الدَّولة المملوكيَّة أو السلطنة المملوكيَّةالمماليك والمغول في الشَّام ومعركة عين جالوت الجزء الثاني

38

.

 


 
 
كان السُلطان المملوكي عز الدين أيبك قد قُتل قبل سنة من سُقُوط بغداد، وتحديدًا يوم الثُلاثاء 24 ربيع الأوَّل 655هـ المُوافق فيه 10 نيسان (أبريل) 1257م، على يد بعض غلمانه نتيجة تحريض زوجته شجر الدُّر بعد ازدياد الوحشة بينهما وتدخُّلها في شُؤون الحُكم،[62] ولم تلبث شجر الدُّر أن قُتلت هي الأخُرى أيضًا على يد جواري امرأة أيبك الأولى أُم نُور الدين عليّ.[63] على أثر مقتل أيبك، بايع المماليك ابنه نُور الدين عليّ، وعُمره خمس عشرة سنة، ولقَّبوه بِالملك المنصور.[64] عاشت البلاد في تلك الفترة حالة قلقٍ واضطراب وعدم استقرار بِسبب عدم إلمام المنصور بِشُؤون الحُكم ولِتنافس الأُمراء على تبُّوء العرش، بِالإضافة إلى وُصُول خبر سُقُوط بغداد واستباحتها ومقتل الخليفة، ومسير المغول نحو الشَّام، فشاع الخوف والقلق بين الناس، وأصبح الوضع حرجًا يتطلَّب وُجود رجلٍ قويٍّ على رأس السلطنة، وعلا في هذه الأوضاع المُضطربة نجم الأمير سيفُ الدين قُطُز، نائب السلطنة كأقوى أميرٍ مملوكيّ، فأخذ على عاتقه توحيد صُفُوف المماليك من مُشكلة الحُكم، وأقدم على عزل المنصور نور الدين عليّ في شهر ذي القعدة سنة 657هـ المُوافق فيه شهر تشرين الثاني (نوڤمبر) سنة 1259م بِمُساعدة الأعيان والأُمراء، وتربَّع على عرش السلطنة المملوكيَّة لِيتفرَّغ لِمُواجهة المغول.[65] كان من الطبيعي أن يتلو غزو المغول لِلعراق، مُهاجمة الشَّام. وكان هولاكو قد أرسل، أثناء حصار بغداد، فرقة عسكريَّة استولت على إربل، ومن ثُمَّ أشرف المغول على البلاد الشَّاميَّة.[66] وقف أمير أنطاكية الصليبي بوهيموند السادس إلى جانب المغول رُغم تردُّد باقي الإمارات الصليبيَّة وتخوُّفها من الانضمام لِهؤلاء، وحالف الأرمن في قيليقية المغول وشجَّعوهم على القضاء على المُسلمين في الشَّام واشتركوا معهم في قتالهم على أمل استخلاص الأراضي المُقدسة منهم وبيت المقدس خُصوصًا.[67] أمَّا المُلُوك والأُمراء المُسلمون فكانوا يفتقدون الرَّابطة الاتحاديَّة، وعمل كُل أميرٍ بِاستقلالٍ عن الآخر. لِذلك، ضرب الناصر يُوسُف الأيُّوبي الصُلح مع المماليك بِعرض الحائط، وعرض على هولاكو التعاون أملًا باسترجاع مصر لِلبيت الأيُّوبي. وكان أن استجاب هولاكو لِتلك الدعوة، وقرَّر إرسال قُوَّة من عشرين ألف فارس إلى الشَّام، ولم يلبث المغول أن زحفوا من العراق على الشَّام، فانتقلوا في سُرعةٍ مُذهلةٍ من ديار بكر إلى آمُد يُريدون حلب. ولم يُوفَّق المُسلمون في الدفاع عن حلب فدخلها المغول وقتلوا ونهبوا وسلبوا وفعلوا عادة فعلهم.[68] وهُنا أفاق النَّاصر يُوسُف لِحقيقة خطر المغول، فأرسل إلى قريبه المُغيث عُمر صاحب الكرك والمُظفَّر قُطُز صاحب مصر يطلب منهُما النجدة السريعة. على أنَّهُ يبدو أنَّ كثيرًا من الأُمراء بالشَّام خافوا عاقبة مُقاومة المغول ونادوا بِأنَّهُ لا فائدة من تلك المُقاومة، فأخذ الأمير زينُ الدين الحافظي يُعظِّم من شأن هولاكو وأيَّد مبدأ الاستسلام له، ولكنَّ الأمير رُكن الدين بيبرس البندقداري – وكان قد أصبح من أُمراء المماليك البحريَّة بالشَّام – لم يُعجبه ذلك القول، فقام وسبَّهُ وضربه وقال له: «أَنْتُمُ سَبَبُ هَلَاكُ المُسْلِمِيْن!»[69] ولم يرضَ بيبرس ومن معهُ من البحريَّة عن مسلك الناصر يُوسُف وأُمراء الشَّام، فساروا إلى غزَّة، وأرسل بيبرس إلى السُلطان قُطُز يعرض عليه توحيد جُهود المُسلمين ضدَّ خطر المغول. وفي الحال استجاب قُطُز للدعوة[70].، فأرسل إلى بيبرس يطلب منهُ القُدوم، واستقبلهُ بِدار الوزارة وأقطعهُ قليوب وأعمالها.[71]
 
سقطت مُدن الشَّام الواحدة تلو الأُخرى في يد المغول، فساروا من حلب إلى دمشق ثُمَّ بعلبك نُزولًا إلى فلسطين حتَّى بلغوا غزَّة. وأرسل هولاكو إلى قُطُز خطاب تهديدٍ ووعيد يطلب منهُ التسليم ويقُولُ له: «يَعلَمُ المَلِكُ المُظَفَّرُ قُطُز وَسَائِرَ أُمَرَاءَ دَوْلَتِهِ وَأَهلَ مَملَكَتِهِ بِالدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الأَعمَالِ، أَنَّا نَحنُ جُندَ الله فِي أَرضِهِ، خَلَقَنَا مِن سَخطِهِ وَسَلطِهِ عَلَى مَن حَلَّ بِهِ غَضَبِهِ… فَاتَّعِظُوا بِغَيْرِكُمُ.. فَنَحْنُ لَا نَرْحَمُ مَن بَكَى وَلَا نَرُقُّ لِمَن شَكَى…».[72] وختم رسالتهُ بِقصيدةٍ جاء في مطلعها:
 
ألا قُل لِمصر ها هُلاون قد أتى
بِحدِ سُيوفٍ تُنتضى وبواترُ
يصيرُ أعزُّ القوم منا أذلةً
ويُلحق أطفالًا لهم بالأكابرُ
 
ولكنَّ قُطُز لم يجبن أمام ذلك التهديد، فقتل رُسُل المغول وعلَّق رُؤوسهم على باب زويلة، وقرَّر الخُرُوج لِلتصدِّي لِلمغول، وشجَّعهُ على ذلك الأنباء التي أفادت بِرحيل هولاكو شرقًا بعد أن علم بِوفاة الخاقان الأعظم منكو خان، وتركه القيادة بِيد نائبه كتبغا، وأنَّ الصليبيين نفضوا يدهم من التحالف مع المغول لِعدم ثقتهم فيهم، فرأى أنَّ الفُرصة أصبحت مُؤاتية لِلوُقوف بوجه هذا الخطر ودحره والانتصار عليه.[73] أعدَّ المُسلمون العدَّة لِمُواجهة المغول، وخرجوا بِقيادة قُطُز نحو فلسطين، فقابلوا جيش المغول في يوم 25 رمضان 658هـ المُوافق فيه 3 أيلول (سپتمبر) 1260م في سهل عين جالوت حيثُ دارت بين الطرفان معركةٌ حامية الوطيس أُفني فيها الجيش المغولي عن بُكرة أبيه، وقُتل قائده كتبغا. ثُمَّ حرَّر المُسلمون باقي مُدن الشَّام من المغول، وأمر قُطُز بِإنزال القصاص بِالذين تعاونوا معهم، وكان في مُقدمتهم عددٌ من الأهالي المسيحيين في دمشق وغيرها، والأُمراء الأيُّوبيين، فيما عفى عن قسمٍ آخر منهم. ثُمَّ رتَّب أوضاع المُدن المُستعادة، وأعلن وحدة الشَّام ومصر مُجددًا،[74] قبل أن يقفل ويرجع إلى القاهرة، التي أصبحت مُنذ ذلك الحين قِبلة العُلماء والأُدباء النازحين من العراق والشَّام والبلاد التي دمَّرها المغول.
 
