتى الأردن، على أن تدخل غزة وبيت المقدس ونابلس والساحل الفلسطيني في حوزة الناصر، وأن يعترف المماليك بسيادة الأيوبيين على بقية الشام. قام أيبك بعد الصلح بالقضاء على فارس الدين أقطاي، ففر أتباعه إلى بلاد الشام للاحتماء بالأيوبيين، ومن بينهم ركن الدين بيبرس وقلاوون الألفي، وحثوا الناصر على مهاجمة مصر، فطلب الناصر من أيبك إعادة المناطق التي أخذها منه، فقرر أيبك إعادة البلاد إلى الناصر، وقرر الخروج من القاهرة للحدود المصرية للتصدي للأيوبيين، لكن الأمر انتهى بتدخل الخليفة العباسي مجددًا، وعقد اتفاق نص على: أن يستعيد أيبك ساحل بلاد الشام، وألا يأوي الناصر أحد من المماليك البحرية. قتل أيبك عام 655 هـ الموافق 1257م فبايع المماليك ابنه نور الدين علي، وتولى سيف الدين قطز القيادة الفعلية لدولة المماليك واستطاع صد هجوم الأيوبيين المتحالفين مع المماليك أكثر من مرة.

الغزو المغولي

كان الصراع الدائر في منطقة إقليم الجزيرة بين الملوك والأمراء المحليين الأثر الكبير في تفتيت وحدة الإقليم الأيوبي أمام الزحف المغولي القادم من الشرق، الذي بدأ في غرب آسيا ضمن سياسة توسعية، فقد سيطر على إمبراطورية الصين الشمالية، وأواسط آسيا وفارس وبلاد الكرج والقوقاز والروسيا وبولونيا وآسيا الصغرى. عندما تولى مونكو خان منصب الخان الأعظم على المغول وضع أمامه هدفين، الأول: القضاء على الحشيشة في فارس، والثاني: السيطرة على ما تبقى من العالم الإسلامي حتى أقاصي مصر، وعهد إلى أخيه هولاكو القيام بتنفيذ هذه المهمة بعد أن منحه إقليم فارس والولايات الغربية، وحدد له إطار العلاقات مع الخليفة العباسي، فوضع هولاكو خطته بالقضاء على الحشيشة ثم غزو المناطق الغربية وصولًا إلى مصر، وبعد أن حقق هدفه الأول سار لتحقيق هدفه الثاتي وبدأ في غزو العراق. كانت الأوضاع في بغداد سيئة جدًا، فقد اشتهر الخليفة العباسي المستعصم بالله بعدم جديته في إدارة شؤون البلاد العامة، وكانت الأخبار تصل إليه تباعًا عن اقتراب جيوش المغول ومع ذلك لم يستعد لمواجهتهم. حاصرت الجيوش المغولية عاصمة الخلافة بغداد، ثم دخلتها عنوة في شهر صفر عام 656 هـ الموافق شباط/فبراير عام 1258م ودمرتها، وكان الخليفة قد خرج منها وسلم نفسه للزعيم المغولي هولاكو دون قيد أو شرط بعد أن وعده هولاكو بالأمان، انتهت هذه الأحداث بقتل الخليفة وابنيه أبي العباس أحمد وأبي الفضائل عبد الرحمن، وأسر ابنه الأصغر مبارك، وأخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم، ثم استسلمت الحلة والكوفة والموصل، وبذلك انتهت الخلافة العباسية في بغداد.
انتقل الاجتياح المغولي من العراق إلى بلاد الشام، وكان هولاكو قد أرسل أثناء حصار بغداد فرقة عسكرية بقيادة أريق نوين استطاعت الاستيلاء على أربيل، ومن ثم أشرف المغول على بلاد الشام، وقد حرص الزعيم المغولي على أن يقوي سيطرة المغول على إقليم الجزيرة، وأن يخضخ بصفة خاصة الأمير الأيوبي الكامل محمد صاحب ميافارقين الذي رفض قبول السيادة المغولية. كانت بلاد الشام تحت سيطرة ثلاث قوى هي: قوة المسلمين المتمثلة بالملوك والأمراء الأيوبيين، وقوة الصليبيين، وقوة الأرمن في قيليقية، أما الملوك والأمراء الأيوبيين فقد حكموا مدن ميافارقين وحصن كيفا والكرك وحلب وحمص وحماة ودمشق، إلا أنهم افتقروا إلى رابطة اتحادية فكان كل أمير يعمل مستقلًا عن الآخر مما أضعف قوتهم. وأما الصليبيون الغربيون فقد وقفوا موقف المتردد في الصراع المغولي الإسلامي، بينما تحالف الأرمن في قيليقية مع المغول وشجعوهم على القضاء على الخلافة العباسية وعلى الأيوبيين في بلاد الشام، واشتركوا معهم في قتال المسلمين.
 
