الدَّولة المملوكيَّة أو السلطنة المملوكيَّةالسُكَّان والفرق الدينيَّة والجزء الاخير

45

كتب وجدي نعمان

شكَّل أهلُ السُنَّة والجماعة الأغلبيَّة الساحقة من أهالي الدولة المملوكيَّة. ومن المعروف أنَّ سلاطين الأيُّوبيين كانوا قد مكَّنوا أهل السُنَّة في مصر والشَّام بعد زوال الدولة الفاطميَّة التي كانت تتخذ من المذهب الشيعي الاسماعيلي مذهبًا رسميًّا لها، فأنشأوا المدارس في طول البلاد وعرضها التي كانت تُدرِّس العُلُوم الشرعيَّة الإسلاميَّة المُختلفة على مذهب الشافعي. ولمَّا سقطت الدولة الأيُّوبيَّة وحلَّت الدولة المملوكيَّة بدلًا منها، تابع المماليك سياسة الأيوبيين في تثبيت مذاهب أهل السُنَّة والجماعة في مصر والشَّام، لكنهم جعلوا المذاهب الأربعة كُلُها: الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة والحنبليَّة، مذاهبًا رسميَّةً لِلدولة، كما أُسلف. ويذهب بعض الباحثين إلى القول بِأنَّ من أسباب إصرار المماليك، وبِالأخص البحريَّة منهم، على تثبيت مذاهب أهل السُنَّة والجماعة وتمكينهم في البلاد، هو أنَّ المذهب السُنيّ كان الشيء الوحيد الذي يربط بين هؤلاء وعامَّة الشعب، لا سيَّما وأنَّ الشعب بقي ينظر – خِلال الفترة الأولى لِلعصر المملوكي خُصوصًا – إلى المماليك من زاوية أصلهم غير الحُر، فكانوا بِرأي العامَّة مُجرَّد مُقاتلين أشدَّاء انقلبوا على أسيادهم الأيوبيين واستولوا على مُلكهم، وهم لا يُحسنون لِغة الشعب العربيَّة، ولا يعيشون عيشته، بل عاشوا مُنعزلين في الأماكن التي خصصها السلاطينُ لسكنهم دون أن يكونوا على دراية بِمُجريات الحياة اليوميَّة. لِذلك، انصبَّ تركيز سلاطين المماليك البحريَّة الأوائل على إبراز ما يجمع عامَّة الشعب والجيش والأُمراء والسلاطين، وهو المذهب السُني. من أبرز ما قام به المماليك لِتثبيت مذاهب أهل السُنَّة والجماعة في الدولة كان إعادة افتتاح الجامع الأزهر وترميمه وتجديده، بعد أن ظلَّ مُقفلًا لِحوالي مائة سنة زمن الأيُّوبيين باعتباره مُؤسسة بناها الفاطميين لِنشر المذهب الإسماعيلي. ففي سنة 1266م أمر الظاهر بيبرس بِإعادة تأسيس الصلاة في الأزهر، وبِعودة رواتب الطُلَّاب والمُعلِّمين، فضلًا عن إصلاح البناء ذاته. وقام السلاطين المماليك اللاحقين بِعدَّة توسيعات وتجديدات على البُنية التحتيَّة لِلمسجد، وقُدِّمت على نطاقٍ واسعٍ مُستويات مُتفاوتة من المُساعدة الماليَّة، على حدٍ سواء إلى المدرسة وإلى صيانة المسجد. فاعتُبر عصر السلطنة المملوكيَّة، هو العصر الذهبي لِلأزهر. كذلك بذل المماليك جُهُودًا مُماثلة في الشَّام، فقد أمر الظاهر بيبرس بِتجديد الجامع الأُموي الكبير فأُصلحت صفائح الرُّخام وطُليت تيجانها بِالذهب وبُلِّط الجدار الشمالي لِلحرم وأُصلحت لوحات الفُسيفساء في الرواق الغربي، كذلك اعتنى «تنكيز» نائب السلطنة بِدمشق بِالمسجد، فاستبدل كُل البلاط في قاعة الصلاة بِالرُّخام وأُعيد تجميع لوحات الفُسيفساء على جدار القِبلة، وفي عهد السُلطان الناصر مُحمَّد بن قلاوون هُدمت قِبلة الجدار غير المُستقرَّة وأُعيد بناءها، ونُقلت بوَّابة باب زيادة إلى جهة الجامع الشرقيَّة.
 
 
مسجد سيدي إبراهيم الدسوقي، الذي بُني كزاوية صغيرة بدايةً بأمرٍ من السُلطان الأشرف خليل – إكرامًا لِلشيخ المُتصوِّف إبراهيم الدسوقي – وأصبحت مساحته الآن 7000م².
شاع التصوُّف والطُرق الصوفيَّة السُنيَّة في مُختلف أنحاء البلاد خِلال العصر المملوكي، ومن أشهر الطُرق التي شاعت في مصر والشَّام آنذاك الطريقة الشاذليَّة، بِالإضافة إلى الطريقتين الرفاعيَّة والبدويَّة (الأحمديَّة)، واقتصرت بعض الطُرُق على مصر فقط مثل الطريقة الدُسُوقيَّة. لكن يُلاحظ أنَّهُ في هذا العصر تحوَّل التصوُّف إلى مُجرَّد ترديد لِعقائد السابقين ووضع الشُرُوح عليها وتطبيق تعاليمهم، فلم تقع ابتكارات جديدة في هذا المجال كما في العُصُور العبَّاسيَّة الأولى، فانصرف هم المُتصوفة المملوكيين إلى إنشاء الطُرُق الصُوفيَّة وتفرُّعها بِحسب شهرة الشيخ وكثرة أتباعه، فتفرَّعت الطريقة الشاذليَّة والبدويَّة والسطوحيَّة وغيرها إلى عدَّة طُرق تفرَّعت بِدورها، وهكذا. ويُلاحظ أنَّ التصوُّف سيطر على العصر المملوكي سيطرةً كبيرة بحيثُ أنَّ بعض السلاطين كانوا يعتقدون بِكرامات بعض مشايخ الصوفيَّة ويُقرِّبونهم إليهم، فالظاهر بيبرس تقرَّب من الشيخ خضر بن أبي بكر المهراني العدوي، وسمح بِنُموِّ وازدياد نُفُوذه بِالدولة لاعتقاده بِولايته وفي معرفته لِلغيب، رُغم ما نُسب إليه من انحلالٍ أخلاقيّ، وكان برقوق – رُغم حنكته السياسيَّة – يخضع لِلمجاذيب، حتَّى أنَّ أحدهم وهو الشيخ مُحمَّد بن عبد الله الزهوري العجمي كان يبصق في وجهه، وعندما افتتح مدرسته الجامعة أعطاه مجذوب طوبة وأمره أن يضعها في المدرسة، فوضعها برقوق في قنديل وعلَّقهُ في المحراب، وظلَّت فيه باقية. ومن القصص الشبيهة أيضًا أنَّ الشيخ إبراهيم الدسوقي طلب من السُلطان الأشرف صلاح الدين خليل أن يترك نصف جزيرة الرحمانيَّة المُواجهة لِمدينة دسوق لِلفُقراء يُنفقون منها على مصالحهم، فوافق. فبشَّرهُ الشيخ بِالنصر على الصليبيين في عكَّا. وقال المُتصوِّفة إن بعد رُجُوع السُلطان من عكَّا مُنتصرًا، أصبح يُكاتب الدسوقي، ويبدأ رسالاته بعبارة «مملُوكك خليل».
 