إحياء الخِلافة العبَّاسيَّة

بعد زوال الخطر المغولي الذي أجبر المماليك جميعًا على الاتحاد، تجدَّدت النزاعات بين قُطُز ومماليكه المعزيَّة من جهة وبين المماليك البحريَّة بِقيادة الأمير بيبرس البندقداري من جهةٍ أُخرى. وكان من نتيجة تلك النزاعات أن دفعت المماليك البحريَّة بيبرس إلى اغتيال قُطُز يوم السبت 15 ذي القعدة 658هـ المُوافق فيه 22 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1260م، بعد أن أظهر قُصر نظر في الحقل السياسي حين تجاهل مكانة بيبرس التي ارتفعت بعد معركة عين جالوت. بعد مقتل قُطُز، بايع الأُمراء والجُند بيبرس سُلطانًا على مصر والشَّام، وحلفوا لهُ جميعًا أن لا يخونوا ولا يثبوا عليه. ويبدو أنَّ بيبرس شعر مُنذُ أن تسلَّم الحُكم، أنَّهُ بِحاجةٍ إلى دعمٍ أدبيٍّ يُكسب حُكمه صفة شرعيَّة، بعد أن نظر إليه مُعاصروه على أنَّهُ اغتصب السلطنة من قُطُز، يُضاف إلى ذلك أنَّ كثيرًا من الناس استمرَّت تنظر إلى المماليك نظرة الريبة من زاوية أصلهم غير الحُر وانتزاعهم الحُكم من سادتهم الأيُّوبيين، ممَّا كان دافعًا لهم لِلبحث عن سندٍ شرعيٍّ يُبرِّرون بِواسطته حُكمهم. والحقيقة أنَّ العالم الإسلامي شعر بِفراغٍ كبيرٍ في منصب القيادة الروحيّ بعد سُقُوط بغداد في أيدي المغول، ولم يكن بِالإمكان أن يخلف أحد أبناء البيت العبَّاسي الخليفة المُستعصم بعد مقتله، لأنَّ عاصمة الخِلافة أضحت قاعدةً لِلحُكم المغولي. وقد حاول بعض الأُمراء المُسلمين إعادة إحياء الخِلافة العبَّاسيَّة، ومنهم النَّاصر يُوسُف الأيُّوبي وسيف الدين قُطُز، لكنهما لم ينجحا، فرأى بيبرس أن يكون هو هذا الحاكم المُسلم الطموح الذي يُعيد الحياة إلى هذه الخِلافة على أن يكون مقرَّها القاهرة، لِيجعل منها سندًا لِلسلطنة المملوكيَّة التي كانت بِحاجةٍ ماسَّة إلى دعمٍ روحيٍّ يجعلها مهيبة الجانب، بِالرُغم من الانتصارات التي حققتها ضدَّ المغول، ولِيُحيط عرشه بِسياجٍ من الحماية الروحيَّة يقيه خطر الطامعين في مُلك مصر والشَّام، ويُبعد عنه كيد مُنافسيه من أُمراء المماليك في مصر الذين اعتادوا الوُصُول إلى الحُكم عن طريق تدبير المُؤامرات، وكي يظهر بِمظهر حامي الخِلافة الإسلاميَّة. تذكر بعض الروايات أنَّ قُطُز كان قد بايع أمير عبَّاسي يُدعى أبا العبَّاس أحمد، كان قد هرب إلى دمشق هربًا من المغول، فأمر بِإرساله إلى مصر تمهيدًا لِإعادته إلى بغداد. وتذكر بعض الروايات أنَّ المُظفَّر بايع فعلًا هذا الخليفة وهو في دمشق، غير أنَّ حادثة اغتياله حالت دون تنفيذ هذا المشروع. استدعى بيبرس الأمير المذكور لِيحضر إلى القاهرة لكنَّهُ لم يفعل، ووصل في ذلك الوقت أميرٌ عبَّاسيٌّ آخر هو أبو القاسم أحمد، فارًا من وجه المغول، فاستدعاه بيبرس فورًا إلى القاهرة، واستقبلهُ استقبالًا حافلًا وبُويع بِالخلافة صباح يوم الإثنين 13 رجب 659هـ المُوافق فيه 15 حُزيران (يونيو) 1261م، وكتب بيبرس إلى سائر السلاطين والأُمراء والنُوَّاب المُسلمين خارج مصر لكي يأخذوا البيعة لِلخليفة الجديد، وأمرهم بِالدُعاء له على المنابر قبله وأن تُنقش السكَّة باسميهما. وقام الخليفة العبَّاسي بِدوره، فقلَّد بيبرس البلاد الإسلاميَّة وما ينضاف إليها، وما سيفتحهُ من بلادٍ في دار الحرب، وألبسهُ خُلعة السلطنة. وبِذلك أضحى بيبرس سُلطانًا شرعيًّا، فأمن بذلك مُنافسة الأُمراء له.

بداية المُناوشات مع الصليبيين

 
خريطة تُظهر موقع إمارتيّ طرابُلس وأنطاكية ومملكة قبرص التي كانت عرضة لِهجمات المُسلمين بِقيادة بيبرس.
 
بعد إحياء الخِلافة العبَّاسيَّة، وتوطيد أركان الدولة المملوكيَّة، وإنزال الهزيمة القاسية بِالمغول، اعتبر بيبرس أنَّ الوقت قد حان لاستعادة بلاد المُسلمين التي احتلَّها الصليبيين مُنذُ حوالي القرن من الزمن، ورأى أن يبدأ بِمُعاقبة القوى المسيحيَّة التي ساعدت المغول ووقفت بِجانبهم ضدَّ المُسلمين، وخصَّ منهم حيطوم ملك قيليقية الأرمنيَّة وبوهيموند السادس أمير أنطاكية. فأرسل في سنة 659هـ المُوافقة لِسنة 1261م، جيشًا إلى حلب لِشن غارات واسعة النطاق على أملاك أنطاكية. وتجدَّدت الغارات في السنة التالية، وهدَّد المُسلمون أنطاكية نفسها بِالسُقُوط لولا أنجدها جيشٌ مغولي أرمني مُشترك يقوده الملك حيطوم بِنفسه، فاضطرَّ الجيش الإسلامي إلى فك الحصار.[87] لم يسع بيبرس، نتيجة فشله في استعادة أنطاكية، وتهديده المُستمر من جانب مغول فارس، في الأوقات التي يُهاجم فيها الإمارات الصليبيَّة، إلَّا اللُجوء إلى الدبلوماسيَّة لِتحصين موقفه. لِذلك، تحالف مع بركة خان بن جوشي، خان القبيلة الذهبيَّة، والإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثامن پاليولوگ، والسُلطان السُلجوقي عز الدين كيكاوس بن كيخسرو، وأضحى باستطاعته القيام بِمشاريعه الكُبرى ضدَّ الصليبيين وهو آمن.[88] بدأت الحرب بين المُسلمين بِقيادة بيبرس، والصليبيين سنة 661هـ المُوافقة لِسنة 1263م، عندما هاجمت جُيُوش المُسلمين الناصرة، كما هاجم بيبرس بنفسه مدينة عكَّا ولكنَّهُ لم يُفلح في استردادها، على أنَّ الحرب الشاملة التي شنَّها بيبرس على الصليبيين لم تبدأ إلَّا في سنة 663هـ المُوافقة لِسنة 1265م، عندما استردَّ المُسلمون قيسارية ويافا وعثليث وأرسوف. وفي نفس السنة تُوفي هولاكو وخلفه آباقا خان، ولم يكن باستطاعته التدخُّل في شؤون الشَّام لانشغاله بِمُحاربة أبناء عُمومته في القبيلة الذهبيَّة الذين أغاروا على بلاده الربيع التالي،[89] فأضحى باستطاعة بيبرس أن يستأنف حملاته ضدَّ الصليبيين دون أن يخشى تدخلًا مغوليًّا. وهكذا استرجع المُسلمين في السنة التالية مُدن وبلدات صفد وهونين وتبنين والرَّملة.[90] ولم يغفر بيبرس لِمملكة أرمينية الصُغرى في قيليقية أو لِإمارتيّ أنطاكية وطرابُلس تحالُفها مع المغول ضدَّ المُسلمين، فأخذ يُمهِّد سنة 665هـ المُوافقة لِسنة 1266م لِلقيام بِعملٍ حربيٍّ ضدَّ هذه القوى الصليبيَّة، وأرسل جيشًا تحت قيادة الأمير قلاوون استولى على بعض القلاع الواقعة شماليّ طرابُلس الشَّام لِتحقيق ذلك الغرض.[ْ 11]

حصن الأكراد في حِمص. مكَّنت استعادة هذا الحصن المُسلمين من التحكُّم بِالطُرق المُؤدية إلى طرابُلس.
 