كان الناصر يوسف صاحب دمشق وحلب أقوى الأمراء الأيوبيين، وقد أوجس خيفة من تقدم المغول، وقدَّر أن هولاكو وجنوده سوف يستولون على بلاد الشام عاجلًا أم آجلًا، لذلك رفض تقديم نجدة للكامل محمد صاحب ميافارقين بناءً على طلبه لمقاومة المغول، كما أرسل ابنه العزيز محمد إلى هولاكو يحمل الهدايا والتحف ويقدم الخضوع والولاء، ويطلب منه مساعدة عسكرية لاستعادة مصر من أيدي المماليك، أرسل هولاكو للناصر يوسف رسالة يأمره فيها بضرورة المجيء إليه وتقديم الخضوع دون شرط، لكن الناصر رفض القدوم لهولاكو، فقام هولاكو بقيادة جيشه للاستيلاء على غربي بلاد الشام، فسقطت في يده مدن ميافارقين ونصيبين وحران والرها والبيرة وحارم ثم اتجه إلى حلب وحاصرها من جميع الجهات، رفضت حامية المدينة بقيادة المعظم توران شاه بن صلاح الدين بن العزيز شادي التسليم للجيش المغولي، فقرر المغول الاستيلاء عليها فسقطت عام 658 هـ الموافق 1260م. نتيجة لهذه الانتصارات المغولية السريعة والحاسمة وما صاحبها من قتل وتدمير، أدرك الناصر يوسف استحالة الوقوف وحده في وجه المغول، فقرر أن يطلب المساعدة من المماليك في مصر، وغادر إلى غزة، فانقضت مملكة الناصر يوسف في ذلك اليوم. لما تقدم المغول نحو دمشق كان المدافعون عنها قد هاجروا، كما أن الناصر لم يحاول حماية المدينة قبل مغادرته، فقرر أعيان المدينة تسليمها لهولاكو، لكن قلعة دمشق امتنعت على الجنود المغول وقاومتهم، فاقتحموها عنوه وهدموها. كانت نهاية الناصر يوسف على يد المغول، فقد قتل في جبال سلماس في أذربيجان حيث كان في زيارة لهولاكو وحصل منه على اعتراف بحكم بلاد الشام ومصر، وعندما علم بخبر هزيمة المغول في عين جالوت صادفه أثناء عودته بعض من نجا من الجيش المغولي، فقتلوه عام 658 هـ الموافق 1260م، وقتل معه أخوه الظاهر غازي والصالح سيركوه صاحب حمص وعدد من الأمراء.

 

آخر الأمراء الأيوبيين

نظرًا لاحتلال المغول للعراق والشام قام سيف الدين قطز بعزل المنصور علي واعتلى سدة الحكم، وعندما تقدم المغول نحو فلسطين، تحرك الجيش المملوكي نجاه الشام، وجرت المعركة بين المماليك والمغول عند عين جالوت، وانتصر فيها المماليك، فتقدم قطز نحو بلاد الشام، ودخل دمشق، وكافأ من ناصره من الأمراء الأيوبيون بأن أعادهم إلى إماراتهم بعد أن أخذ عليهم العهود والمواثيق بالطاعة، فأقر الأشرف موسى على حمص والرحبة وتدمر، كما أقر المنصور الثاني صاحب حماة على إمارته، أما السعيد حسن صاحب بانياس الذي تحالف مع المغول فقد قتله قطز. لما تولى ركن الدين بيبرس الحكم خشي قيام ثورة ضده في بلاد الشام من جانب بقايا الأيوبيين، وخشي من طموحات المغيث عمر صاحب الكرك، فعزم على القضاء عليه، وأعد حملة عسكرية من أجل هذه الغاية، لما علم المغيث بنوايا بيبرس كتب إلى الخليفة العباسي في القاهرة يشفع له، فكتب الخليفة إلى ركن الدين كتاب ستشفعه في المغيث، قأبقاه بيبرس على الكرك. لكن المغيث استمر في عدائه للمماليك فكتب إلى هولاكو في فارس يحثه على مهاجمة الشام، لما علم بيبرس بذلك تحايل على المغيث عمر حتى أحضره إلى معسكره في بيسان بفلسطين واعتقله، وعقد مجلسًا قضائيًا عرض فيه الكتب المتبادلة بينه وبين هولاكو، كما شهد الرسل الذين حملوا الكتب بذلك، فحصل بيبرس على فتوى تجيز قتله، فقتله عام 661 هـ الموافق 1263م، وضم بيبرس أملاكه، وبذلك تخلص من آخر الأمراء الأيوبيين المناوئين له.