المسيحيُّون واليهود
 
 
رُغم أنَّ المماليك التزموا بِما تقضيه الشريعة الإسلاميَّة، وما أقرَّتهُ العهدة العُمريَّة من ترك أهل الكتاب أحراراً في دينهم، إلَّا أنَّ العهد المملوكي يُعتبر -إجمالاً- عهداً بائساً عند النصارى المشرقيين فيما يخص علاقتهم بِالحُكُومة، وخُصوصاً خِلال عهد المماليك البحريَّة، ومردُّ ذلك للحُرُوب الصليبيَّة التي كان من آثارها تردِّي العلاقة بين الدولة والمسيحيين، وخُصوصاً مع الطوائف التي مالت إلى الصليبيين وتعاونت معهم فأدت بالتالي لتردي الثقة بينها وبين الحكم. ويظهر أنَّ سلاطين المماليك رغبوا في الظُهور بِمظهر حُماة الدين لِدعم مركزهم في نظر المُسلمين. ولكن لايُفهم من ذلك أنَّ دور المسيحيين انكفأ ذلك العصر، بل شارك النصارى في الحياة العامَّة بِالدولة، وكان منهم العُلماءُ والإداريون وكِبارُ المُوظفين، واستمرَّت المودَّة قائمةً بين عوامهم وعوام المُسلمين، لكنَّ الدولة كانت تنظر إليهم أحياناً بِعين الريبة، على أن اضطهاداتِهم لم تكُ سمةً بارزةً في عصر المماليك بل كانت بشكل زوابعَ تظهر بين حينٍ وآخر. شكَّلت الدولة المملوكيَّة موطن الكثير من الطوائف المسيحيَّة كان في مُقدمتها؛ الأقباط والروم والسُريان والموارنة والنساطرة إضافةً إلى طوائفَ مسيحيَّةٍ مهاجرةٍ من الخارج مثل الكرجيُّون والأحباش والأرمن واللاتين واختارت هذه الأقليَّات المهاجرة الإقامة في المُدن التجاريَّة والثُغُور، ولِكُلِّ جاليةٍ منها قُنصلٌ يُشرفُ على شُؤونها ومصالحها. بدأ المماليك يستعملون الأقباط في دواوينهم بِكثرةٍ خِلال سلطنة قُطُز [ما يدل على أن اضهاد النصارى لم يك سياسةً ملنزَمةً لدى السلطة]، يذكر بهذا الشأن الوزير القبطي «شرفُ الدين أبو سعيد هبةُ الله»، الذي عيَّنهُ السُلطان أيبك، والذي كان أظهر براعةً في التشريع الضريبي لِجمع أكبر كمٍّ من الأموال باسم “قانون الحُقُوق السُلطانيَّة” الذي حصلت الدولة به على مالٍ كثير. وفي عهد الظاهر بيبرس أُقيل جميع الأقباط ممن كانوا يعملون في ديوان الحرب [الأرجح احترازاً من تسريب معلوماتٍ عن عدد الفرق العسكرية وأماكنها وتحركاتها] وأُحِلَّ مُسلمُون محلَّهم، وفي يوم تنفيذ هذا القرار هُدم دير الخندق الكائن خارج القاهرة بِالقُرب من باب الفُتُوح ولم يُترك فيه حجر على حجر، كما زيدت عليهم الضرائب. أمَّا في عهد قلاوون فقد عُدل عن التزيُّد في الضرائب على الأقباط وعادت المُساواة بينهم وبين المُسلمين في ذلك وأُعيدوا إلى وظائفهم، لكن بعد فترةٍ عاد هذا السُلطان إلى التشديد عليهم، فأمر بِرُكُوبهم الحمير وشد الزنانير وألَّا يُحدِّث نصراني مُسلماً وهو راكبٌ دابته، ولايلبسون ثياباً مصقولة.
 
وفي الشَّام شدَّد المماليك الخناق على الموارنة بِالذات من بين سائر الطوائف المسيحيَّة، وذلك لعلاقة أُمرائهم ومُقدَّميهم الوثيقة بِالقوى الصليبيَّة في أوروپَّا وقبرص، وبِسبب اتّباع الكنيسة المارونيَّة لِلبابويَّة الكاثوليكيَّة مُحرِّكةِ الحملات الصليبيَّة ضدَّ ديار الإسلام. وعندما حاصر المماليك طرابُلس لاسترجاعها من الصليبيين، أيام المنصور قلاوون، تصدَّى لهم موارنة شمال لُبنان، فهاجم الجيش المملوكي جبَّة بشرِّي، وحاصر قرية إهدن مقر الكُرسي البطريركي وأسقطها، ثمّ اعتقل وقتل البطريرك دانيال الثاني الحدشيتي (حبريته 78-1282). وبعد جلاء الصليبيين عن المشرق بقي البابوات الكاثوليك على اتصالٍ دائمٍ بِبطاركة الموارنة لِأسبابٍ دينيَّةٍ وأُخرى سياسيَّةٍ وعسكريَّةٍ ممَّا أثار خشية سلاطين المماليك في القاهرة وعُمَّالهم في طرابُلس الشَّام، وأغضب السُلطة المركزيَّة على زعامات الطائفة المارونيَّة الدينيَّة والسياسيَّة، وأفضى إلى عاصفة اضطهادٍ ضدَّهم. يذكر الأب فرانسيسكو سوريانو -رئيس دير الفرنسيسكان في بيروت ومُعتمَد البابا لدى الموارنة- أنَّهُ في أيَّامه (النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلاديّ) حاولت البُندُقيَّة شراء مدينة صور من السُلطان المملوكي لكن مسعاها فشل. وكان البابا خطط لإقامة قاعدةٍ صليبيَّةٍ شرعيَّةٍ في المشرق تقوم على غير الاحتلال بعد فشل الأساليب العسكريَّة في تحقيق الأهداف الصليبيَّة، ومنها تنطلق حملةٌ جديدةٌ ضدَّ المُسلمين لِلسيطرة على الأراضي المُقدَّسة، فأرسل سنة 1438م رسالةً إلى البطريرك الماروني يُوحنَّا الثامن الجاجي (حبريته 04-1445) يُعلمه فيها أنه قرَّر عقد مجمعٍ لاتحاد الكنائس، فسارع البطريرك لِتقديم الطاعة والإعراب عن القبول بِكُل ما يُحدده ويُقرِّره المجمع وطلبَ درعَ التثبيتِ البطريركي، فثبَّتهُ البابا بطريركاً على كُرسي أنطاكية وأنعم عليه بِدرع الرئاسة. وحضر ممثلون عن البطريرك مجمع فلورنسا الرابع عام 1439، ومن الطبيعي أنَّ المماليك كانوا يَرْقبون علاقات البطاركة الموارنة الخارجية واتصالاتهم بِالبابويَّة إذ لم يلبثِ السُلطانُ سيفُ الدين جقمق أن أرسل -بعد هذه الحادثة- كتاب براءةٍ إلى بطريرك الطوائف الملكانيَّة يُنبّهه ألَّا يُقابلَ الأجانبَ وألَّا يستضيفهم لاسيَّما إذا كانوا من الأجانب المُشتبه بهم أو المُنتمين لِرعايا مملكةٍ أوروپيَّةٍ مُعادية، وألَّا يُراسل حاكماً أو ملكاً في أوروپَّا. ويبدو أنَّ بعض مُقدَّمي الموارنة في بشرِّي كانوا على غير وفاقٍ مع البطاركة في تصرُّفاتهم وعلاقاتهم غير العاديَّة مع روميَّة (روما) ممَّا أزعج البطاركة وسبَّب انقساماً في الرأي بين الموارنة حول العلاقات السياسيَّة مع كلٍّ من المماليك وأوروپَّا فقد كانت الصُعُوبات والمُضايقات تكتنفهم بسبب السياسة العدائية للحُكَّام الإفرنج في قبرص حيال دولة المماليك، وكان فريق معارضي البطاركة يرى أنَّ مصالح الموارنة واستقرارهم آمنين مُطمئنين هي في اتباع نهج أجدادهم مع دُول الخِلافة السابقة القائم على الاعتراف بِسيادة الدولة عليهم وعلى أراضيهم طالما أنَّ الدولة ضمنت لهم حُريَّة العبادة والعقيدة وكافَّة المصالح الاقتصاديَّة والحياتيَّة الأُخرى.
 
كان لمحاولات استرداد بيت المقدس التي لم تتوقف بخروج الصليبيين من الشام بالغ الأثر على سياسة دولة المماليك وانعكس ذلك بالطبع على الموارنة والمسيحيين عموماً. كان الملك اللاتيني من آل لوزينيان يعدّ نفسه وريثاً لعرش بيت المقدس (احتلَّ ريتشارد قلب الأسد قبرص في طريقه إلى عكا في الحملة الصليبيَّة الثالثة، وباعها لفرسان الداويَّة فعجزوا عن إيفاء ثمنها، فباعها سنة 1192م لغي دي لوزينيان -ملكِ بيتِ المقدسِ المطرودِ منها على يد صلاح الدين- وبذا تأسست الأسرة المالكة في قبرص) وهو يُتوّج في الأفقسيَّة أولاً كملكٍ لقبرص، وثانيةً في اللمسون أقربِ مدينةٍ قبرصيةٍ إلى فلسطين بصفته ملكاً على بيت المقدس في احتفاليةٍ ترمز لعدم التخلي عن ضم الأراضي المقدسة. وقام بطرس الأول اللوزينياني بجولةٍ أوروپيَّةٍ لِحشد الدعم والمتطوعة وجمع التبرعات لحملةٍ صليبيةٍ على مصر، تلك التي انتهت بغزو الإسكندريَّة من 6 إلى 10 تشرين الأول (أكتوبر) 1365م (وكانت المرة الوحيدة في التاريخ التي يُغير فيها حاكمٌ قبرصي على مصر) محدثةً دماراً لم تشهدْه المدينة طيلة تاريخها، وتركتها في خمسة أيامٍ خراباً يباباً مادياً وبشرياً، وبلغ من دويّها أن ثار مسلمو غرناطة وهاجموا المدن القشتالية حميّةً. خلّفت هذه السياسة أسوأ الأثر على علاقات دولة المماليك الخارجية تجاه أوروپَّا، والداخليَّة حيال المسيحيين، وعندما تولى الأشرف برسباي الظاهري (حكم825-842هـ/22-1438م) بادر لثلاثِ سنينَ متواليةٍ لإرسال ثلاث حملاتٍ لاحتلال قبرص انتهت بالاستيلاء عليها (829هـ/1426م) وفرض الجزية عليها، ولم يك ذلك لقوة نظامها الحاكم وخطورة شأنه في حينه بقدر ما كان لمنع سقوطها بيد البنادقة اللاتين الذين مافتؤوا يتدخلون في الصراع على العرش والذين أفلحت محاولاتهم أخيراً في شراء المملكة من آخر ملكةٍ في أسرة لوزينيان (فترة الاحتلال البندقي 1489-1571). لقد كان الأمر قضية توازناتٍ دوليةٍ، واحترازاً من أن يعود للأوروپيين موطئ قدمٍ ثانيةً في المشرق، وبالمثل كانت العلاقات مع أوروپَّا السبب الرئيس لأن يشوب علاقة السلطنة مع مملكة قيليقية الأرمنيَّة دوماً التوجس والريبة وعدم الثقة.
 