وفي صيف سنة 665هـ المُوفقة لِسنة 1266م، وجَّه بيبرس حملةً كُبرى ضدَّ أرمينية الصُغرى أثناء غياب ملكها حيطوم الأوَّل في زيارةٍ لِمغول فارس، ونجح المُسلمين في إنزال هزيمة كُبرى بِالأرمن قُرب دربساك، وانتقموا منهم شرَّ انتقام، فدمَّروا مُدن قيليقية وبِخاصَّة أضنة وطرسوس والمصيصة، كما أشعلوا النار في العاصمة سيس، وقُتل أحد أبناء الملك حيطوم في الحرب في حين أُسر الابن الثاني، وبعد ذلك عاد المماليك إلى الشَّام مُحمَّلين بِالغنائم ومعهم آلاف الأسرى من الأرمن.[91] وأخيرًا توَّج بيبرس جهوده ضدَّ الصليبيين باسترجاع أنطاكية في شهر أيَّار (مايو) سنة 1268م. وكانت خسارة الصليبيين بِسُقُوط أنطاكية ضخمة، لأنها كانت كُبرى إماراتهم بِالشَّام، وثاني إمارة أسسوها بعد الرُّها، لِذلك جاء سُقُوطها إيذانًا بانهيار البناء الصليبي بِالشَّام، بحيثُ لم يبقَ لِلصليبيين بعد ذلك من المُدن سوى عكَّا وطرابُلس. ولم تقتصر حركة الجهاد التي قام بها بيبرس ضدَّ القوى الصليبيَّة في الشرق الأدنى على أرمينية الصُغرى والشَّام، وإنما امتدَّت إلى جزيرة قبرص، المحكومة من قِبل آل لوزنيان الإفرنج. ولم يستطع الظاهر بيبرس أن يغفر لِملك قبرص هيوج الثالث تهديده لِسُفن المُسلمين في شرق حوض البحر المُتوسِّط، أو مُساعدته لِلصليبيين ضدَّ المُسلمين بِالشَّام، فأرسل حملةً بحريَّةً سنة 668هـ المُوافقة لِسنة 1270م لِغزو قبرص.[92] ولكنَّ هذه الحملة أُصيبت بِالفشل بِسبب ريحٍ عاصفة هبَّت على السُفن الإسلاميَّة قرب شاطئ قبرص فتحطَّم بعضها، وعاد البعض الآخر دون نتيجة.[93] وهكذا استمرَّ بيبرس يشُنَّ الحُروب العنيفة على الصليبيين دون هوادة ولا رحمة، فاسترجع في سنة 669هـ المُوافقة لِسنة 1271م بلدة صافيتا وحصن الأكراد وحصن عكَّا والقرين، وأخذ يستعد لِمُهاجمة طرابُلس ذاتها، لولا وُصُول الأمير إدوارد الإنكتاري إلى الشَّام ومعهُ بضع مئاتٍ من المُحاربين، مما جعل بيبرس يخشى أن يكون ذلك مُقدِّمة لِحملةٍ صليبيَّةٍ كبيرة.[ْ 12] وجديرٌ بِالذكر أنَّ حرص بيبرس على تقليم أظافر الصليبيين بِالشَام دفعه إلى القضاء على نُفُوذ الباطنيَّة الحشيشيَّة. وكانت هذه الطائفة قد قامت بِدورٍ خطيرٍ في تاريخ الحُرُوب الصليبيَّة، وأسهمت بِقسطٍ وافرٍ في انحلال الشَّام في ذلك العصر. ثُمَّ أنهم لم يكتفوا باغتيال كثير من زُعماء حركة الجهاد من المُسلمين، وإنما حالفوا الصليبيين ودفعوا لهم الأموال رمزًا لِلتبعيَّة، وانقلبوا عليهم في بعض الأحيان وفق ما قضته مصلحتهم. لِذلك سعى بيبرس إلى القضاء على نُفُوذ الباطنيَّة في الشَّام قضاءً تامًّا، فعزل مُقدمهم نجم الدين الشعراني، واستولى على حُصونهم حصنًا بعد آخر حتَّى استولى عليها جميعًا وأراح البلاد من شرِّهم.[94]

غزو الأناضول ومعركة البستان

 
التحرُّكات العسكريَّة بين المُسلمين والصليبيين والمغول، قُبيل الغزوة المملوكيَّة على الأناضول، وعند وُصول حملة الأمير إدوارد الإنكتاري إلى الشَّام.
 
لم ينقطع العداء بين المماليك والمغول مُنذُ موقعة عين جالوت، إذ ظلَّ مغول فارس يتحيَّنون الفُرصة لِلثأر، ويُغيرون بين حينٍ وآخر على أطراف الدولة المملوكيَّة الشماليَّة بِالعراق والشَّام. ولكنَّ موجة المغول الكاسحة كانت قد انكسرت حدَّتها بعد هزيمتهم الفادحة في عين جالوت، وبعد وفاة هولاكو، وأصبحوا في حالةٍ من الإجهاد والمشاكل الداخليَّة لا تُمكنهم من القيام بِمُحاولةٍ كُبرى لِغزو الشَّام. لِذلك، سعى خليفة هولاكو آباقا خان إلى طلب الصُلح من بيبرس، على الرُغم من احتفاظه بِمشاعر العدائيَّة والكراهيَّة تجاه المُسلمين، وسياسته الوديَّة تجاه الصليبيين في الشَّام وقيليقية. ولجأ آباقا في طلبه الصُلح إلى مزيجٍ من الترغيب والتهديد، إذ قال مُخاطبًا بيبرس: «فَأَنتَ لَو صَعَدّتَ إِلَى السَّماءِ أو هَبَطَّتَ إِلَى الأَرضِ مَا تَخَلَّصتَ مِنَّا، فَالمَصلَحَة أن تَجعَل بَينَنَا صُلحًا».[95] ولكنَّ بيبرس كان يعلم جيِّدًا أنَّ الصُلح مع المغول أمرٌ لا يرضى عنه أي مُسلم عندئذٍ، بعد أن دمَّروا بغداد وقتلوا الخليفة المُستعصم بِالله، وفعلوا بِالمُسلمين في العراق ما يتنافى مع قواعد الإنسانيَّة والرحمة. لِذلك رفض بيبرس طلب آباقا لِلصُلح وأعلن أنَّهُ لن يكُفَّ عن المغول حتَّى يسترد جميع البلاد التي اغتصبوها من المُسلمين.[96] ولمَّا يئس آباقا من الصُلح أرسل رجاله لِلإغارة على الشَّام سنة 668هـ المُوافقة لِسنة 1269م، فهاجموا الساجور، ولكنَّهم ارتدوا خائبين عندما رأوا الجُيُوش التي أرسلها السُلطان لِمُنازلتهم. ثُمَّ عاد المغول مرَّة أُخرى لِمُهاجمة عينتاب وعُمق الحارم سنة 669هـ المُوافقة لِسنة 1271م، ولكن إغارتهم كانت محدودة الأثر والأهميَّة. وفي ذلك الوقت حاول الأمير إدوارد الإنكتاري أن يستغل المغول في مُهاجمة المُسلمين بِالشَّام، وأرسل فعلًا سفارةً إلى آباقا لِذلك الغرض ولكنَّ آباقا لم يُقدِّم لِلصليبيين أكثر من بضعة وُعُود، بل إنه أرسل بعض الرُّسل لِلسُلطان بيربس لِتجديد الكلام في الصُلح. ومع أنَّ بيبرس أحسن استقبال رُسل المغول في هذه المرَّة وأرسل معهم بعض الهدايا لِآباقا، فإنهُ لم يُوافق على مبدأ الصُلح معهم ممَّا جعلهم يُجددون هجماتهم على البيرة.[97]

قلعة قيصريَّة القديمة: دخلها بيبرس وضمَّها إلى دولته.
 
في تلك الفترة، دخل سلاجقة الروم في الأناضول، بِحُكم موقع بلادهم الاستراتيجي، في دوَّامة الصراع بين المغول والمماليك، وتقلَّبت سياستهم وفقًا لِتغيير ميزان القوى، فهُم تارةً مع المغول يستمدون العون منهم، ويُحاربون في صُفوفهم، وتحت رايتهم، وتارةً أُخرى يستنجدون بِالمماليك لِيُحرروهم من سيطرتهم. إلَّا أنه وُجدت فئة من الأُمراء حملت لواء المُعارضة لِلوُجود المغولي في البلاد، فتعرَّضت لِلضغط الشديد ممَّا اضطرَّها إلى الهجرة إلى الشَّام ومصر حيثُ رحَّب بهم بيبرس ووعدهم بالسير إلى الأناضول واستخلاصها من يد أُمراء السلاجقة المُؤيدين لِلمغول، وضم البلاد المملوكيَّة والسُلجوقيَّة في سبيل الاتصال بِمغول القبيلة الذهبيَّة لِلوُقوف في وجه مغول فارس.[98] وفي سنة 674هـ المُوافقة لِسنة 1276م، أعدَّ بيبرس حملةً كبيرةً لِغزو الأناضول، وسار على رأس جُيُوشه شمالًا. وفي موقعة البستان حلَّت الهزيمة ساحقةً بِالمغول ومن حالفهم من السلاجقة، فقُتل عددٌ ضخمٌ من رجالهم.[99] وبعد ذلك دخل بيبرس قيصريَّة ودُعي له على منابرها، وقدَّم لهُ أُمراء السلاجقة فُرُوض الولاء والطَّاعة ثُمَّ قفل راجعًا إلى الشَّام.

قيام السُلالة القلاوونيَّة

 
السلطنة المملوكيَّة عند انتقال الأمر إلى السُلالة القلاوونيَّة مع تربُّع الأمير قلاوون الألفي على عرش الدولة.
 