أنظمة الدولة النظام السياسي

كان السلطان الأيوبي يطلب من الخليفة العباسي بصفته الرئيس الأعلى لبلاد المسلمين تفويضًا يجعل حكمه في مصر حكمًا شرعيًا، رغم أن سلطان الأيوبيين على البلاد التي تحت أيديهم كان سلطانًا مطلقًا، ولم تكن للخلافة العباسية عليه أية نفوذ، ولكن سلاطين الدولة الأيوبية حرصوا على الحصول على هذا التفويض دومًا، وكان الناصر صلاح الدين أول مَنْ اتشح بخلعة الخليفة العباسي من سلاطين مصر الأيوبيين. يُعدُّ صلاح الدين أول مَنْ اتخذ لقب السلطنة من حكام مصر، وقد حصل على لقب سلطان، ولقب محي دولة أمير المؤمنين لأعماله الجليلة التي قام بها في نشر المذهب السني والقضاء على المذهب الإسماعيلي الشيعي، ونجاحه في مناهضة الصليبيين وصدهم عن بلاد المسلمين. اتخذ صلاح الدين من لقب السلطان الملك الناصر لقبًا للتعامل، رغم حصوله على ألقاب عديدة تحمل في طياتها معانى العظمة والأبهة والجاه، مثل: السيد العالم العادل المظفر المنصور، ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك، إسكندر الزمان، صاحب القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، سيد الملوك والسلاطين، كانت هذه الألقاب تبين عظمة ما بلغه سلاطين الدولة الأيوبية، خاصة أن لكل لقب من هذه الألقاب موقفًا عظيمًا وحادثًا جللا خاضه السلطان فمُنح اللقب على إثره. دُوِّنت الألقاب في الرسائل التي تُبودلت بين السلاطين وملوك أوروبا، وفي الكتابات التاريخية، وعلى السكة والعمائر، والتحف الفنية، وفهارس دار الآثار العربية.

كان السلطان يقيم مع أسرته وحاشيته ورجال بلاطه في قلعة الجبل، وهو رئيس الدولة الأعلى الذي له الحق في الهيمنة على شئون الأمراء الخاصة والعامة، وفي تدرجهم الوظيفي، وفي توزيع الإقطاعات والجنود عليهم وتحديد أنصبتهم، وكان على السلطان تعيين موظفى الدولة وعزلهم، وتأديبهم والنظر في المظالم وقيادة الجيوش في الحروب. كان للدولة الأيوبية مجلس شورى تُقَرُّ من خلاله مشروعات الدولة الحيوية كإعلان حرب أو إبرام صلح أو إصلاح لهيكل من هياكل الدولة، وكان هذا المجلس يُسمَّى: مجلس السلطنة، وكان أعضاؤه من كبار موظفى الدولة للاستئناس بآرائهم ومشورتهم قبل الإقدام على تنفيذ المشروعات والخطط، ويتولى أمير المجلس الذي يشبه منصبه منصب كبير الأمناء الآن الأمور الخاصة بمجلس السلطنة، وله حق التصرف في شئون البرتوكول، كما كان يتمتع بالجلوس في حضرة السلطان بحكم هذه الوظيفة.
 
نيابة السلطنة وظيفة استحدثها السلاطين الأيوبيون لأول مرة في التاريخ الإسلامي، واستمرت قائمة بعد ذلك حتى نهاية عصر المماليك، فأصبح النائب كأنه سلطان ثاني، ويشترك مع السلطان في منح لقب الإمارة، وتوزيع الإقطاعات، وتعيين الموظفين، وتوقيع المراسيم والمنشورات، وتنفيذ القوانين، والخروج على رأس فرق الجيش في المواكب الرسمية، يحف به الأمراء عند دخوله أو خروجه من قصر السلطان، وكان يُلقَّب بكامل المملكة الشريفة الإسلامية، لأن من اختصاصاته تصريف أمور الدولة عامة سواء أكان السلطان بالقاهرة أم كان متغيبًا عنها. هناك نوع آخر من النيابة يقول عنه تقي الدين المقريزي: «يقوم النائب فيها بمهام الدولة إذا خرج السلطان إلى الصيد، أو سار على رأس الجيش في حرب خارجية». كما اتخذ سلاطين الدولة الأيوبية في مصر وزراء لم يحددوا سلطتهم، ولم يجعلوها مقصورة على التنفيذ، بل جعلوها سلطة مطلقة، فأصبحت الوزارة أعلى الوظائف وأرفعها، وأصبح صاحبها باب الملك المقصود، ولسانه الناطق، ويده المعطاءة. بلغ من استئثار بعض خلفاء صلاح الدين بالسلطنة أن استغنوا أحيانًا عن وظيفة الوزير، ومن ذلك السلطان العادل الذي استوزر الصاحب صفي الدين بن شكر، ولكنه ما لبث أن تغير عليه فأقاله من الوزارة، وترك المنصب خاليًا دون أن يعين فيه وزيرًا حتى مات، وعندما تولى الكامل بن العادل السلطنة أعاد ابن شكر إلى الوزارة، فلما شعر بأن ابن شكر أساء الأمانة وأحدث حوادث كثيرة وحصَّل مالًا جمًا، عزله وأحاط بجميع موجوده ولم يستوزر بهده أحدًا. بالإضافة لوظيفة الوزير وجدت وظائف سامية في الدولة الأيوبية منها: وظيفة الحاجب: ومهمته إدخال الناس على السلطان، ووظيفة الاستادار: ويفوض إليه النظر غي إدارة البيوت السلطانية، ووظيفة الداودار: ويقوم بإبلاغ الرسائل إلى السلطان والحصول على توقيعه على المراسيم والمناشير السلطانية، ووظيفة الناظر الخاص: وهو المكلف بالشؤون المالية للسلطان.
 