أمَّا اليهود فكانوا أقليَّةً يشتغلون في مُختلف الأعمال لاسيَّما التجارة، واتساع ثروة مصر وتجارتها ذلك العصر جذبت كثيراً من يهود القُسطنطينيَّة وبغداد ودمشق وغيرها حتَّى صار لِليهود نفوذٌ كبيرٌ على النشاط المصرفي والأعمال الماليَّة، وقد احتفظ اليهود في مصر بِمعابدهم وعوائدهم ونُظُمهم الموروثة. انقسم اليهود في مصر والشَّام خِلال العصر المملوكي إلى ثلاث فرقٍ: الربَّانيُّون والقرَّاؤون والسَّامرة، وسكنوا في المُدن داخل أحياءٍ خاصَّةٍ بهم مثل حارة اليهود التي اشتهرت بهم في بيت المقدس، وكذلك في حلب وخاصةً في الشمال منها، وكان لِليهود مناطقُ خاصَّةٌ بهم في طرابُلس وحماة، واحتوت دمشق على طائفةٍ يهوديَّةٍ كان لها حيُّها ورئيسُها الخاص. ويُلحظ أنَّ أعداد اليهود في مصر والشَّام ازدادت خِلال القرن العاشر الهجري بِسبب سُقُوط الأندلُس وتعرُّض أهلها من المُسلمين واليهود إلى اضطهاد محاكم التفتيش الكاثوليكيَّة، فهرب الكثير منهم ناجياً بِحياته والتجأ إلى مصر والشَّام طلباً لِلأمان، كما يُلاحظ أنَّ اليهود زاد نفوذهم في الدولة المملوكيَّة ووصل بعض رجالاتهم إلى مراكزَ متقدمةٍ في مصر، فقد ذكر الرحَّالة اليهودي «ميشولام» أنَّ مُترجم السُلطان المملوكي كان يهوديّاً من أصلٍ أندلُسيٍّ، وكان يُجيد سبع لُغاتٍ هي العربيَّة والإيطاليَّة والتُركيَّة والألمانيَّة والإفرنسيَّة إلى جانب العبرانيَّة. [ويدل هذا أن الأمر عائدٌ بالدرجة الأولى إلى سياسة البابوية والدول الأوروبية المعادية لليهود، في حين أن علاقات هذه بالموارنة قد أساءت إليهم من حيث التوجسُ منهم وعدمُ الميلِ لاستخدامهم في الوظائف العامة].
 
الدُروز والشيعة والنُصيريُّون
 
بلاد جزِّين، نزح إليها الشيعة من كسروان بعد أن جرَّد عليهم المماليك حملات عسكريَّة مُتعددة، وتظاهروا فيها باعتناق المذهب الشافعي.
كانت سلسلة جبال لُبنان الغربيَّة تُشكِّلُ ملجأً لِمُختلف الفرق الإسلاميَّة والطوائف المسيحيَّة في العصر المملوكي، كما استوطن هؤلاء بعض المناطق المُجاورة لِجبال لُبنان في سهل البقاع وجبل عامل وسهل عكَّار وجبال اللاذقيَّة وريف حِمص. فقد انتشر الدُرُوز من وادي التَّيم إلى جبل لُبنان، والشُّوف خاصةً، واختلف النُصيريُّون مع الدُرُوز، فتركوا وادي التَّيم وسكنوا في عكَّار ثُمَّ امتدوا شمالًا حتَّى اللاذقيَّة، حيثُ استوطنوا الجبال المُشرفة عليها التي عُرفت مُنذ ذلك الحين بِـ«جِبال النُصيريَّة». وأقامت بقايا الشيعة الإسماعيليَّة في بعض القلاع الكائنة على أطراف جبل لُبنان الشمالي ثُمَّ انتقلوا منها واتجهوا شرقًا والتحقوا بِإخوانهم في بلدة سلميَّة قُرب حِمص، وهي الموطن الرئيسي لِلإسماعيليَّة في الشَّام مُنذ أيَّام السلاجقة. وأقام الشيعة الاثنا عشريَّة في كسروان وفي السُفُوح والمُدن العامليَّة. اتخذ المماليك موقفًا سلبيًّا من الفرق الإسلاميَّة غير السُنيَّة، وقال بعض المُؤرخين أنَّ السبب وراء ذلك كان الموقف الذي اتخذته هذه الفرق من الصليبيين والمغول، ولأنها حالفتهم ووالتهم ضدَّ الدولة المملوكيَّة وعُموم أهل السُنَّة، فيما قال آخرون أنَّ اضطهاد المماليك لِتلك الفرق نابع فقط من تعصُّبهم لِمذاهب أهل السُنَّة ولِسيطرة وُعَّاظ السلاطين على عُقول الأُمراء، ويتفق الطرفان على أنَّ هُجُوم المماليك على هذه الفرق كان بِفتوى شيخ الإسلام آنذاك ابن تيمية، كما يتفقان على أنَّ بعض الجماعات من تلك الفرق والت المماليك وتعاونت معهم ضدَّ المغول والصليبيين، فأقرَّهم السلاطين في أراضيهم وخلعوا عليهم ألقاب الإمارة والمُقدَّميَّة. فمن جهة، يُشيرُ برنارد لويس إلى أنَّ الحشيشيَّة الإسماعيليَّة كانوا على صلةٍ وثيقةٍ بِالصليبيين يتآمرون على أهل السُنَّة، ولا يتركون فُرصةً تلوح لِلانتقام منهم إلا اهتبلوها، فوجَّهوُا كُل عمليَّاتهم ومُؤامراتهم ضدَّ قادة الجبهة الإسلاميَّة ضد الصليبيين والمُؤسسات السُنيَّة في الشَّام، وأنهم لم يُقاتلوا الاثنا عشريَّة أو الشيعة الآخرين، ولم يُديروا سكاكينهم ضد النصارى أو اليهود المحليين، بل كان جُل هُجومهم على قادة أهل السُنَّة. وعندما هاجم الصليبيُّون مصر بِقيادة لويس التاسع، سعى الأخير إلى عقد اتفاقيَّات مع الباطنيَّة الإسماعيليَّة من ناحية ومع المغول من ناحيةٍ أُخرى حتى يتحقق لهُ بِهذا التحالف نوع من التوازن بين الصليبيين من جهة والمماليك والأيُّوبيين من جهة ثانية. وقد جامل شيخ الجبل – زعيم الحشاشين في الشَّام – لويس التاسع وأرسل لهُ الهدايا.
 