لم يعش بيبرس طويلًا بعد حملته على بلاد الأناضول، إذ تُوفي في دمشق يوم الخميس 27 مُحرَّم 676هـ المُوافق فيه 29 حُزيران (يونيو) 1277م.[100] وكان قد أوصى بِولاية العهد إلى ابنه البكر السعيد بركة، مُتحديًا بِذلك طبيعة المماليك ونظامهم، وجعل الأُمراء يُقسمون يمين الطاعة لِذلك الأمير ظنًا منه أنَّ هذا كفيل بأن يجعل الأُمور تستتب على الوجه الذي يُريده بعد وفاته. لكن بعد وفاة بيبرس بِفترةٍ قصيرة، أخذ أُمراء المماليك يُسببون المتاعب لِلسُلطان الجديد في مصر والشَّام جميعًا، لِعدم إيمانهم بِمبدأ الوراثة في الحُكم، فضيَّقوا عليه الخناق وأزعجوه حتَّى اضطرَّ إلى التنازل عن السلطنة سنة 678هـ المُوافقة لِسنة 1279م، ولم يكن قد مضى على قيامه في منصب السلطنة عامان.[101] عُرضت السلطنة عندئذٍ على أقوى الأُمراء – وهو الأمير قلاوون الألفي – ولكنَّهُ كان يُدرك أنَّ الأُمور لم تنضج بعد نُضجًا كافيًا، فتظاهر بِالزُهد ورفض المنصب قائلًا أنهُ لا يشتهيه وأنَّ خلعه السعيد بركة كان حرصًا على نظام الدولة وحفظًا لها، والأولى أن لا يخرج الأمر من ذُريَّة بيبرس.[102] وهكذا اختير الابن الثاني لِبيبرس – وهو الأمير بدرُ الدين سُلامش – سُلطانًا سنة 678هـ المُوافقة لِسنة 1279م، في حين أصبح الأمير قلاوون أتابكًا لِلسُلطان الجديد – أي وصيًّا عليه. وبِهذه الطريقة حقَّق قلاوون غرضه لِأنَّ السُلطان الجديد كان في السابعة من عُمره، فاستغلَّ قلاوون وصايته لِلاستئثار بِالسُلطة والتخلُّص من المماليك الظاهريَّة (مماليك الظاهر بيبرس). وعندما اطمأنَّ قلاوون تمامًا إلى أنَّ الأُمور غدت مُهيأة لاعتلائه منصب السلطنة أعلن أنَّهُ لا فائدة من بقاء ذلك الصبيّ الصغير على العرش، فعزله قبل أن يمضي عليه في السلطنة ثلاثة أشهر، وحلَّ محلُّه.[103] وبِتولِّي الأمير قلاوون العرش المملوكي، قامت السُلالة القلاوونيَّة التي استطاعت أن تحتفظ بِمنصب السلطنة في ذُريَّة هذا الرجُل مُدَّة أربت عن قرن، فكانت بِلك مثلًا فريدًا في دولة المماليك، إذ شذَّت عن قاعدة عدم توريث المُلك التي آمن بها المماليك. هذا إلى أنَّ العصر الذي حكمت فيه أُسرة قلاوون يُمثِّلُ عصر الازدهار في الدولة المملوكيَّة، إذ ظهرت في ذلك العصر جميع مُميزات تلك الدولة، واكتملت فيه معالمها مثلما ازدهرت حضارتها، وذلك بعد أن انتهى الدور التأسيسي الذي نهض به السُلطان الظاهر بيبرس. ومن أسباب ثبات مُلك هذه السُلالة أنَّ قلاوون أرسى هيبة بيته في النُفُوس، وأحاط اسمه واسم أُسرته بِهالةٍ من المجد والعظمة، جعلت المُعاصرين يتمسَّكون بِأبناءه وأحفاده من بعده، ويرون في بيت قلاوون رمزًا لِلقُوَّة والعظمة والاستقرار في الداخل والأمن في الخارج. وكان قلاوون نفسه على قدرٍ من الذكاء وبُعد النظر في شُؤون الحرب والسلم والسياسة والدبلوماسيَّة، ووصفه المُؤرخون الذين عاصروه بِأنَّهُ كان إنسانًا حليمًا عفيفًا في سفك الدماء مُقتصدًا في العقاب، كارهًا لِلأذى، وأنَّهُ كان رجُلًا مهيبًا شُجاعًا.[104]

إنشاء طائفة المماليك الشراكسة

فُرسانٌ شراكسة.

 
أميرٌ مملوكي شركسي، أو جركسي، وبجانبه حصانه.
 
تعرَّض قلاوون، في أوائل عهده، إلى ثورتين: الأولى قام بها نائب السلطنة في دمشق الأمير سُنقُر الأشقر الذي امتنع عن مُبايعة قلاوون ودعا أهل دمشق إلى الخُروج عن طاعة الأخير، وأعلن نفسه سُلطانًا وتلقَّب بِلقب «الملك الكامل»، وطلب من نُوَّاب الولايات في الشَّام الاعتراف به.[105] لم يقف السُلطان قلاوون موقف المُتفرِّج من هذه الحركة، فقاتل الأمير سُنقُر حتَّى هزمه وأجبره على الاستسلام، فطلب الأمان والعفو، فمُنح ذلك، وعُفي عنه، وعاد إلى القاهرة مُعززًا.[106] أمَّا الثورة الثانية التي تعرَّض لها قلاوون فكانت مُؤامرةٍ حاكها بعض الأُمراء الظاهريَّة، إذ اتفقوا مع المغول على اغتياله، وأسرُّوا لِلصليبيين في عكَّا بما دبَّروا، ونصحوهم بِعدم عقد أيَّة مُعاهدة مع السُلطان لأنَّهُ سيُقتل في القريب العاجل. لكنَّ هؤلاء رفضوا التعاون معهم وحذَّروا قلاوون منهم. ولمَّا علم السُلطان بِتفاصيل المُؤامرة استدرج الأُمراء المُتآمرين وكشف لهم علمه بِالأمر، وأمر بِإعدامهم، ثُمَّ قبض على الأُمراء الذين كان يشك في إخلاصهم له وسجنهم.[107] رُغم إخضاع الثورتين سالِفتا الذِكر، إلَّا أنَّ السُلطان قلاوون فقد بِسببهما ثقته بِالمماليك الظاهريَّة، واتجه إلى تأسيس طائفةٍ مملوكيَّةٍ خاصَّةٍ به تُساعده في توطيد حُكمه في الدَّاخل وتُسانده في سياسته الخارجيَّة، ويكون اعتماده عليها دون الطوائف المملوكيَّة الأُخرى. فأنشأ في سنة 681هـ المُوافقة لِسنة 1282م طائفة المماليك الشراكسة، وهو عُنصرٌ جديد من أصلٍ قوقازي، يعيش في القسم الشمالي الغربي لِبلاد القوقاز وفي قسمٍ من الشاطئ الشرقي لِلبحر الأسود إلى أطراف بلاد الأبخاز جنوبًا. تميَّز هذا العُنصُر بِميزتين: انخفاض ثمنه بِالمُقارنة مع غيره من فئات المماليك التُرك، ووفرة أعداده في الأسواق. وظلَّ قلاوون يعمل على الإكثار من شراء هذا العُنصر حتَّى أضحى عددهم ثلاثة آلاف وسبعُمائة في أواخر أيَّامه، وأنزلهم في أبراج قلعة القاهرة، لِذلك عُرفوا بِالمماليك البُرجيَّة. غير أنَّ لفظ «الشركس» أو «الجركس» لم يُطلق عليهم إلَّا بعد عدَّة سنوات، وقُدِّر لِهؤلاء أن يكون لهم شأنٌ كبير في تاريخ مصر وسائر بلاد الشرق الأدنى في القُرون اللاحقة.[108]

استرداد سواحل الشَّام

هزيمة المغول (يسارًا) على يد المُسلمين (يمينًا) في موقعة حِمص.
 