اعتبرت الدولة الأيوبية أن جميع الأقاليم متساوية في التبعية، وانحصر تعيين ولاتها بين أفراد الأسرة الأيوبية، فأخذ أولاد صلاح الدين الأقاليم المهمة والحساسة مثل مصر ودمشق وحلب، والأقاليم الثانوية كانت من نصيب إخوة صلاح الدين وأولادهم، وقد أطلق على جميع أصحاب الأقاليم لقب الملك أو السلطان دون تفريق بين إقليم وآخر. أما الجهاز الإداري فقد اعتمد على مجموعة من الدواوين على رأس كل منها موظف كبير يسمى ناظرًا أو رئيس، من أهم الدواوين الأيوبية: ديوان الجيش، ديوان الأسطول، ديوان المالية، ديوان الانشاء، ديوان الأحباس. يتبع ديوان الانشاء إدارة البريد التي احتل أصحابها مركزًا مرموقًا في هذا العصر. كان لكل ديوان عدد من الموظفين يتبعون الرئيس وينفذون أوامره، بالإضافة لعدد آخر من الوظائف الإدارية، مثل: والي القاهرة، والي الفسطاط.
 
النظام القضائي

في سنة 564 هـ افتتح الناصر صلاح الدين مدرستين لتدريس الفقه، وجعل إحداهما لتدريس الفقه الشافعي، وجعل الأخرى للفقه المالكي، وفصل جميع القضاة الشيعة، وعين بدلًا منهم قضاة من الشافعية السنة، فاقتصر القضاء على مذهب الإمام الشافعي، كما أن قاضي الشافعية صدر الدين درباس لم يُنب عنه في أقاليم مصر إلا من كان شافعيًا، ومن ثم انتشر المذهب الشافعي في مصر وما يتبعها من أقاليم. كان الذي يتولى منصب القضاء في القاهرة وسائر أعمال الديار المصرية في عهد الأيوبيين قاضٍ واحد هو بمثابة قاضي القضاة، وله حق إنابة نواب عنه في بعض الأقاليم. كان للقاضي في عهد الأيوبيين أعوان يساعدونه على العدل في الحكم وإعادة الحقوق إلى أصحابها، فكان منهم الجلواز الذي يستعين به القاضي على تنظيم قاعة الجلسة، وحفظ النظام، وترتيب الخصوم وفق ترتيب حضورهم، ومنعهم من التقدم إلى القاضي في غير دورهم، ومراعاة الآداب في مجلس القضاء، ومنهم الأعوان ومهمتهم إحضار الخصوم إلى المحكمة، والقيام بين يدي القاضي عند نظره في الخصومات إجلالا لمركزه، ومنهم الأمناء ومهمتهم حفظ أموال اليتامى والغائبين، ومنهم العدول ومهمتهم مراعاة دقة عبارات السجلات والعقود ومطابقتها للشرع، وتزكية الشهود.