 
المُقاطعات الدُرزيَّة الرئيسيَّة في العصر المملوكي: المتن والغرب وبيروت والشوف. يُشيرُ بعض المُؤرخين إلى أنَّ المماليك ثبَّتُوا أُمراء الدُرُوز في إقطاعاتهم هذه لِوُقوفهم إلى جانب السلطنة ونُصرتها.
وأشار المُؤرخون أنَّهُ في أثناء تقهقر فُلُول عساكر المماليك إلى مصر على أثر هزيمتهم في وقعة وادي الخزندار أمام المغول، واحتلال المغول دمشق، تعرَّضوا لِسُوء المُعاملة والسَّلب والنهب على أيدي الكسروانيين وسُكَّان منطقة جزِّين من الشيعة، وأنَّ الكسروانيين أمسكوا ببعض العساكر الهاربين وباعوهم لِلإفرنج. وبعد أن رحل المغول عن الشَّام، واستتب الأمر للمماليك، جرَّدوا حملة كبيرة على بلاد كسروان سنة 699هـ المُوافقة لِسنة 1300م واستولوا عليها، وأُرغم سُكَّانُها على دفع ضرائب باهظة، وأُخذت منهم أراضيهم ومُمتلكاتهم وأُقطعت لِلتنوخيين الدُرُوز جزاءً لهم على حُسن استضافتهم لِلقُوَّات المملوكيَّة المهزومة أمام جحافل المغول. وفي سنة 705هـ المُوافقة لِسنة 1305م، نهضت حملة مملوكيَّة جديدة إلى كسروان لِقتال الشيعة بعد أن عادوا إلى مُناوأة المماليك والتمرُّد عليهم، فسار إليهم نائب السلطنة في دمشق الأمير جمال الدين آقوش الأفرم على رأس جيشٍ عظيم، فقاتلهم وأخرجهم من كسروان، بناءً على فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي اعتبر أنَّ قتال الشيعة والنُصيريَّة أولى من قتال الصليبيين والمغول لأنَّهم «عدُّوٌ في ديار الإسلام، وشرُّ بقائهم أضر». نتيجة تلك الحملات، نزح الشيعة إلى جزِّين في جبل عامل، وفي تلك البلاد اتبعوا مبدأ التقيَّة وتظاهروا باعتناق المذهب الشافعي. وقد أصبحت جزِّين مركزًا هامًّا لِلتجمُّع الشيعي المُتستِّر بِالشافعيَّة خِلال القرن الرابع عشر الميلاديّ، وفيها حاول الشيعة مُقاومة المماليك مُجددًا لكنَّ حركتهم فشلت مرَّة أُخرى، ولم يلبث أن اعتنق شيعة بيروت والسَّاحل اللُبناني المذهب السُني، وذابوا في النسيج الإسلامي السُني القائم في تلك البلاد، وانصرف شيعة جبل عامل إلى الاهتمام بِبلادهم الجديدة لا سيَّما بعد أن ظهر فيها النظام الإقطاعي. أمَّا الدُرُوز فتذكر بعض المصادر أنهم حالفوا المماليك وخضعوا لهم بِطيب خاطر، فثبَّت السلاطين أُمرائهم في إقطاعاتهم وخلعوا عليهم، وأنهم شاركوا المماليك في حرب الصليبيين وحملوا معهم على كسروان ضدَّ أهلها من الشيعة، وأنهم استضافوا العساكر المملوكيَّة المُنسحبة من أمام المغول بعد معركة وادي الخزندار وأحسنوا إليهم، فقابلهم هؤلاء بأن اعترفوا بسُلطتهم على منطقة الغرب في جبل لُبنان المُشرفة على بيروت، وعلى بيروت ذاتها، وعلى ما بين أيديهم من مُقاطعات في المتن والشوف. بينما تنص مصادر أُخرى على أنَّ حملة كسروان كانت موجهة كذلك ضدَّ الدُرُوز «سُكَّان جبال كسروان»، على أنَّهُ لا يرد أي ذكر لِسُكَّانٍ دُرُوزٍ في كسروان في تاريخ صالح بن يحيى التنُّوخي، وهو المُؤلِّف الموثوق الذي كتب بِإسهابٍ عن حملات المماليك على كسروان.
 
الاقتصاد
الإقطاع
 
إقطاعات المعنيين والشهابيين في جبل لُبنان وسهل البقاع.
نشأ النظام الإقطاعي في الشَّام خِلال العهد الصليبي نتيجةً لِعاملين: أولًا، كان الصليبيُّون يألفون نظام الحُكم السائد في بُلدانهم الأوروپيَّة في ذلك الوقت، فطبقوه في المناطق التي استولوا عليها في المشرق الإسلامي. وثانيًا، لقد شعر الذين كانوا يُقاومون الصليبيين بِالحاجة إلى السيطرة على سُفُوح جبال لُبنان لِمُراقبة خُطُوط مُواصلات الجُيُوش الصليبيَّة البحريَّة والبريَّة وقطعها أو تهديدها بِالقطع عند اللُزُوم. وكانت جبال لُبنان الوُسطى والجنوبيَّة آنذاك شبه خالية من السُكَّان تقريبًا. لِذلك استقدم الحُكَّام المُسلمون بعض القبائل الشديدة الشكيمة من أتباعهم وأقطعوهم تلك المناطق الجبليَّة لِيجعلوهم يستقرُّون فيها ويتشبثون في الدفاع عنها. وكما في الشَّام، اعتُمد نظام الإقطاع في مصر حيثُ كان أُمراء المماليك يُقطعون أراضٍ زراعيَّةٍ واسعة يدفعون بِموجبها خراجًا سنويًّا إلى السُلطة المركزيَّة ويُزودونها بِحاجتها من الجُنُود عندما يتطلَّب الأمر. أمَّا في الشَّام فقد قُسِّمت الأراضي على عددٍ كبيرٍ من الزُعماء الإقطاعيين – الذين اشتهروا باسم «المُقاطعجيَّة» – المُنتمين إلى عائلاتٍ قويَّةٍ عريقةٍ. وكان من أشهر تلك العائلات على سبيل المِثال:
 
البُحتريُّون (التنُّوخيُّون): وهُم زُعماء مُقاطعة الغرب، أي السُفُوح المُطلَّة على بيروت وصيدا وما بينهما.
المعنيُّون: وهُم زُعماء مُقاطعة الشوف في جبل لُبنان. وقد وفدوا إليها من دمشق حوالي سنة 1120م لِرد هجمات الصليبيين، وأعمروه بعد أن كان قفرًا.
الشهابيُّون: وهُم زُعماء وادي التَّيم في سهل البقاع. وفدوا إليه من حوران حوالي سنة 1173م، فانتزعوه من الصليبيين، وأقرَّهم عليه السُلطان صلاح الدين الأيُّوبي.
بنو بشارة: وهُم زُعماء جبل عامل، أي لُبنان الجنوبي، وقد أعطوا اسمهم لِتلك البلاد مُنذ ذلك الحين فأصبحت تُعرف باسم «بلاد بشارة».
بنو الجيش: وهُم أجداد أُمراء بني أرسلان وقد قطنوا ضواحي بيروت الجنوبيَّة.
وكذلك كان لِلموارنة في القسم الشمالي من جبل لُبنان عائلاتهم الإقطاعيَّة الكبيرة. وكان الإقطاعيُّون فئات، فكان منهم الأُمراء والمُقدَّمون والمشايخ. وكانت الإقطاعة الصغيرة تتكوَّن عادةً من قرية إلى عشر قُرى. عامل المماليك الزُعماء الإقطاعيين في الشَّام بِحسب الموقف الذي كانوا قد اتخذوه منهم. فقد كافأوا بِالخير أولئك الذين أيَّدُوهم في حُروبهم ضدَّ الصليبيين والمغول – كما أُسلف – كالبُحتريين والمعنيين والشهابيين وثبَّتوهم في إقطاعاتهم. أمَّا المورانة والشيعة الذين كانوا يقطنون في النصف الشمالي من جبل لُبنان، والذين ساعدوا الصليبيين والمغول فقد انتقم المماليك منهم بعد تدمير معاقلهم بِأن انتزعوا إقطاعتهم ووزعوها على ثلاثمائة فارس تُركماني من جُنُودهم، وهُم الذين عُرفوا فيما بعد بِآل عسَّاف، وعهدوا إليهم بِحماية الشواطئ اللُبنانيَّة من شمالي بيروت إلى جنوبي طرابُلس. وفي عهد المماليك البُرجيَّة تحسَّنت العلاقات بين الموارنة والشيعة والدولة المملوكيَّة، فعاد الكثير من الموارنة إلى المناطق التي كان قد هرب منها أجدادهم. تولَّى السُلطان المملوكي بِنفسه توزيع الإقطاعات في مُعظم الحالات، وخُصوصًا في مصر. فإذا تقدَّم إليه المملوك؛ سأله عن اسمه وأصله وتاريخ قُدُومه إلى الديار المصريَّة وأُستاذه الذي اشتراه من تاجره، وصفاته حتَّى أصبح فارسًا. فإذا وقع اختيار السُلطان عليه لِيمنحه إقطاعًا، أمر ناظر الجيش بِأن يكتب له ورقة تُسمَّى «المِثال» تُحدد حُدود إقطاعه، ثُمَّ تُخرج الوثيقة النهائيَّة لِلإقطاع من ديوان الإنشاء. وعلى هذا فقد كان الإقطاع في عصر المماليك يرتبط ارتباطًا قويًّا متينًا بِديوان الجيش، حتَّى لقد أُطلق على هذا الديوان اسم ديوان الإقطاع.
 