بعد أن تخلَّص السُلطان قلاوون من الأخطار الداخليَّة التي واجهته، بدأ ينصرف نحو المغول والصليبيين الذين ما فتئوا يُهددون الشَّام بين فينةٍ وأُخرى. وكان آباقا خان قد أرسل في سنة 679هـ المُوافقة لِسنة 1280م قُوَّةً احتلَّت بعض القلاع في شمال الشَّام، ثُمَّ رحلت إلى حلب فدخلتها وأحرقت جوامعها ومدارسها وقتلت الكثير من أهلها، قبل أن تُسرع بِالعودة إلى قواعدها بِالعراق ما أن وصلها أنَّ قلاوون خرج إلى غزَّة في طريقه إليهم لِمُنازلتهم.[109] استغلَّ الصليبيُّون فُرصة إغارة المغول على شمال الشَّام وحاولوا استرداد حصن الأكراد من المُسلمين، لكنَّ مُحاولتهم باءت بِالفشل،[ْ 13] غير أنَّ تلك المُحاولة نبَّهت قلاوون إلى الخطر الذي يُحيق به نتيجة تحالف أعدائه المغول والصليبيين، لِذلك أخذ يتَّبع سياسةً جديدةً تستهدف التفرقة بين خُصُومه وعدم تمكينهم من الاتحاد ضدَّ المُسلمين لِيتمكن من مُنازلة كُلٌ منهم على حدة. فعقد صُلحًا مع القوى الصليبيَّة الرئيسيَّة في الشَّام لِمُدَّة عشر سنوات، ثُمَّ حوَّل أنظاره ناحية المغول لِضربهم ضربةً موجعة.[110] وكان أن خرج آباقا بنفسه إلى الشَّام على رأس جيشٍ كبيرٍ من المغول في سنة 680هـ المُوافقة لِسنة 1281م، وسار معه ليون الثالث ملك أرمينية الصُغرى. وفي موقعة حِمص التي دارت بين المُسلمين والمغول يوم 14 رجب 680هـ المُوافق فيه 29 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1281م، حلَّت الهزيمة ساحقةً بِالمغول وولُّوا الأدبار إلى العراق بعد أن هلك منهم خلقٌ كثير.[111] وما دام السُلطان قلاوون قد أحرز هذا النصر على المغول، فإنهُ رأى أن ينتهز الفُرصة لِيُنزل ضربته الثانية بِالصليبيين على الرُغم من أنَّهُ كان قد عقد معهم صُلحًا لِمُدَّة عشر سنوات كما أُسلف، ولم تنقضِ منها سوى أربع سنواتٍ فقط. ففي سنة 684هـ المُوافقة لِسنة 1285م، هاجم قلاوون الإسبتاريَّة في حصن المرقب – وهو من أخطر الحُصُون الصليبيَّة بِالشَّام – واستولى عليه فعلًا، ممَّا سبب خسارة كُبرى لِلصليبيين.[112] وفي الوقت الذي كان المُسلمين يتأهبون لِلإجهاز نهائيًّا على الصليبيين بِالشَّام، لم ينتبه الصليبيُّون إلى حقيقة الخطر الذي يتهددهم، واستمرُّوا غارقين في مُنازعاتهم الداخليَّة، وهي المُنازعات التي ميَّزت تاريخ الصليبيين بِالشَّام في النصف الأخير من القرن الثالث عشر الميلادي،[ْ 14] وقد انتهز السُلطان قلاوون فُرصة انشغال الصليبيين بِتلك المُنازعات وأرسل حملةً استرجعت اللاذقيَّة سنة 686هـ المُوافقة لِسنة 1288م، وهي آخر بلد كان قد تبقَّى لِلصليبيين من إمارة أنطاكية. وشاء سوء حظ الصليبيين في تلك الظُروف أن يموت بوهيموند السَّابع أمير طرابُلس دون وريث، فقام في إمارته نزاعٌ داخليّ حول وراثة الحُكم، واستنجد فريقٌ من المُتنازعين بِالسُلطان قلاوون.[113]

المُسلمون يُحاصرون ويفتتحون طرابُلس بعد أن ظلَّت في حوزة الصليبيين 180 سنة.
 
وهُنا أسرع قلاوون إلى افتراس الفُرصة، فتجهَّز لِأخذ طرابُلس، وخرج من مصر على رأس جيشه دون أن يُعلن هدفه، وذلك في شهر مُحرَّم سنة 688هـ المُوافق فيه شهر شُباط (فبراير) سنة 1289م. وكان جيش المُسلمين كبيرًا – يزيدُ عن أربعين ألف فارس ومائة ألف راجل – فلم تستطع طرابُلس مُقاومة الحصار الذي فرضه عليها السُلطان وسقطت في قبضته بعد أن احتلَّها الصليبيُّون طيلة 180 سنة.[114] ولم يلبث المُسلمون أن استرجعوا المراكز التي أخلاها الصليبيُّون قُرب طرابُلس – مثل أنفة والبترون وبيروت وجبلة – وبذلك لم يبقَ لِلصليبيين من مُلكهم العريض في الشَّام سوى عكَّا وصيدا وصُور وعثليث.[ْ 15] ومن الواضح أنَّ عكَّا كانت أعظم هذه المُدن الصليبيَّة وأمنعها، وأنها صارت المركز الجديد لِمملكة بيت المقدس اللاتينيَّة بعد أن استرجع صلاح الدين بيت المقدس لِلمُسلمين، ومع ذلك فإنَّهُ لم يكن في نيَّة السُلطان قلاوون مُهاجمة عكَّا عقب استيلائه على طرابُلس مُباشرةً. ذلك أنَّ قلاوون اتجه إلى دمشق، حيثُ وافق على تجديد الهدنة مع الصليبيين لِمُدَّة عشر سنوات.[115] شكَّل سُقُوط طرابُلس صدمة عنيفة لِسُكَّان عكَّا، كما أثار النقمة في الغرب الأوروپي، وجعل المُدن الصليبيَّة في الشَّام تحت رحمة السُلطان قلاوون. وكتب البابا نُقُولا الرابع إلى مُلُوك الغرب يلتمس منهم تقديم المُساعدة، لكنَّ أحدًا لم يُجبه نظرًا لانشغال كُل ملك بِمشاكله الداخليَّة، ولم يُلبِّ نداء البابا سوى جماعات فقيرة من شمالي إيطاليا الذين تطلَّعوا إلى مُغامرةٍ تعود عليهم بِالمنفعة، ولم يكن البابا راضيًا عنهم، غير أنَّهُ قبل مُساعدتهم مُضطرًّا، وجعلهم تحت رئاسة أُسقف طرابُلس. وقدَّمت البُندُقيَّة عشرين سفينة وألف وستُمائة مُرتزق، كما قدَّم ملك أراغون خمس سُفنٍ حربيَّة.[116] وبينما الصليبيُّون بِالشَّام يخطبون ودّ السُلطان قلاوون، وصلت تلك الجُمُوع الصليبيَّة من إيطاليا وهي تفيضُ حماسةً، وفي الوقت نفسه ينقصها النظام والخبرة وضبط النفس، فاعتدوا على المُسلمين خارج أسوار عكَّا مما أنذر بِتجدُّد الحرب بين المُسلمين والصليبيين، وأخذ قلاوون يعد العدَّة لِلقيام بِعملٍ حربيٍّ كبيرٍ ضدَّ عكَّا.[117]

استرداد عكَّا وإجلاء الصليبيين

الحروب الصليبية والدول الإسلامية المعاصرة لها.jpg

المُسلمون والصليبيُّون يتقاتلون على أسوار عكَّا، في المعركة المصيريَّة الفاصلة التي أنهت التواجد الصليبي في المشرق الإسلامي، وتساقطت بعدها آخر مُمتلكات الصليبييين في الشَّام بِيد المُسلمين، لِينجلي الإفرنج بعد ذلك ويرجعون إلى بلادهم بعد أن مكثوا في الشَّام نحو قرنين من الزمن.
 
لم يكد السُلطان قلاوون يفرغ من استعداداته الحربيَّة، ويُغادر القاهرة لِحرب الصليبيين في الشَّام واسترجاع عكَّا، حتَّى تُوفي فجأة في 7 ذي القعدة 689هـ المُوافق فيه 10 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1290م.[115] وكان قلاوون قد جعل ولاية العهد لابنه علاءُ الدين عليّ، لكنَّ هذا الأخير تُوفي في حياة أبيه سنة 687هـ المُوافقة لِسنة 1288م، ولم يبقَ سوى ابنه الآخر صلاحُ الدين خليل – الذي كان مكروهًا من الأُمراء لِما عُرف عنهُ من قسوة وعدم تمسُّك بِقواعد الدين – فكان تولِّيه العرش صعب بِوُجود تلك المُعارضة، كما قيل أنَّ والده لم يكن راضيًا عن تصرُّفاته ولم يثق به، واعتقد أنَّهُ غير كُفء لِتولِّي السلطنة، ورفض أن يُوقِّع التقليد له بِولاية العهد، وتُوفي ولم يعهد لِولده بِالمُلك، إنما لم يكن ذلك مانعًا من أن يؤول إليه، خاصَّةً وأنَّ الموقف السياسي كان يتطلَّب قيام سُلطانٍ جديد على وجه السُرعة لِيقود الحملة التي كان قلاوون قد أعدَّها لِلقضاء على الصليبيين في عكَّا. وهكذا أقسم الأُمراء الأيمان لِلسُلطان خليل ولقَّبوه بِالأشرف، فخلع عليهم ثُمَّ تأهَّب لِلخُروج إلى الشَّام.[118] وعندما علم الصليبيُّون في عكَّا أنَّ السُلطان الأشرف خليل تغلَّب على الصعاب التي واجهته، وأنَّهُ بِصدد الخُرُوج إليهم، حاولوا ثنيه عن عزمه، فأرسلوا إليه سفارة بِرئاسة أحد أعيان عكَّا الإفرنج وعُضويَّة فارسين أحدهما من الداويَّة والآخر من الإسبتاريَّة وكاتب،[119] يسألون العفو، ولكنَّ السُلطان لم يقبل منهم ما اعتذروا به،[120] وبذلك لم يعد هُناك مفر من القتال. خرج الأشرف خليل من القاهرة في شهر صفر سنة 690هـ المُوافق فيه شهر شُباط (فبراير) سنة 1291م، في طريقه إلى دمشق حيثُ وضع عياله وحريمه، ثُمَّ غادرها إلى عكَّا. وأرسل في الوقت نفسه إلى كُل وُلاة الشَّام بِإمداده بِكُل وسائل النقل، لِنقل الذخائر والجُنود، ثُمَّ مُوافاته إلى أسوار عكَّا. وهكذا اجتمعت الجُيُوش الإسلاميَّة من مصر والشَّام أمام آخر المعاقل الصليبيَّة الرئيسيَّة، وقُدِّر عدد أفراد تلك القُوَّات بِستين ألف فارس ومائة وستين ألفًا من المُشاة، فضلًا عن عددٍ ضخمٍ من آلات الحصار والضرب منها اثنين وتسعين منجنيقًا.[121] فبدأ حصار المدينة ورميها بِالمجانيق رميًا مُتواصلًا. وقد بذل الصليبيُّون جُهدًا مُستميتًا لِلدفاع عن عكَّا، فاستغاثوا بِأوروپَّا الغربيَّة، لكنَّ استغاثاتهم لم تُؤدِّ إلَّا إلى نتيجةٍ ضئيلةٍ، فحصلوا على بعض المُساعدات من إدوارد ملك إنگلترا وهنري الثاني ملك قبرص، الذي أتى بِنفسه لِلمُشاركة في الدفاع عن المدينة،[122] وتناست الطوائف الدينيَّة العسكريَّة حزازاتها القديمة وتكاتفت لِلدفاع عن عكَّا،[ْ 16] ولكنَّ كُل تلك الجُهُود ذهبت مع الريح، فاقتحم المُسلمون المدينة في 17 جُمادى الأولى 690هـ المُوافق فيه 18 أيَّار (مايو) 1291م، وفرَّ الصليبيين في السُفن الراسية إلى عرض البحر، حيثُ غرقت بعض السُفن بِسبب كثرة من تحمله من الفارِّين،[123] ووقع من بقي منهم في الأسر. ولم تكد عكَّا تُصبح في قبضة المُسلمين حتَّى أمر السُلطان بِتدميرها وفق خطَّةٍ موضوعة، حتَّى لا تبقى رأس حربة لِما قد يقوم به الصليبيُّون من اعتداءات على الشَّام.[124] كانت استعادة المُسلمين لِعكَّا بِمثابة الضربة الكُبرى الختاميَّة التي نزلت بِالصليبيين في الشَّام. ولم يُصبح لِلصليبيين بعد ذلك مقام في تلك البلاد، فاسترجع المُسلمون في سُهولةٍ المراكز القليلة الباقية بِأيديهم مثل صُور وصيدا وطرطوس وعثليث،[125] وأجلوهم عن تلك البلاد، فركبوا البحر عائدين إلى بلادهم الأوروپيَّة، لِتُختتم بِذلك صفحة الحُرُوب الصليبيَّة في المشرق الإسلامي بعد أن مضى عليها قرنان من الزمن.