النظام الاقتصادي

كانت الدولة الأيوبية إحدى الدول القوية ذات الاقتصاد القوي، فقد امتلكت ما تركه الفاطميون عقب سقوط دولتهم، ونظمت الخراج والجزية، بالإضافة إلى غنائم حروبها وفدية الأسرى، واستخدمت هذه الموارد لصالح البلاد الإسلامية كافة، وأنفقت على تسليح الجيش وإعداده جزءًا كبيرًا منها، وبنت القلاع والحصون، وقامت بالإصلاحات الداخلية في البلاد. غَيَّر الناصر صلاح الدين النظام الاقتصادي الذي كان سائدًا قبله، وقلل من النظام الإقطاعي، فقضى بذلك على استقلال أمراء الإقطاعات، وقوَّى الحكومة المركزية، فكان لهذا أثره الكبير في ازدهار حالة البلاد الاقتصادية. أولى الأيوبيون الزراعة عنايتهم، فهي عماد حياة البلاد، فطهَّروا الترع، وأقاموا الجسور، ونظموا وسائل الري، لدرجة أن السلطان الكامل كان يراقب المهندسين بنفسه أثناء إقامتهم السدود والخزانات، وغير ذلك من أعمال الرى الخاصة، فنشطت الزراعة دون أن تؤثر الحروب عليها، فقد كانت حروب الأيوبيين تتوقف في سوريا شتاءً، وهو موسم الزراعة في مصر. نشطت التجارة كما ازدهرت الزراعة في العصر الأيوبي، وأصبحت مصر آنذاك همزة الوصل بين تجارة الشرق والغرب، وعقد السلطان العادل معاهدة تجارية مع البندقية في سنة 605 هـ الموافق 1208م، حصل البنادقة بمقتضاها على تسهيلات تجارية في الموانى المصرية، خاصة الإسكندرية، في مقابل أن يمنعوا الصليبيين من التقدم نحو مصر، فلما ولي السلطان الكامل حكم البلاد أقر ما اتفق عليه السلطان العادل مع أهل البندقية، وسمح لهم بتأسيس سوق تجارية في الإسكندرية، سُمِّيت سوق الأيك، ومنح الامتيازات نفسها لأهل بيزة الذين أرسلوا قنصلا لهم إلى الإسكندرية، فأدت هذه الخطوات إلى ازدهار التجارة وانتعاش الاقتصاد، وزيادة دخل الدولة.

اقتصرت الصناعة في العصر الأيوبي على إنتاج البلاد من المواد الخام، والتي كانت في أغلبها زراعية، أما عدا ذلك من المواد المستوردة فكانت قليلة كالمصنوعات الحديدية والحريرية التي كانت تعتمد على الحرير الشامي الخام. يعد النسيج من أهم صناعات مصر في ذلك العصر، حتى أن أنواعًا معينة أحرزت شهرة عالمية مثل قماش الفستان، واحتلت المنسوجات الكتانية مكانة مرموقة بسبب وفرة الكتان، وكانت تنيس تصدر من الأقمشة الكتانية إلى العراق وحدها بثلاثين ألف دينار سنوياً، يضاف إلى ذلك ازدهار المنسوجات الحريرية الموشاة بالذهب، كما اشتهرت صناعة الأقمشة الصوفية، أما القطن فكان معروفًا في العصر الأيوبي، لكنه بقي أقل جودة من الصناعة الكتانية، وفي ذلك يقول الثعالبي: «إن القطن لخرسان والكتان لمصر». كانت المصانع النسيجية تنقسم إلى قسمين: مصانع حكومية منتشرة مابين الوجه البحري والوجه القبلي وفي مصر الوسطى، ومصانع خاصة تم توزيعها في الطوابق العليا من العمائر الضخمة التي شيدت على النيل خارج دمياط. ازدهرت في القاهرة صناعة الحفر على الخشب، تتمثل في رائعة قبة الإمام الشافعي، ومحراب ضريخ الملك نجم الدين أيوب، ومن الصناعات التي راجت في العصر الأيوبي صناعة الورق، وكانت أهم مراكزها طبرية ودمشق وطرابلس، كما ازدهرت صناعة الزجاج وبالأخص في حلب ودمشق والفسطاط، أما الخزف فقد أخذت صناعته تضمحل. كما ازدهرت صناعة المعادن والفسيفساء.
 