الزراعة
 
فلَّاحون مصريُّون يحرثون أرضهم بِالأساليب العتيقة التي كانت معروفة مُنذُ ما قبل الإسلام واستمرَّت حتَّى العصر المملوكي.
أدرك سلاطين المماليك أهميَّة الزراعة لِلبلاد، بِوصفها عماد الثروة القوميَّة، لِذلك عنوا بها عنايةً فائقة، فأنشأوا الجُسُور وشقُّوا الترع لِتوفير مياه الري لِلأراضي التي يتعذَّر وُصُول الماء إليها. ومن أهم السلاطين الذين عنوا بِهذه الناحية السُلطان مُحمَّد بن قلاوون الذي عهد إلى بعض الأُمراء بِعمارة كافَّة جُسُور مصر في الوجهين البحري والقبلي والكشف عليها، بل إنَّ هذا السُلطان أشرف بِنفسه على إنشاء بعض الجُسُور، فكان يخرج أحيانًا مع المُهندسين لِيُوجههم حتَّى يتم بناء الجسر. وقد قُسِّمت أراضي مصر الزراعيَّة إلى أربعة وعشرين قيراطًا اختصَّ السُلطان منها بِأربعة قراريط، والأُمراء بِعشرة، وما تبقَّى خُصص لِلأجناد. ورُوعي في ذلك التقسيم أن تُوزَّع الأرض على هيئة إقطاعات تتفاوت في مساحتها، وفي خُصُوبتها ومقدار ريعها. على أنَّ زمام الأرض فُكَّ وعُدِّل أكثر من مرَّة في عصر المماليك بعد مسح الأراضي الزراعيَّة في البلاد، وهي العمليَّة التي تُعرف باسم «الروك». وقد اشتهر في تاريخ دولة المماليك الروك الذي تمَّ في عهد السُلطان لاجين سنة 697هـ المُوافقة لِسنة 1298م، والروك الذي تمَّ في عهد السُلطان الناصر مُحمَّد بن قلاوون سنة 715هـ المُوافقة لِسنة 1315م. وقام بِفلاحة الأرض جُمهرة الفلَّاحين الذين عاشوا في حالٍ من الفقر والحرمان الواضح؛ فالفلَّاح ظلَّ في ذلك العصر مربوطًا إلى الأرض التي يفني حياته في خدمتها دون أن يتمتَّع بِنصيبٍ يُذكر من خيراتها. وقد تعرَّض الفلَّاحون لِكثيرٍ من العسف من جانب أُمراء المماليك من ناحية ومن جانب الأعراب الذين طغوا عليهم من ناحيةٍ أُخرى، حتَّى خرب مُعظم القُرى لِموت أكثر الفلَّاحين وتشرُّدهم في البلاد. وكانت الأرض تُزرع مرَّة واحدة في السنة عقب فيضان النيل، لِأنَّ البلاد لم تعرف في ذلك العصر غير ري الحياض، كما أنَّ الفلَّاح لم يعرف من وسائل الزراعة وأدواتها غير الوسائل والأدوات العتيقة التي عُرفت مُنذُ أيَّام الفراعنة. وعلى ذلك فإنَّهُ يبدو أنَّ محصول الأرض الزراعيَّة في مصر ازداد على عصر سلاطين المماليك نتيجةً لِلعناية بِمرافق الزراعة من جُسُورٍ وترع ومقاييس النيل وغيرها.
 
الصناعة
 
سجَّادة مملوكيَّة صوفيَّة، صُنعت ما بين سنتيّ 1500 و1550م تقريبًا.
 
إبريق مُزيَّن بِخط الثُلُث يرجع لِعصر الناصر مُحمَّد بن قلاوون.
ارتقت الصناعة في عصر المماليك رُقيًّا كبيرًا حتَّى أصبحت مصنوعات ذلك العصر تُكوِّنُ في مجموعها إنتاجًا فنيًّا رائعًا ازدانت به متاحف العالم في القُرُون اللاحقة. شاع في ذلك العصر صناعة الأقمشة الفاخرة من الحرير والصُّوف والكتَّان والقُطن التي صُنعت منها الخُلع السُلطانيَّة والفرش والسُتُور والخيام. هذا عدا المصنوعات المعدنيَّة التي تمثَّلت في عددٍ كبيرٍ من الأواني النُحاسيَّة والطاسات دقيقة الصُنع ذات النُقُوش والكتابات العربيَّة الجميلة. وانتشرت في ذلك العصر صناعة تكفيت البرونز والنُحاس بِالذهب والفضَّة، وشغُف المُعاصرون بِالنُحاس المُكفَّت بحيثُ لم تكد دار تخلو بِالقاهرة ومصر من عدَّة قطع نُحاس مُكفَّت. أمَّا الزُجاج فقد صُنعت منهُ أنواعٌ جميلة بعضُها من البلُّور الصخري المُحبب، والبعض الآخر من الزُجاج المُلوَّن المُستخدم في النوافذ. وكذلك الخزف الذي صُنعت منهُ أواني مُتقنة جميلة، وكان بعضها يُصنع بناءً على توصيةٍ خاصَّةٍ من السلاطين والأُمراء، ولِذلك زُيِّنت بِرنوكهم. ولم تكن الصناعات الخشبيَّة أقل تقدُمًا في عصر المماليك، إذ ما زالت الأبواب والدكك والمشربيَّات وغيرها من المصنوعات الخشبيَّة الباقية من ذلك العصر تشهد على دقَّة الصناعة وتقدُّم وسائلها. وكانت طرابُلس وصيدا وبيروت وبعلبك من أشهر مراكز صناعة السُكَّر والزيت والصابون والزُجاج والفخَّار والنسيج الحريري والصوفي والقُطني. وكان التُجَّار الأوروپيُّون يُقبلون على شراء هذه المُنتجات إقبالًا شديدًا.
 
التجارة
 
خريطة تُبيِّن تحوُّل التجارة مع الهند والشرق الأقصى من مرافئ وموانئ الدولة المملوكيَّة إلى حول القارَّة الأفريقيَّة، ممَّا أدَّى إلى التدهور التجاري لِمكانة الدولة المملوكيَّة ومن ثُمَّ تدهور اقتصادها. كان لِلسياسة الاحتكاريَّة عند بعض سلاطين المماليك البُرجيَّة الأثر الأكبر في جعل الأوروپيين يبحثون طُرقٍ وأسواقٍ تجاريَّةٍ جديدة، وكان الپُرتُغاليُّون هُم الرُّوَّاد في ذلك، فطوَّقت أساطيلهم العالم الإسلامي.
تدلُّ جميع الشواهد على أنَّ التجارة كان لها المقام الأوَّل في النشاط الاقتصادي في العصر المملوكي، وأنها كانت المصدر الأوَّل لِلثروة الهائلة التي عبَّرت عن نفسها في أعمال المماليك وحياتهم وما تركوه من آثارٍ ومُنشآتٍ فخمة. ويرجع السبب في النشاط التجاري الذي تميَّزت به مصر في عصر المماليك إلى انسداد مُعظم طُرق التجارة العالميَّة بين الشرق والغرب مُنذُ القرن الثالث عشر الميلاديّ، بِسبب حركة المغول التوسُّعيَّة؛ وبذلك لم يبقَ آمنًا إلَّا طريق البحر الأحمر ومصر، ممَّا جعل الدولة المملوكيَّة تقومُ في ذلك العصر بِدور الوسيط بين الشرق والغرب. وفي البداية كانت الحركة التجاريَّة ضعيفة بِسبب انتشار روح العداء والكراهيَّة بين المُسلمين والأوروپيين نتيجة الحُرُوب الصليبيَّة، لكن ما أن خفَّت حدَّة الكراهيَّة هذه، وتوقفت الغزوات والغارات، فتح المماليك أبواب ثُغُور الساحل لِلتجارة والحُجَّاج النصارى، فانتعشت الحالة الاقتصاديَّة، حتَّى أنَّ بعض المُدن كبيروت ارتفع عدد سُكَّانها نتيجة هذه السياسة من بضع مئات إلى نحو عشرة آلاف نسمة. وقد أدرك سلاطين المماليك ما يُمكن أن تعود به عليهم التجارة الخارجيَّة من ثروة، فاهتموا بتنشيطها وتأمين مسالكها وإنشاء المُؤسسات اللازمة لِلتُجَّار كالفنادق والخانات والوكالات والقياسر والأسواق وغيرها. كذلك حرصوا على التودد إلى قوى البحر الأحمر من ناحية، وإلى التُجَّار الأوروپيين المُترددين على الإسكندريَّة ودُمياط من ناحيةٍ أُخرى. وقد أمر السُلطان قلاوون نُوَّابه أن يُحسنوا مُعاملة التُجَّار ويُلاطفونهم ويتوددون إليهم ولا يجبون منهم سوى الحُقُوق السُلطانيَّة. كذلك، كتب السُلطان قلاوون منشورًا إلى التُجَّار الذين يفدون إلى مصر والشَّام من الشرق والغرب يصفُ لهم محاسن البلاد ويُغريهم على القُدُوم إليها بِمتاجرهم ويعدهم بِحُسن المُعاملة والإحسان إليهم. ويُفهم من المراجع المُعاصرة أنه خُصِّصت لِكُل جالية من التُجَّار الأوروپيين فنادق خاصَّة بهم في الثُغُور والمراكز التجاريَّة الكُبرى في مصر والشَّام، ورُتِّبت أُمُور هذه الفنادق بحيث يتمتَّع التُجَّار الأوروپيُّون النازلين فيها بِأكبر قسط من الحُريَّة والتسهيلات.
 