سلطنات الناصر مُحمَّد

 
وفدت على مصر خِلال سلطنة العادل كتبغا جماعاتٌ من المغول الوثنيين.
 
قُتل الأشرف صلاحُ الدين خليل يوم السبت 12 مُحرَّم 693هـ المُوافق فيه 31 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1293م، بعد أن تآمر عليه بعض أُمراء المماليك، وترك اثنتين من البنات ولم يعقب ذُكُورًا.[126] وفي الأعوام الخمسة التي تلت مقتل هذا السُلطان، انحصر التاريخ المملوكي بشكلٍ تامٍ تقريبًا في حوادث القتل والمُؤامرات بِشكلٍ مُتواصل. ذلك أنَّ المُتآمرون اجتمعوا واتفقوا على تعيين زعيم المُؤامرة الأمير بدرُ الدين بيدرا سُلطانًا، لكنَّ هذا الأخير قُتل بِدوره على يد مماليك السُلطان المغدور بِزعامة الأمير زين الدين كتبغا المنصوري،[127] الذي سار بعد ذلك عائدًا إلى القاهرة لِيتربَّع على دست السلطنة، لكنَّ الأمير علم الدين سنجر الشُجاعي – الذي كان السُلطان الأشرف خليل قد أنابه عنه في قلعة الجبل – حال بين كتبغا وبين دُخُول القاهرة، فجرت مُفاوضات بين الطرفين انتهت إلى اختيار مُحمَّد بن قلاوون أخي الأشرف خليل سُلطانًا.[128] كان السُلطانُ الجديد ما يزال طفلًا صغيرًا لم يتجاوز عُمره تسع سنوات، وقضى سنة في الحُكم كان شبه محجوز عليه بِالقلعة، في حين استبدَّ بِأُمور الدولة الأمير علم الدين سنجر الشُجاعي، ثُمَّ الأمير كتبغا المنصوري بعد أن تخلَّص من الأوَّل،[129] وما لبث كتبغا أن عزل مُحمَّد بن قلاوون مُتحججًا بِفساد الحال نتيجة تولِّي صبيّ شُؤون الحُكم، وحلَّ مكانه سنة 694هـ المُوافقة لِسنة 1294م.[130] تشائمت الناسُ من كتبغا وحُكمه كونه جاء مصحوبًا بانخفاض النيل واشتداد المجاعة وارتفاع الأسعار وانتشار الوباء،[131] ولِأنَّهُ استقبل في مصر حوالي عشرة آلاف مغوليّ وثنيّ – عُرفوا باسم «العويراتيَّة» أو «الأويراتيَّة» – فارِّين من الدولة الإلخانيَّة، فاستثار هذا الفعل شُعُور الأهالي وزادت نقمتهم على السُلطان.[132] استغلَّ أحد الأُمراء الأقوياء، وهو الأمير حُسامُ الدين لاجين، عوامل الكراهيَّة التي أخذت تتجمَّع ضدَّ كتبغا، فخلعهُ من السُلطة وتربَّع على العرش بدلًا منه، لكنَّهُ أساء التصرُّف مع سائر أُمراء المماليك وضيَّق عليهم وأقصاهم عن مناصب الدولة وأحلَّ غيرهم من مماليكه الخاصَّة، فحنقوا عليه وقتلوه وهو في القلعة سنة 698هـ المُوافقة لِسنة 1298م.[133] لم يوجد بين أُمراء المماليك – عقب مقتل لاجين – شخصيَّة كُبرى تستطيع أن تُسيطر على الموقف وتستأثر بِالسلطنة، فاضطرَّ الأُمراء وسط ذلك الفراغ إلى التفكير في مُحمَّد بن قلاوون الذي ظلَّ دائمًا يبدو في صُورة صاحب الحق الشرعي في السلطنة مُنذُ أن عزله كتبغا. وكان أن استُحضر مُحمَّد بن قلاوون إلى مصر لِيتولَّى منصب السلطنة لِلمرَّة الثانية، فاستُقبل استقبالًا حماسيًّا رائعًا من المماليك وعامَّة الناس على حدٍ سواء، وصعد إلى القلعة حيثُ جُدِّدت لهُ البيعة وأخذ يُباشر سُلطانه، بعد أن تلقَّب بِلقب الملك الناصر.[134]

خريطة موقع معركتيّ وادي الخزندار وشقحب بين المماليك والمغول في عهد الناصر مُحمَّد بن قلاوون ومحمود غازان.
 
وكان أهم ما تعرَّضت له دولة المماليك في ذلك الدور هو تجدُّد هجمات المغول على الشَّام، إذ أوغلت جُيُوش الإلخان محمود غازان في الشَّام سنة 697هـ المُوافقة لِسنة 1298م حتَّى أنزلت الهزيمة بِالمماليك عند مجمع المُرُوج بين حِمص وحماة. ويبدو أنَّ مُقاومة المماليك في الشَّام انهارت بعد هذه الهزيمة، فدخل غازان دمشق وعاث جُنُوده فيها فسادًا. على أنَّ غازان اكتفى بذلك وعاد إلى بلاده بعد أن عيَّن نائبًا عنه في دمشق. وكان ذلك في الوقت الذي خرج جيشٌ كبير من المماليك على رأس السُلطان الناصر مُحمَّد قاصدًا الشَّام سنة 698هـ المُوافقة لِسنة 1299م، وقد استطاع المماليك دُخُول دمشق وطرد المغول منها، ولم يعبئوا بِطلب غازان مُهادنتهم،[135] الأمر الذي استثار غازان فخرج من بلاده سنة 702هـ المُوافقة لِسنة 1302م قاصدًا غزو الشَّام من جديد. وفي موقعة مرج الصفر التي دارت قُرب دمشق في تلك السنة حلَّت الهزيمة قاسيةً بِالمغول، الأمر الذي جعل الناس يفرحون بِالناصر مُحمَّد رُغم صغر سنِّه ويستقبلونه استقبالًا حارًّا في دمشق والقاهرة.[136] رُغم ذلك بقيت سلطنة الناصر مُحمَّد الثانية اسميَّة، إذ كان ما يزال فتىً في الرابعة عشرة من عُمره، وتحكَّم به الأميران سلار وبيبرس الجاشنكير وضيَّقا الخناق عليه، فحاول بدوره أن يتخلَّص منهما لكنَّهما أدركا مُخططه وحاولا القضاء عليه لولا أن وقف الشعب في صفِّه وناصره وتعاطف معه تعاطُفًا غريبًا.[137] ولمَّا ضاق السُلطان بِحياته، وأدرك أنهُ لا فائدة من التغلُّب على سلار وبيبرس، تظاهر بِرغبته بالذهاب إلى مكَّة لِأداء فريضة الحج، ولمَّا وصل إلى الكرك اعتكف فيها وأعلن تخلِّيه عن السلطنة، فانتخب الأُمراء بيبرس الجاشنكير بدلًا منه.[138] شاءت الظُروف أن يأتي قيام بيبرس الجاشنكير مقرونًا بانخفاض النيل وارتفاع الأسعار، ممَّا جعل الناس يُفسرون ذلك بِسُوء طالع السُلطان الجديد، فصاروا يطوفون في شوارع القاهرة مُطالبين إرجاع الناصر مُحمَّد، كما رفض الكثير من أُمراء الشَّام الاعتراف بسلطنة بيبرس، وأعلنوا ولائهم لِبيت قلاوون، واستعدادهم نُصرته كي يسترجع مُلكه. وكان النَّاصر مُحمَّد قد بلغ أشُدَّه وصُقلت خبراته السياسيَّة، فوافق على استرجاع العرش، وسار إلى القاهرة على رأس جيشٍ كبير، بينما وجد بيبرس نفسه وحيدًا بعد أن تخلَّى عنه أغلب الأُمراء، ورفض الشعب الالتفاف حوله، فنزل عن العرش وهرب إلى أطفيح، لِيدخل النَّاصر مُحمَّد القاهرة ويجلس على تخت المُلك لِلمرَّة الثالثة.[139]

 
الدولة المملوكيَّة في أكبر توسُّع لها زمن الناصر مُحمَّد.
 