مرت مصر بانتكاسة اقتصادية في عهد العادل نتيجة انخفاض مياه نهر النيل الذي ترتب عليه قلة الزراعة، فحدثت المجاعة واشتد القحط، وبذل العادل جهودًا كبيرة لمواجهة هذه الأزمة، فكان يخرج بنفسه أثناء الليل ويوزع الأموال على الفقراء والمساكين والغرباء، ولكن الموقف ازداد سوءًا وتفاقم خطره حين وقع زلزال مروِّع وقت المجاعة هدم كثيرًا من المبانى، وأزهق أرواحًا لا تُحصَى في مصر والشام، ولكن الأوضاع سرعان ماعادت إلى طبيعتها بعد زيادة مياه النيل سنة 601 هـ الموافق 1204م، فزادت الغلال وخفت المجاعة، وانتهى أمر النكبة بعد أن تكاتف الجميع للقضاء عليها وإعادة الاقتصاد إلى سابق عهده.
لم يطرأ تغيير كبير على النظام المالي الذي كان سائدًا في مصر منذ العصر العباسي، فبقيت إيرادات الدولة الرئيسية تنقسم إلى قسمين، الخراجي: وهو ما يدفعه المزارع من ضريبة سنوية مفروضة على الأرض التي يقوم بفلاحتها والتي تزرع حبوبًا ونخلًا وعنبًا وفاكهة، وقد أدخل صلاح الدين ما يسمى بالبدل في جميع الخراج، أي أن يؤدي الخراج عينًا فيدفع الفلاح كميات من الشعير أو الحمص بدلًا من القمح. الهلالي: وهو ما يؤخذ من الضرائب على الكلأ وما يصطاد من السمك وكان يعرف الهلالي بالمرافق والمعاون. توسعت الضرائب المستندة من الخراجي والهلالي لتشمل أنواعًا عديدة منها: الأحكار: وهي عبارة عن الأجرة المتحصلة من مساحة الأراضي، وضريبة الغروس: وهي الأماكن التي تقع بالاقطاعات ولا تصل إليها المياه واراد بعض الأفراد استئجارها لقاء مبلغ معلوم، والضريبة على الجهات التي توافر فيها أشجار السنط، فيدفع أهالي تلك المناطق مبلغًا من المال مقابل انتفاعهم بأخشابها، المعادن: فقد تقرر مصادرتها ولا تباع إلا في المتاجر السلطانية بالإسكندرية. من الموارد المالية ضرائب أخرى كالجوالي: وهي ضريبة مفروضة على أهل الذمة، وأموال المواريث، متحصلات ديوان الأوقاف، والضريبة المفروضة على التجار الأجانب القادمين إلى مصر، ضريبة المكوس المفروضة على الحجاج، لكن صلاح الدين رفعها أما سخط الناس. بالرغم من تعدد إيرادات الدولة وتنوع مواردها إلا أن أبواب المصروفات كانت عديدة مما أدى إلى وقوع البلاد في أزمة مالية، لكن صلاح الدين استطاع تدارك الموقف وأصدر عملة ذهبية كاملة العيار، لكن هذا الاستقرار المالي لم يدم طويلًا بسبب أعباء الحروب المضنية بين الصليبيين والأيوبيين، فقام صلاح الدين بإصدار عملة نصفها من الفضة ونصفها الآخر من النحاس، مما دفع الناس للاحتفاظ بما لديهم من الذهب، فانحطت عملية البيع والشراء، مما اضطر الملك الكامل إلى إصدار دراهم نحاسية.
 

النظام العسكري الجيش

أسهمت الحملة الشامية النورية في نشوء الجيش الأيوبي سواءً في عهد وزارة شيركوه وصلاح الدين، وقد تطورت وتوسعت قدرات الجيش إلى حد كبير بعد القضاء على الخلافة الفاطمية، يقول المقريزي: «في مستهل عام 567 هـ / 1171م ومع القضاء على الخلافة الفاطمية ˆجرى عرض عسكري اشترك فيه مختلف صنوف الجيش الصلاحي قديمها وحديثها بأسلحتها وخيولها وعدتها ˆالحربية، وقد دُعي إلى مشاهدة العرض رُسل البيزنطيين والصليبيين»، ˆويضيف: «في عام 577 هـ/ 1181م قام صلاح الدين بالنظر في أمور جيشه لمعرفة الزيادة والنقصان الحاصلة في جنده، واستقرت العدة على ثمانية آلاف وستمائة وأربعˆ في عدد جنده، وستة آلاف وتسعمائة وستة سبعين طواشياً، أما القراغلامية فكان تعدادهم ألفاً وخمسمائة وثلاثة وخمسينˆ»، وبلغت نفقات الجيش السنوي (3.670.000) دينار. بدأ صلاح الدين بعد وصوله إلى بلاد الشام بكسب تأييد بقايا الجيش النوري في دمشق، واستطاع أن يخلق منه جيشًا شاميًا تابعًا له يلازمهˆ في تحركاته، وبهذا صارت لصلاح الدين قوتان: قوة مصرية احتياطية لجيش الشام يستخدمها لدى الحاجة الشديدة إليا وللدفاع عن مصر ضد عدوان خارجي محتمل، وهذه القوة هي امتداد للجيش النوري القادم من الشام تحت قيادة شيركوهˆ، والذي كان قوامه ثمانية آلاف فارس وآلاف أخرى من المشاة، ثم انضمت إليها جماعات حتى تضاعف حجمها، ثم قوة أخرى شامية تحت تصرفه المباشر، وهي التي ترافقه في تحركاته العسكرية، وكان مركزها دمشق، ˆوضمت هذه القوة بالدرجة الأولى قوات جيش نورالدين محمود.