 
خريطة تُظهر طريق تجارة التوابل العبارة لِلأراضي المملوكيَّة، إلى جانب طريق الحرير.
ومما يدل على النشاط التجاري في عصر سلاطين المماليك انتعاش ثُغُور الدولة وموانيها، مثل أسوان بِالنسبة لِتجارة النوبة، وعيذاب بِالنسبة لِتجارة الصين والهند واليمن، ودُمياط والإسكندريَّة وطرابُلس وبيروت وصيدا بِالنسبة لِلتجارة مع القوى الأوروپيَّة، وخاصَّةً المُدن الإيطاليَّة. وما يُقال عن التجارة الخارجيَّة يُمكن تطبيقه على التجارة الداخليَّة، إذ اشتهرت مُدن الشَّام ومصر الكُبرى بِأسواقها الحافلة بِالبضائع، وإحكام الرقابة عليها من جانب المُحتسبين لِمنع التلاعب في الأسعار أو الأوزان أو أصناف البضاعة. على أنَّ الجشع سُرعان ما دفع سلاطين دولة المماليك الشراكسة إلى اتباع سياسةٍ احتكاريَّةٍ عنيفة، فاحتكروا تجارة التوابل والبُخُور، وبالغوا في تحديد أثمانها حتَّى بلغ ثمن الفلفل مثلًا في الإسكندريَّة أضعاف ثمنه في الشرق الأقصى عشرين مرَّة. ولقد بلغت سياسة الاحتكار هذه أشدَّها على عهد السُلطان الأشرف برسباي الذي أبطل التعامل بِالنقد البُندُقي والفلورنسي وسكَّ الدينار الأشرفي لِيكون أساسًا لِلتعامل مع التُجَّار الأوروپيين. وأخيرًا ضاق الأوروپيُّون ذرعًا بِسياسة سلاطين المماليك واحتكاراتهم، فجدُّوا في البحث عن طريقٍ آخر يُمكِّنهم من الحُصُول على حاصلات الشرق بِثمنٍ معقول؛ وما زالوا يجدُّون حتَّى اكتشفوا طريق رأس الرجاء الصالح في نهاية القرن التاسع الهجري المُوافق لِلقرن الخامس عشر لِلميلاد، فكان ذلك إيذانًا بِتدهور مركز الدولة المملوكيَّة التجاري في التجارة العالميَّة. وأخيرًا، يُلاحظ عدم استقرار الحياة الاقتصاديَّة في عصر المماليك بِسبب تلاعب السلاطين بِالعملة، أو حُدُوث الفتن والمُنازعات بين طوائف المماليك. هذا فضلًا عن أنَّ أهل مصر كانوا يعيشون تحت رحمة فيضان النيل، فإذا انخفض الفيضان حدثت أزمة اقتصاديَّة في البلاد وارتفعت الأسعار واشتدَّ الجُوع ورُبما انتشر الطاعون في البلاد وسقط الموتى في الطُرُقات دون أن يجدوا من يدفنهم.
 
الحياة العلميَّة والفكريَّة
 
طبعة حديثة لِمُؤلَّف البداية والنهاية لِابن كثير.
خُصّ عهد الناصر محمد بن قلاوون (حكم1292-1340م) بلقب «عصر الموسوعات» لظهور موسوعة «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» (كتاب في الجغرافية والتاريخ والأدب وعلم الاجتماع والطبيعيات) لرئيس ديوان الإنشاء شهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري (700-749هـ/01-1349م)، وموسوعة «نهاية الأرب في فنون الأدب» (كتاب فلك وجغرافية وطبيعيات وتاريخ واجتماع وأدب وسياسة في 32 جزءاً) لشهاب الدين النويري (1279-1333)، وبعدهما بقليلٍ موسوعة «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» للقلقشندي (756-821هـ/1355-1418م)، ولكن يصلح إطلاق لقب العصر الموسوعي على مجمل العصر المملوكي لشيوع التأليف الموسوعي بحفْزٍ من حيوية المجتمع المسلم لجمع التراث العربي الإسلامي وحفظه من الاندثار بعد الضياع الكبير الذي لحقه بسبب الغزو المغولي، فشاع نمط الكتابة الموسوعية؛ كما عند جمال الدين ابن منظور (630-711هـ/1232-1310م) في معجمه اللغوي الجامع «لسان العرب» الذي قال عنه الزركلي: «جمع فيه أمهات كتب اللغة، فكاد يغني عنها جميعاً»، وعند ابن النفيس (10-1288م) في موسوعته الطبية الصيدلانية «الشامل في الطب»، التي أمضى بتأليفها أكثر من ثلاثين سنةً، وترك منها ثمانين جزءاً. ذكر أنه خطط لها أن تكون في ثلاثمئة جزءٍ، ومازالت بعض أجزائها بخطه محفوظةً في البيمارستان المنصوري بالقاهرة تعود لسنة 641هـ، وعند الدميري (1341-1405م) في «حياة الحيوان الكبرى»، وفي العلوم الشرعية ثمة الكمال بن الهمام (790-861هـ/1456) الفقيه الأصولي المجتهد (مجتهد مذهب) الذي بلغ في المذهب الحنفي درجة الترجيح (من رجال الطبقة الثانية في المذهب)، فسادت كتبه حتى النصف الأول من القرن 19م (مع تأليف «حاشية ابن عابدين») وكان لأقواله الفصل في المذهب، والإمام جلال الدين السيوطي (850-911هـ/1445-1505م) بغزارة تآليفه واستيعابها وإحاطتها، وابن هشام الأنصاري (708-761هـ/09-1360م) الذي يُعدّ إحدى قمم علماء العربية على مدى العصور. على أن القرن التاسع الهجري المُوافق للقرن الخامس عشر الميلادي شهد عموماً بعد جائحة تيمور الأعرج تواضعاً في السوية العلمية قياساً بالقرنين السابقين عليه، فشاعت المختصرات والتعليقات، وحتى ظهرت الانتحالات وهو ما كان غريباً دوماً على الحضارة الإسلامية.
 
 
اهْتَمَّ المَماليكُ بِالعِلْمِ، فَكان لِلْعُلَماءِ في عَهْدِهِمْ مَكانَةٌ كَبيرَةٌ، فأَكثَرَ سلاطينُ المماليك من بناء المدارس والجوامع والرُّبَط، فأَنْشَأْ الْظاهِرُ بيبَرْس المَدْرَسَةَ الظاهِرِيَة الواقعة شرقي قلعة دمشق، وَأَنْشَأْ الناصِر مُحَمَّد المَدْرَسَةَ الناصِرِيَةَ، وابنه السلطان حسن مسجد ومدرسة السلطان الناصر حسن أكبر بناءٍ مدرسيٍّ في العالم (7900م²) في القاهرة، وزخر العصر المملوكي بعددٍ كبيرٍ من مشاهير العلماء الذين أثروا الحركة العلمية، مثل الحافظ محي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي صاحب كتاب رياض الصالحين في الحديث، والذي شرح صحيح مسلم (شرح صحيح مسلم للنووي)، وجمع وحرر أحكام المذهب الشافعي، والعز بن عبد السلام العالم الفقيه المعروف الملقب بـ«سلطان العلماء»، وشيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الفقيه المعروف صاحب الفتوى الحموية، وابن قيم الجوزية صاحب زاد المعاد في هدي خير العباد، والقاضي والفقيه ابن دقيق العيد، والحافظ المزي صاحب تهذيب الكمال، وابن حجر العسقلاني أمير المؤمنين في الحديث صاحب فتح الباري في شرح صحيح البخاري، وشمس الدين الذهبي الحافظ والمؤرخ صاحب سير أعلام النبلاء، وشيخ الإسلام بدر الدين أبو عبد الله محمد بن جماعة الذي سمع الحديث وله مؤلفات فيه وكان بارزاً في علومٍٍ متنوعة، والحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير صاحب كتاب البداية والنهاية في التاريخ، وتفسير القرآن العظيم في التفسير، والمقريزي (1364-1442م) المؤرخ صاحب مدرسةٍ في التأريخ، وأشهر كتبه السلوك لمعرفة دول الملوك أو «الخطط المقريزية»، وابن تغري بردي صاحب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، والقلقشندي المؤرخ صاحب كتاب صبح الأعشى، وابن قدامة المقدسي أحد أعلام المذهب الحنبلي، ومؤلف كتاب المغني من أهم الكتب وأفضلها في الفقه المقارن، وابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، أما بالنسبة للمجال الطبي فكانت القاهرة ودمشق وحماة من أهم مراكز طب العُيُون في العالم، خرّجت عدداً من الأطباء الأفذاذ ممن كانوا حُجَّة ومرجعاً في هذا العلم مثل خليفة بن أبي المحاسن الحلبي الذي ألَّف كتاب «الكافي في طب العيون» وفيه شرح إجراء عملية الكتاراكت، وأيضاً صلاح الدين بن يوسف من حماة الذي ألف كتاباً في طب العيون أسماه «نور العيون»، وفي الملاحة البحرية شاعت مؤلفات وابتكارات أحمد بن ماجد الذي ألف أرجوزةً في الملاحة يحفظها الربابنة والبحارة لاستذكار تعليمات الإبحار والأنواء، وترك موجزاً في الملاحة النظرية والعملية، وكان لابن ماجد دورٌ هامٌّ في تطوير البوصلة، فكان أول من ثبّت إبرةً مغناطيسيةً على سنّ، وكان قبلئذٍ يتم حك إبرة البوصلة بالمغناطيس ثم وضعها فوق إناءٍ فيه ماء بحيث تطفو على عودين صغيرين من الخشب فتشير إلى الشمال، ولكن بعد اختراع ابن ماجد أصبحت تتحرك حرةً دونما حاجةٍ إلى وعاء الماء.
 