استمرَّ حُكم الناصر مُحمَّد في تلك المرَّة الثالثة إحدى وثلاثين سنة، هي مُدَّة طويلة لم يُدانيه فيها سُلطانٌ آخر من سلاطين المماليك. ويُمثِّلُ عصره بالذَّات أعظم عُصُور التاريخ المملوكي، وأكثرها ازدهارًا ورُقيًّا واستقرارًا. ذلك أنَّ نُفُوذ الناصر مُحمَّد امتدَّ من برقة غربًا حتَّى الشَّام والحجاز وجنوب العراق شرقًا، ومن النوبة جنوبًا حتَّى الأناضول شمالًا، وخطب ودَّهُ سلاطين المغرب ودعوا له، حتَّى قيل أنَّهُ «لم يل من أبناء المُلُوك قاطبةً مُلك مصر أعظم من الملك الناصر مُحمَّد».[140] وقد أرسل السُلطان الناصر مُحمَّد حملتين إلى النوبة في سلطنته الثالثة، وذلك ما بين سنتيّ 715 و716هـ المُوافقة لِما بين سنتيّ 1315 و1316م، ففتحها وأقام عليها أوَّل ملكٍ مُسلمٍ من أهلها هو عبدُ الله برشنبو، فأخذت تلك البلاد تفقد صفتها المسيحيَّة تدريجيًّا مُنذُ ذلك الوقت لِتتخذ طابعًا عربيًّا إسلاميًّا.[141][142] أمَّا في الداخل، فقد كان عهد الناصر مُحمَّد عهد رخاءٍ واستقرار، فأقام الناصر كثيرًا من المُنشآت مثل المساجد والقناطر والجُسُور والمُستشفيات والمدارس، حتَّى بلغ مصروف العمارة في كُل يومٍ من أيَّامه سبعة آلاف درهم فضَّة.[143] وفي تلك الفترة زار الرحَّالة والجُغرافي المغربي ابن بطُّوطة مصر، فأُعجب إعجابًا شديدًا بِمظاهر الحضارة والعُمران في القاهرة، وأشاد بِسيرة الناصر مُحمَّد وفضله وازدهار حُكمه،[144] ووصف مصر قائلًا: «أُمُّ البِلاد وقَرَارَة فِرعَونَ ذِي الأَوتَاد، ذَات الأَقَالِيم العَرِيضَة، وَالبَلَد الأَرِيضَة المُتَنَاهِيَه في كَثرَةِ العَمَارَة، المُتَنَاهِيَةُ بِالحُسنِ وَالنَّضَارَة.. تَمُوجُ مَوجَ البَحرَ بِسُكَّانِهَا.. شَبَابِهَا يَجِدُّ عَلَى طُولِ العَهد، وَكَوكَبُ تَعدِيلِهَا لَا يَبرَحُ عن مَنزِلِ السَّعد. قَهَرَت قَاهِرَتُهَا الأُمَم، وَتَمَكَّنَت مُلُوكُهَا نَوَاصِيَ العَرَبِ وَالعَجَم. وَلَهَا خُصُوصِيَّةُ النِّيلِ الذي أجلَّ خَطَرَهَا، وَأغنَاهَا عن أن يَستَمِدُّ القِطرَ قِطرَهَا. وَأَرضَهَا مُسيَّرةُ شَهر لِمَجدِ السَّيَرِ، كَرِيمَةُ التُّربَةِ مُؤنِسَةٌ لِذِي الغُربَةِ».[145]
 
تدهور دولة المماليك البحريَّة وسُقُوطها

مُنمنمة أوروپيَّة تُصوِّرُ بعض الناس وهم يدفنون موتاهم الذين قضوا نحبهم جرَّاء الوباء الأسود الذي تفشَّى في العالم الإسلامي وفي الغرب الأوروپي.
 
تُوفي الناصر مُحمَّد بن قلاوون سنة 741هـ المُوافق فيه سنة 1340م، والواقع أنَّ وفاته جاءت إيذانًا بانتهاء فترة الاستقرار والرخاء اللذين تمتعت بهما الدولة المملوكيَّة في عهده. وإذا كان أبناء الناصر مُحمَّد وأحفاده قد تمكنوا من البقاء في الحُكم أربعين سنة بعد وفاة الناصر نفسه، فإنَّ ذلك لا يرجع إلى موهبةٍ خاصَّةٍ ظهرت في أحد أولئك السلاطين، وإنما كان مرجع ذلك هيبة بيت قلاوون نفسه في قُلُوب المُعاصرين، وهي الهيبة التي وضع أُسُسها المنصور قلاوون، وازدادت نُموًّا في عهد ولده السُلطان الناصر مُحمَّد. وبِعبارةٍ أُخرى فإنَّ أبناء الناصر مُحمَّد وأحفاده عاشوا على السُمعة الطيِّبة والمكانة الراسخة والشُهرة الواسعة التي تركها الناصر مُحمَّد بِالذَّات في قُلُوب مُعاصريه، رُغم أنَّهُ كان من هؤلاء الأبناء والأحفاد من لا يستحق المُلك لِضُعفه أو سوء خُلُقه أو صغر سنِّه.[ْ 17] خِلال العشرين سنة الأولى التي أعقبت وفاة الناصر مُحمَّد (741 – 762هـ \ 1341 – 1361م) تولَّى منصب السلطنة ثمانيةٌ من أولاده، وفي العشرين سنة التالية (762 – 784هـ \ 1361 – 1382م) تولَّى المنصب أربعة من أحفاده. وبعضُ هؤلاء الأبناء والأحفاد تولَّى منصب السلطنة وعُمره عامٌ واحد – مثل الكامل سيف الدين شعبان – كما أنَّ بعضهم لم يبقَ في الحُكم إلَّا شهرين وبضعة أيَّام، مثل الناصر شهاب الدين أحمد. وشهدت هذه الفترة من حياة الدولة المملوكيَّة اضطرابات وعدم استقرار وفوضى، تركت أثرها واضحًا في جميع نواحي الحياة السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. وزاد من أحوال البلاد سوءًا في ذلك الدور انتشار وباءٍ خطيرٍ عُرف باسم «الوباء الأسود» سنة 749هـ المُوافق فيه سنة 1349م – أي في عهد السُلطان الناصر حسن بن مُحمَّد – فمات كثيرٌ من الناس، وتأثَّرت الحياة الاقتصاديَّة أسوأ أثر حتَّى كادت تتوقَّف تمامًا، وتوقفت الأحوال بِالقاهرة وسائر مصر.[146] ووقف خلف كُل سُلطان من أبناء الناصر مُحمَّد وأتباعه أميرٌ أو أكثر من كُبراء أُمراء المماليك، بحيثُ طغت شخصيَّة أولئك الأُمراء على السلاطين، واستغلُّوهم لِتحقيق مصالحهم الخاصَّة، فنجم عن ذلك ازدياد المُنازعات فيما بينهم، وتحكُّمهم واستبدادهم بِشُؤون الدولة والعِباد.[147]

 
الصليبيُّون يُهاجمون مدينة الإسكندريَّة بِقيادة بُطرس الأوَّل ملك قبرص، ويُمعنون فيها سلبًا ونهبًا، ويقتلون الكثير من أهلها ويأسرون جماعةً منهم.
 