شكل صلاح الدين جيشه من المماليك الأسدية القدماء، وسائره من الأحرار الأكراد الذين دخلوا مصر في حملة شيركوه الثالثة، فضلًا عن المماليك الأتراك الذين اشتراهم لنفسه وسماهم الصلاحية نسبة إلى اسمه وعهد بقيادتهم إلى الأمير أبي الهجاء، صار الصلاحية والأسدية الحرس الخاص لصلاح الدين. تنقسم تشكيلات الجيش الأيوبي إلى ثلاث فئات، الفئة الأولى: تتألف من الترك والأكراد والتركمان، وكانوا يحصلون على رواتبهم كاملة، الفئة الثانية: تتألف من الكنانية والعساقة الذين هاجروا من جنوب فلسطين بعد سقوط عسقلان في يد الصليبيين، وانضم إليهم من ماثلهم من الأجناد القادمين من خارج مصر، وهؤلاء يحصلون على نصف الراتب، الفئة الثالثة: تتألف من الجند الذين يخدمون في الإسطول البحري، ولا يحصلون إلا على ربع الراتب. يُضاف إلى هذه الفئات الثلاث فرقة من المتطوعين التركمان والأكراد والعرب، وكانوا بمثابة جند غير نظاميين، يعملون مقابل ما يتقاضونه من أجور. أنشأ صلاح الدين ديوانًا للجيش، وجعله مسؤلًا عن الشؤون الخاصة بالجيش، فكان هذا الديوان بمثابة وزارة الدفاع في وقتنا الحاضر. اتخذ صلاح الدين عدة خطوات اصلاحية لتدعيم جيشه، أولًا: لجأ إلى تعميم نظام الاقطاع الحربي، أي أنه صار لكل من كبار الأمراء والقادة إقطاع مقابل ما يقدمونه من العساكر، وقد سمي الديوان الذي يشرف على شؤون الجيش بديوانˆ الاقطاع، وهذا يدل على مدى اعتماد التنظيم العسكري الأيوبي على النظام الاقطاعي، ولم يكن هذا الاقطاع وراثيًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، إلا أنه كان يحدث أن يورث الأمير اقطاعيته لابنه الأكبر الراشد، وإذا كان ابنه قاصرًا رتب له السلطان معه رجلًا يثق إليه فيتولى أمره إلى أن يكبر، ويكون هذا الرجل بمثابة أتابكًا له، ولم يشمل الإقطاع كافة الامراء بل كان يشمل الذين عرفوا بشجاعتهم ونكايتهم بالعدو. ثانيًا: أرسل أخوه ثوران شاه سنة 569 هـ الموافق 1174م إلى اليمن على رأس جيش كبير كي يقع عبئه على كاهل تلك الديار، ثالثًا: تخلص صلاح الدين بشكل كبير ممن تبقى من جند الفاطميين الذيم دخلوا جيشه، فبعث بهم إلى أقصى بلاد الصعيد. أعاد صلاح الدين تنظيم جيشه عدة مرات، حيث أن الجيش الأيوبي لم يبق على حال واحد من الكثرة العددية والنفقات طوال العصر الأيوبي، فبعد انتهاء مرحلة الجهاد ضد الصليبيين وعقد صلح الرملة، سرح صلاح الدين أكثر من نصف العساكر المصرية، ثم ازداد الجيش وارتفعت نفقاته أيام السلطان الكامل عندما وقعت الحملة الصليبية الخامسة. لم يستخد صلاح الدين كل الجيش في حملاته على الشام، لأنه كان مقتنعًا بخطر الصليبيين الداهم لمصر، فاضطر إلى الاستغناء عن نصف الجيش وابقائه داخل البلاد، كانت المرة الوحيدة التي أرسل فيها قسم كبير من جيشه في مصر إلى الشام أثناء حملته على الرملة وما أصابه من هزيمة قاسية.

البحرية

عند قيام الدولة الأيوبية كان الأسطول المصري في حالة من الضعف والعجز نتيجة ما تعرض له من الهدم والضرب في أواخر العصر الفاطمي جراء هجمات الأساطيل الصليبية المتكررة على سوحل بلاد الشام. أدرك صلاح الدين هذا الانهيار منذ بداية حملته الأولى على مصر وحصار الصليبيين للإسكندرية وما ترتب عليه من تقهقر قواته داخل المدينة. اهتم صلاح الدين بالأسطول البحري فأنشأ له ديوانًا خاصًا للإنفاق عليه باسم ديوان الأسطول، وخصص للديوان موارد هامة منها متحصلات إقليم الفيوم وإيراد ديوان الزكاة، فضلًا عن حصيلة النطرون وخراج السنط، تولى ديوان الأسطول الإنفاق على المشتغلين بالأسطول وعلى النفقة على دور الصناعات حيث كانت تصنع السفن في مصر في الفسطاط والإسكندرية ودمياط، كما كان في الإسكندرية ديوان سُمي بالمتجر السلطاني، عمله شراء البضائع المستوردة التي تحتاجها الدولة لأغراض عسكرية، ولا سيما في بناء السفن. في سنة 567 هـ الموافق 1172م عمل صلاح الدين على تحسين أحوال رجال الأسطول، فرفع أجورهم لتشجيع الناس على الخدمة بالأسطول، ثم لجأ إلى جمع الموارد الازمة ببناء السفن، فاحتكر غابات أشجار السنط، واعتبرها كأنها معادن ليس لأحد فيها ملك واختصاص فهي لبيت المال، لم يكتفي صلاح الدين بالخشب المحلي في مصر، بل استعان بأخشاب الصنوبر التي استوردها من جبال الشام، فضلًا عن معدن الحديد الذي كان يستخرج من بعض المناطق القريبة من بيروت، كما عقد معاهدات تجارية مع حكومات إيطاليا (البندقية، بيزا، جنوة) حصل بمقتضاها على حاجته من الحديد والخشب والشمع.
 