 
يعود التطور العلمي في الدولة المملوكية لاهتمام سلاطين المماليك بالعلم، وتشجيعهم للعلماء، وهذا لعدة عوامل منها التقوى والزلفى واستخدامها في كبح الدعوة للمذهب الشيعي، ومنها اتخاذ المدرسة لدعم مركزهم في أعين الشعب، وقد ألحقت بكل مدرسةٍ خزانة كتبٍ يرجِع إليها المدرسون والطلاب في البحث والاستقصاء، فإذا أتم الطالب دراسته وتأهل للفُتيا والتدريس أجاز له شيخه ذلك وكتب له إجازةً يذكر فيها اسم الطالب وشيخه ومذهبه وتاريخ الإجازة وغير ذلك، كما أن الحياة العلمية في مدارس العصر المملوكي لم تخلُ من ضروب الترويح عن النفس فأقيمت في المدارس بين الحين والآخر حفلات لمختلف المناسبات العلمية كختم البخاري أو الفراغ من تصنيف كتابٍ أو غير ذلك، وكانت الأوقاف والأحباس هي التي ثبتت أركان المدرسة ودعمت نظامها ومكنتها من القيام برسالتها في عصر المماليك. كان تعليم الطلبة مجانيّاً حسبةً لوجه الله إضافةً لضمان المسكن والكساء وبعض المقررات النقدية والعينية الأسبوعية أو الشهرية، إلا أنها كانت في أحيانٍ قليلةٍ تختلف من طالبٍ لآخر وفق ما يراه ناظر الوقف ما يؤدي إلى التحاسد بين الطلبة بسبب نقص مقرر أحدهم عن زميله.
 
لم تك المدرسة ذلك العصر في كثيرٍ من الأحيان بناءً مستقلاً قائماً بذاته، وإنما كان يُلحَق بها عادةً مسجدٌ والقبة التي يبنيها السلطان أو الأمير ليدفن فيها وربما خانقاه أو زاويةٍ للصوفية، وأحياناً مشفىً خدمياً لحاجات الطلبة (كما في مدرسة الناصر حسن)، وبعضها كان يدرس العلوم الدنيوية كالطب والفلك (مدرسة الناصر حسن أيضاً). على العموم بلغت العناية بالمدارس في العصر المملوكي أوجها حتى المدارس الصغيرة غدت عمارتها وزخرفتها أحياناً مثالاً باهراً كالمدرسة الجقمقمية شمال غربي المسجد الأموي بدمشق، وكان الأمراء يتنافسون في اجتذاب الأسماء الكبيرة من العلماء للتدريس في مدارسهم التي أوقفوها كما جرى مع ابن خلدون.
 
الحياة الاجتماعيَّة
الأعياد
 
الاحتفال بِخُرُوج المحمل المصري (كسوة الكعبة) من القاهرة إلى الحجاز.
امتازت الحياة الاجتماعيَّة في مصر والشَّام على عصر سلاطين المماليك بِكثرة الأعياد الدينيَّة والقوميَّة، والمُبالغة في إحياء تلك الأعياد. ففي الأعياد ذات الصبغة الدينيَّة كان الناس يتبادلون التهنئة ويُقيمون الولائم ويتصدَّقون على الفُقراء، ويُبالغون في إظهار السُرُور. ورُبَّما جاءت هذه الأعياد مصحوبة بِبعض المواكب – مثل الاحتفال بِدوران المحمل – وعندئذٍ يخرج الناس من كُل مكانٍ لِلفرجة، ويُزيِّن أصحاب الحوانيت والأسواق حوانيتهم بِالحرير والحُليّ. أمَّا في الاحتفالات القوميَّة مثل الاحتفال بِوفاء النيل أو تولية سُلطان جديد، فكان السُلطان عادةً يشق القاهرة في موكبٍ حافلٍ وقد فُرشت الشوارع بِشقق الحرير، وأقام الأُمراء القلاع – وهي أقواسُ النصر – في طريق السُلطان. وتتضاعف مظاهر الفرح والبهجة إذا كان السُلطان عائدًا مُنتصرًا من ميدان الحرب، إذ يُبالغ الأُمراء والناس في الزينة؛ ويقوم نائب السلطنة بِإحضار سائر مغاني العرب من أعمال مصر كُلِّها.
 
طبقات الناس
 
كان الاستماع إلى الحكواتيَّة في المقاهي أحد أبرز وسائل الترفيه في العصر المملوكي.
كان المُجتمع المملوكي مُجتمعًا طبقياً تَميَّز بِكثرة طبقاته، إذ إنَّ طبيعةَ حُكم المماليك الأغراب عن البلاد، وانعزالهم عن أهل البلاد وعن انخراطهم في سلوكهم، أدَّى إلى ظُهُور طبقةٍ مُتميِّزةٍ في المُجتمع تمتلكُ زمام الحُكم فيه هي طبقة المماليك أصحاب السيادة والنُفوذ، كما ظهرت أيضاً الطبقات الأخرى، ويُمكن تقسيم سُكَّان مصر والشَّام في العصر المملوكي إلى ثماني طبقاتٍ: طبقة المماليك، وطبقة المُعمَّمين، وطبقة التُجَّار، وطبقة طوائف السُكَّان أرباب المهن في المُدن، وطبقة أهل الذمَّة، وطبقة الفلَّاحين، وطبقة الأعراب، وطبقة الأقليَّات الأجنبيَّة. عاش الممالك أنفُسهم طبقة أرستقراطيَّة يحكمون البلاد ويتمتعون بِالجُزء الأكبر من خيراتها دون أن يُحاولوا الامتزاج بِأهلها إلَّا قليلاً، وقد شهد الرحَّالة الأجانب الذين زاروا مصر في ذلك العصر بِعظم ثروة المماليك وحياة الترف والنعيم التي عاشوا في ظلِّها. أمَّا عامَّة الشعب فقد استطاع بعض فئاتهم -مثل المُعممين والتُجَّار- أن يحتفظوا لِأنفُسهم بِمكانةٍ مرموقةٍ في المُجتمع ومُستوىً لائقٍ من المعيشة، في حين عاش غالب أهل البلاد من العوام والفلَّاحين حياةً أقرب إلى البُؤس والحرمان.
 
الترفيهات
على الرغم مما كان يتعرَّض له أهالي القاهرة أحياناً جرَّاء عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي إلَّا أنهم عاشوا عيشةً مرحة، فحرصوا على الإقبال على وسائل التسلية، والخُرُوج إلى الحدائق العامَّة، والرغبة في سماع الموسيقى، والغناء، والتلهِّي بِمُشاهدة خيال الظل أو مُشاهدة نطاح الكباش ومُناقرة الدُيُوك. وقد وصف ابن بطوطة أهالي مصر حينما زارها بِأنهم «ذوو طرب وسُرور ولهو». ومن أبرز وسائل الترفيه والتسلية آنذاك كان الجُلُوس إلى المقاهي والاستماع إلى الحكواتيَّة الذين كانوا يروون القصص العربيَّة الخُرافيَّة مثل ألف ليلة وليلة وسير أبطال الإسلام السابقين كالظاهر بيبرس وصلاح الدين الأيُّوبي، وقد تخصصت بعض المقاهي بِقص سيرة الظاهر بيبرس وعُرفت باسم «المقاهي الظاهريَّة»، وأُخرى بِقصص أبي زيدٍ الهلاليّ وعُرفت باسم «المقاهي الهلاليَّة»، وغيرها.
 
اللُغة والمُصطلحات
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: ألقاب ومصطلحات مملوكية
كانت العربيَّة هي اللُغة الأولى السائدة بين جميع أطياف الشعب في العصر المملوكي، أمَّا سلاطين المماليك فقد تحدثوا التُركيَّة كلُغةٍ أُم، والتُركيَّة المقصودة هُنا هي التُركيَّة القفجاقيَّة المُنقرضة اليوم. وعلى الرُغم من أنَّ المماليك البُرجيَّة كانوا شراكسة، فإنهم تحدثوا التُركيَّة كذلك كونها كانت لُغة أسيادهم المماليك البحريَّة، فلقَّنوهم إيَّاها بِمُجرَّد قُدومهم إلى مصر، فكان من نتيجة ذلك أن تترَّك هؤلاء لُغةً وثقافةً. من جهةٍ ثانية، فإنَّ الفترة التي عاشها العرب في ظل الدولة المملوكيَّة مع غيرهم من الأعراق كالتُرك والشركس والمغول والأرمن، أفضت إلى تأثُّرهم بِثقافهم هذه الأقوام مثلما تأثَّر هؤلاء بِالثقافة العربيَّة، وكان من نتائج هذا التأثير أن ألقت كُل ثقافة بِظلالها على الأُخرى فأوحت إليها ببعض الألفاظ والتعابير الاصطلاحيَّة التي كانت تنمو مع نُموِّ الأزمنة وتخضع لِتطوُّراتها، واستمرَّ بعضها صامدًا في مصر والشَّام إلى اليوم. ومن أبرز تلك المُصطلحات: الأعلام التي تُستخدم اليوم بِمعنى الرايات، ومعناها الأصلي الرَّاية العظيمة المصنوعة من الحرير الأصفر المُطرَّز بِالذهب وعليها ألقاب السُلطان واسمه. ومنها أيضًا الأوباش وهو لفظٌ أُطلق في العصر المملوكي والعُثماني على الجماعات المُثيرة لِلشغب والتي كانت تقوم بين الحين والآخر بِأعمال النهب والاعتداء على الآمنين وقطع الطُرق على التُجَّار والوافدين. وكذلك بقسماط، وهو ضربٌ من الخُبز الجاف المُقطَّع يُستعمل أثناء الطوارئ حين لا يتوفَّر الرغيف الطازج، وما زال هذا المُصطلح يُستخدم في مصر وشمال الشَّام. وغير ذلك كثير.
 