يُلاحظ أنَّ بعض الأُمراء سالفي الذكر كان من المماليك البُرجيَّة الشراكسة، ومن أبرزهم سيفُ الدين برقوق، الأمر الذي يدُل على ازدياد نُفُوذ تلك الطائفة، ممَّا أدَّى إلى تمكُّنهم من انتزاع الحُكم لاحقًا. هذا عن الأحوال الداخليَّة لِدولة المماليك في عصر أبناء الناصر مُحمَّد وأحفاده. أمَّا في الخارج فإنَّ اضطراب أحوال البلاد وعدم وُجود رجُلٍ قويٍّ مهيب الجانب على رأس دولة المماليك، أفقد تلك الدولة مكانتها وهيبتها التي كانت قد بلغت أوجها على عهد السُلطان الناصر مُحمَّد. ولم يلبث أن استخفَّ الأعداء بِدولة المماليك وطمع الطامعون في أراضيها، بل تجرَّأ الصليبيُّون على غزو مصر ذاتها سنة 767هـ المُوافقة لِسنة 1365م. والمعروف أنَّ الحُروب الصليبيَّة لم تنتهِ باسترجاع المُسلمين عكَّا سنة 690هـ المُوافقة لِسنة 1291م وبِطرد آخر البقايا الصليبيَّة من الشَّام، وإنما استمرَّت تلك الحُرُوب في صُورةٍ أو أُخرى حتَّى نهاية القرن الخامس عشر للميلاد تقريبًا، واتخذت لها أكثر من ميدان في المشرق والمغرب جميعًا. وفي ذلك الدور من أدوار الحُروب الصليبيَّة، اتخذ مُلُوك قبرص الإفرنج من آل لوزنيان جزيرتهم قاعدةً كُبرى لِتهديد السُفن والمتاجر الإسلاميَّة في شرق حوض البحر المُتوسِّط، فضلًا عن القيام بِغاراتٍ جريئةٍ على بعض الموانئ الإسلاميَّة وموانئ دولة المماليك بِوجهٍ خاص.[148] وكان ملك قبرص آنذاك بُطرُس الأوَّل قد سمع بِأخبار الفوضى التي غرقت فيها مصر في عصر أحفاد الناصر مُحمَّد، وكيف كانت الموانئ والمُدن المصريَّة خالية تمامًا من وسائل الدفاع.[149] فقرَّر وقادته غزو الإسكندريَّة لِلقضاء على دولة المماليك التي تسبَّبت بِطرد الصليبيين من الشَّام من ناحية، ولِلاستفادة من مركز تلك المدينة الحربي وموقها التجاري من ناحيةٍ أُخرى. وعلى الرُغم من أنَّ أخبار الحملة الصليبيَّة ووُجهتها طارت إلى مصر عن طريق التُجَّار قبل وُقُوع الهُجوم بِمُدَّةٍ طويلة إلَّا أنَّهُ لم يكن من الدولة اهتمام.[150] نزل الصليبيُّون على شاطئ الإسكندريَّة صباح الجُمُعة 23 مُحرَّم 767هـ المُوافق فيه 9 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1365م، وارتكبوا فيها مذبحةً رهيبة راح ضحيَّتها آلاف السَّكندريين من مُسلمين ومسيحيين ويهود، ونهب الصليبيُّون البُيُوت والمتاجر والكنائس والجوامع، ولم تسلم منهم حتَّى متاجر التُجَّار الأوروپيين،[ْ 18] وهرب الكثير من الأهالي ناجين بِحياتهم. وبعد مضيّ 4 أيَّام انسحب الصليبيُّون عائدين إلى قبرص، حاملين في سُفُنهم آلاف الأسرى والمنهوبات.[151] خِلال هذه الفترة من عصر السلاطين البحريَّة الصغار، برز اسم أحد المماليك البُرجيَّة أو الشراكسة – وهو الأمير برقوق بن أنس العُثماني اليلبغاوي – الذي استطاع بِفضل طُمُوحه وقُوَّته أن يصل إلى منصب أتابك العسكر سنة 780هـ المُوافقة لِسنة 1378م، وبِذلك أصبح برقوق على جانبٍ كبيرٍ من القُوَّة في عهد السُلطان علاءُ الدين عليّ الذي لم يتجاوز سنُّه ست سنوات.[ْ 19] ظلَّ السُلطان علاءُ الدين عليّ في الحُكم حتَّى وفاته سنة 783هـ المُوافقة لِسنة 1381م، وهو في الثانية عشرة من عُمره. وكان في استطاعة برقوق أن يلي عرش السلطنة عقب وفاة السُلطان عليّ مُباشرةً، لكنَّهُ أدرك أنَّ الأُمُور لم يتم نضجها بعد لا سيَّما وأنَّ لهُ الكثير من المُعارضين. لِذلك تظاهر برقوق بِالزُهد في السلطنة مُعلنًا أنَّ المصلحة تتطلَّب إبقاء وظيفة السلطنة في بيت قلاوون. وهكذا استُدعي الأمير حاجي حفيد الناصر مُحمَّد وسنُّه وقتئذٍ إحدى عشرة سنة، وأُعلن سُلطانًا سنة 783هـ المُوافقة لِسنة 1381م.[152] وفي خلال عهد السُلطان الطفل الجديد، أخذ برقوق يُمكِّنُ لِنفسه، فاختصَّ زُملائه وأنصاره من أُمراء المماليك بِالوظائف الرئيسيَّة في الدولة، في الوقت الذي أخذ يعمل على اكتساب محبَّة عامَّة الناس، فخفَّف عنهم الضرائب، ولمَّا وجد أنَّ الأُمور باتت مُهيئة لِإعلان نفسه سُلطانًا، انتحل نفس العُذر الذي سبق أن تحجج به الطامعون في الحُكم من أُمراء المماليك، وهو صغر سن السُلطان القائم، فاجتمع بالأعيان الذين أعلنوا خلع السُلطان حاجي وإقامة برقوق مكانه. وبِعزل حاجي من السلطنة انتهى بيت قلاوون، كما انتهى حُكم المماليك البحريَّة، وقامت دولة المماليك البُرجيَّة.[153][154]

عصر المماليك البُرجيَّة

 
أحد أبراج قلعة صلاح الدين الأيُّوبي، والتي نُسبت المماليك البُرجيَّة إليها.
 
تختلف دولة المماليك البُرجيَّة – أو الشراكسة (الجراكسة) – عن الأولى، أو البحريَّة، في عدَّة نواحي، أوَّلها أنَّ سلاطين الدولة البُرجيَّة كانوا جميعًا شراكسة العِرق، ما عدا اثنين يرجعان إلى أصلٍ روميٍّ هُما خُشقُدم وتمربُغا. هذا إلى أنَّ مبدأ الحُكم الوراثي الذي حاول بعض سلاطين المماليك البحريَّة تطبيقه في عنادٍ وإصرارٍ والذي نجح بِوُضوحٍ في عصر بيت قلاوون، هذا المبدأ لا يُوجد له أثر في عصر دولة المماليك الشراكسة. والواقع أنَّ سلاطين دولة المماليك الثانية كانوا زُعماء أو أُمراء كبار أكثر منهم سلاطين. وكان نجاح السُلطان في مُهمَّته يتوقَّف على مدى توفيقه في توجيه كبار الأُمراء وضرب طوائف المماليك ببعضها البعض. فإذا استطاع السُلطان الاحتفاظ بِمنصبه حتَّى وفاته، فإنَّ ابنه كان يخلفه عادةً. ولكن لِعدَّة أشهرٍ فقط حتَّى ينجلي الموقف بين كبار الأُمراء ويستطيع أحدهم أن ينفرد بِالغنيمة.[ْ 20] والمعروف أنَّ دولة المماليك البُرجيَّة عمَّرت أكثر من مائة وأربعة وثلاثين سنة، تعاقب على عرش السلطنة خلالها ثلاث وعُشرون سُلطانًا، ومن هؤلاء السلاطين تسعة حكموا مائة وثلاث سنوات، في حين حكم الأربعة عشر سُلطانًا الباقون تسع سنوات فقط. أمَّا هؤلاء السلاطين التسعة الذين ارتبط بهم تاريخ دولة المماليك الشراكسة فهم: برقوق وفرج وشيخ وبرسباي وجقمق وإينال وخشقدم وقايتباي وقانصوه الغوري. وكثيرٌ من أولئك السلاطين عُرفوا بِحُبهم الأدب ومجالس العلم، كما عُرف بعضُهم بِالتقوى والورع. ولا شكَّ في أنَّ البلاد قاست كثيرًا في عهد المماليك الشراكسة من جرَّاء المُنازعات المُستمرَّة بين طوائف المماليك، وما كان ينجم عن تلك المُنازعات من حوادث وقتال في الشوارع، ممَّا أوجد جوًا من القلق وعدم الاستقرار في القاهرة بِوجهٍ خاص. وزاد من شدَّة البلاء أنَّ السلاطين عجزوا في ذلك العصر عن كبح جماح مماليكهم ممَّا جعلهم لا يجدون وسيلةً لِلاحتفاظ بِمراكزهم سوى ضرب طوائف بعضها ببعض، وبِذلك يخلوا الجو لِلسُلطان ومماليكه فيُعيثون في الأرض فسادًا. على أنَّهُ يُلاحظ أنَّ سلاطين الدولة الشركسيَّة عملوا دائمًا على حصر تلك المُنازعات داخل دائرة داخليَّة بحتة، بحيث لم يُمكنوا قُوَّة خارجيَّة من التدخُّل في شؤون البلاد أو الانتقاص من سيادتها،[155] على أنَّ ذلك لم يحل دون تطلُّع عامَّة المُسلمين – في أواخر هذا العهد – إلى العُثمانيين كمُنقذين ومُخلِّصين.
 

عهد السُلالة البرقوقيَّة والي ان نلتقي معها في الجزء الثالث