بفضل هذه الامكانيات أصبح الأسطول الأيوبي قوة كبيرة مزودة بالأبراج والقلاع التي تحمل الواحدة منها 150 رجلًا وتصلح في حالات الهجوم والدفاع، وعشرون طرادة وهي سفن الحركة. قسم صلاح الدين الأسطول لقسمين، الأول: يتألف من ثلاثين سفينة مهمتها حماية شواطيء مصر والدفاع عنها، الثاني: يتألف من ثلاثين سفينة مهمتها مهاجمة الصليبيين وموانيهم بالشام. أرفق الأيوبيون اهتمامهم بالأسطول بتقوية أجهزة الدفاع والحراسات الساحلية كالرباطات والمحارس والمناور والمناظر المعتمدة على طول سواحل مصر والشام، وأصدر صلاح الدين مرسومًا يقول فيه: «إن مرسومنا الشريف اقتضى الاجتهاد في حفظ السواحل والموانيء والاهتمام بأمرها». أما السفن التي استعملت في عصر الدولة الأيوبية فهي: الطريدة: وكانت خاصة بحمل الخيل، وقد امتازت بكبر حجمها بحيث تستطيع أن تحمل أربعين فرسًا، وهي تختلف عن الطرادة التي كانت صغيرة الحجم سريعة الجريان، الشيني: وهي من السفن الكبيرة التي استعملت لحمل المقاتلين، بلغت سعتها حوالي مئة وأربعين مجدافًا، البسطة: وهي ضرب من المراكب الحربية الكبيرة، تتسع لزهاء 700 جندي، وقد لعبت هذه السفن دورًا كبيرًا في الحروب مع الصليبيين، الحراقة: استعمل هذا النوع من السفن في النقل، وهي سفينة متوسطة تتسع لحوالي مئة جندي، المسطح: نوع كبير من المراكب ذات طابقين مسقوفين يقاتل الجنود على ظهرها والجدافون يجدفون من تحتها، الحمالة: وهي من السفن الخاصة بحمل المؤونة، البركوس: وهي من السفن الصغيرة، ومهمتها الأساسية نقل المياة، الشلندي: مركب حربي مهمته نقل المقاتلة والأسلحة.
 
بعد أن أتم صلاح الدين استعداداته الحربية، بدأ الأسطول بعملياته البحرية، فتوغل المسلمون في البحر حتى وصلوا إلى أطراف بيزنطة، وإلى قبرص وكريت والسواحل الجنوبية لآسيا الوسطى، كما قام بعمليات ناجحة ضد الصليبيين بساحل الشام، امتدت حتى جزيرة أرواد، واستولى على سفينتي شحن. قام الأيوبيون عام 575 هـ الموافق 1179م بمهاجمة ميناء عكا واستولوا على عدد من السفن، وظلوا في الميناء يومين كاملين. في المقابل قام الصليبيون بإنزال بحري قرب آيلة، وشرعوا في مهاجمة الموانيء المصرية وخاصة عيذاب، وقامت معركة بحرية بين الطرفين وانتصر فيها قائد الأسطول المصري حسام الدين لؤلؤ. ازدادت فعالية الأسطول البحري بعد معركة حطين، فساعد في الاستيلاء على بعض الموانيء الهامة في بلاد الشام مثل هكا التي رابطت عندها قوة بحرية اسلامية مؤلفة من عشر سفن لمراقبة المسالك المؤدية لفلسطين.
 

بعد وفاة صلاح الدين كان موقف خلفائه مناقضًا لنهجه في إدارة الأسطول، فضعف وأُهمل، وأصبحت مصر عاجزة عن مقاومة حملات الصليبيين المتكررة: الحملة الصليبية الخامسة والحملة الصليبية السابعة. أدرك بني أيوب غلطتهم في اهمال الأسطول، وظهر واضحًا في وصية الصالح نجم الدين أيوب لابنه توران: «فالأسطول أحد جناحي الإسلام فينبغي أن يكونوا شباعًا، ورجال الأسطول إذا أطلق لهم كل شهر عشرين درهم مستمرة راتبه، جاؤوا من كل فج عميق». يقول المقريزي: فلما مات صلاح الدين يوسف بن أيوب استمر الحال في الأسطول قليلًا، ثم قل الاهتمام به وصار لا يفكر في أمره إلا عند الحاجة إليه.

والي ان نلتقي مع الجزء الثالث الدولة الأيوبية والعلاقات مع دُول الجوار