العمارة
اهتم حُكَام الدَولة المَمْلُوكِية بالعِمَارة، وخَاصة الناصر محمد بن قلاوون والذي أَكثر مِنْ بِنَاء العَمائِر حَيْثُ يُعَد عصرُه من أزْهى عُصور الدَوْلة المَمْلُوكِيَة، ومِن أَهم مُنشآته في مَدينَة القَاهِرَة المَيدان العَظيم، والقصر الأَبْلق بالقَلْعة، والإيوان ومَسْجِد القَلْعَة، والمَيْدان الناصري، وبُسْتَان بَاب اللوق، وقَناطِر السباع، ومن بَيْن الأَعْمالِ العَظيمَة التَي أُنجزت في عَصْر الناصِر مُحَمَّد حَفْر قَناة مِنْ الإسكندرية إلى فوة، وبِذَلك أَعادَ وَصْلَ الإسْكَنَدَرِيَة بِالنيل، وبَلَغَ اهْتِمامُ النَاصِر بالعِمارَة أَنْ أَفْرَدَ لَها ديوانًا، وبَلَغَ مَصْروفُها كُل يَوْمٍ اثْني عشر أَلْف دِرْهَم، وقد تمثلت العمارة في الدولة المملوكية عامة في المساجد، والقبور، وبالنسبة لعمارة المساجد في الدولة المملوكية فقد احتفظت بالتقاليد السابقة الموجودة في الدول السابقة للدولة المملوكية؛ فهي مؤلَّفة من صحن مكشوف تحفُّ به أربعة أروقة، ومن حرم مغطى، وقد أخرجت لنا العمارة المملوكية العديد من المساجد الشهيرة منها: مسجد بيبرس الأوَّل، والذي تم إنشاؤه عام 667 هـ الموافق 1269م، وهو من أقدم المساجد المملوكية، وبالنسبة لآخر مسجد مملوكي هو مسجد السلطان مؤيد، والذي تم إنشاؤه 854 هـ الموافق 1450م، وقد تم إنشاء العديد من المساجد المهمة، ومنها مسجد السلطان قلاوون، والذي تم إنشاؤه عام 684 هـ الموافق 1285م، وهذا المسجد يُعدُّ من أهمِّ المساجد المملوكيَّة وأجملها، وهو مجموعةٌ معماريَّةٌ تتضمَّن بيمارستانًا، ومسجدًا أُلحقت به مقصورات للطلاب، ثم ضريح السلطان، وتبدو واجهة هذه الأبنية شديدة الزخارف مؤلَّفة من مشاكٍ عالية ذات أقواسٍ منكسرة، وهناك أيضا مسجد ومدرسة السلطان حسن الذي أنشأ عام 764 هـ الموافق 1363م، والذي يعد نموذجًا معماريًّا متميِّزًا، حيث يقوم البناء على سطح منحدر، يبدو بمدخله الفخم وقد سبقه درج يوصل إلى دهليز يُؤدِّي إلى الصحن المربَّع الشكل، تنفتح من جهاته الأربع إيوانات ذات قبَّةٍ منكسرة، ولكن الإيوان المجابه للمدخل هو الأوسع، وفيه محراب القبلة، وفي وسطه مقصورة مرفوعة، وإلى جانبي المحراب بابان يصلان الحرم بصالةٍ كبرى ذات قبَّة؛ هي مدفن السلطان حسن، وتتَّصل الأواوين الجانبيَّة بغرفٍ ومقصوراتٍ تُشكِّل مدرسةً بذاتها، تسمح بإقامة الطلاب وبدراستهم، وتنهض في مقدِّمة البناء مئذنتان، وهناك في دمشق وحلب مساجد تعود إلى ذلك العصر أنشأها نوَّاب السلطان، منها جامعي تنكز ويلبغا في دمشق، وفي حلب جامع الطنبغا وجامع الأطروش (أقبغا)، وبالنسبة لمآذن الجوامع المملوكية فقد اهتمَّ المعمار عمومًا بتزيين المآذن بالمقرنصات أو بالقيشاني، وغيرها، وقد ظهرت المئذنة المزدوجة الرؤوس كما في مئذنة الغوري في الجامع الأزهر، وتُزيِّن المساجد المملوكية سقوف مدهونة وزجاج ملوَّن في النوافذ، وتنزيل الرخام في الجدران، مع تبليطات هندسيَّة، كما تُزيِّن واجهات هذه الأبنية كسوات رخامية أو حجرية حمراء أو بيضاء، ومحاريب شاقولية ومقرنصات، ويتميَّز مسجد قايتباي أيضا بمزايا زخرفيَّة متميِّزة.
 
 
وهناك العديد من العمائر الأخرى التي اهتم المماليك بإنشائها، مثل: المدرسة وكانت مؤلَّفة من إيوانين متقابلين مفتوحين على صحن، وقد تلحق بالمدرسة -غالبًا- أضرحة ومصليَّات، وظهر في هذا العصر بناء الجامع والمدرسة، وأنشأ المماليك أيضا الخانقاه والتي كانت أشبه بمدرسة مخصَّصة للصوفيَّة أو للتجار؛ حيث يكون لهم جناح في هذا المبنى لمزاولة أعمالهم، والخانات هي فنادق للمسافرين والقوافل تتكون من طابقين أو أكثر، الطابق السفلي مخصَّص لحفظ البضائع والدواب، والطوابق العليا للسكن، والوكالات وكانَت مخصَّصة للتجار المسافرين، وبالنسبة لعمارة المدافن، والتي كانت من من أكثر المنشآت المعمارية انتشارًا في ذلك العصر، وفيها كانت القبة تأخذ شكل التربة، وكان بعضها مستقلًا، وبعضها الآخر ملحقًا بمنشآت أخرى، وتغطي الصالة المدفنية قبة ذات رقبة دائرية أو مضلعة تنفتح فيها نوافذ عدة، محمولة على عنق مثمن، وتبدو القبة شديدة الارتفاع مقطعها قوسي، مزينة بالمفصصات -حيث كانت زخرفة إهليلجية ناتئة أو غائرة- أو المِشْبَكات الهندسية أو النباتية، ومازال حتى اليوم ما يقرب من خمسة وخمسين مدفنًا متبقيا منهم، وللعمارة المملوكية مميزات مع أنها كانت محصلة الفنون المعمارية التي ظهرت قبل هذا العصر، إلا أنه امتاز بنضج الزخارف واستخدامها للحجر والآجر والإكساء بالرخام مع زيادة الاهتمام بطراز الأعمدة والدعامات من الرخام والغرانيت، واستعمال موفق لأعمدة قديمة، وأيضا فقد اهتم المعمار بواجهات المنشآت إذ ظهرت عناصر زخرفية جديدة بدت على شكل مقرنصات وشرّافات مسننة مع الاهتمام برشاقة المآذن وزخرفتها حجريًا، وازداد الاهتمام بالمداخل الشامخة التي تظهر واضحة في بناء مسجد السلطان حسن ومدرسته في القاهرة. إضافة إلى المشربيات والشناشيل في عمارة القصور والبيوت التي تحقق الإطلال الخارجي مع احتجاب النساء، كما تحقق تكييفًا هوائيًا، وبالنسبة للقصور في العصر المملوكي فقد اهتم المماليك بها، وقاموا بترميم بعض القصور، حيث هناك قصران من العصر الأيوبي رُمِّما في عصر بيبرس وقلاوون، وهما قصر الهواء في القلعة، وقصر نجم الدين في جزيرة الروضة، وقد أنشأوا أيضا بعض القصور، مثل: القصر الأبلق الذي أنشأه بيبرس في دمشق، وقصرٍ مماثلٍ له في القاهرة أنشأه قلاوون، وبالنسبة للعمارة العسكرية المملوكية، فأنشأ المماليك قلعة قايتباي في الإسكندرية، ومثلها في رشيد.
 
الجيش
 
جُنُودٌ مماليك: فارسٌ بِدرعه وسلاحه الكامل، واثنان من الرجَّالة، أحدهما يحمل بُندُقيَّة، وهي من الأسلحة الناريَّة التي استخدمها المماليك نادرًا في أواخر عصر الدولة البُرجيَّة، قُبيل سُقُوط الدولة بِبضع سنوات.
وُصفت الدولة المملوكيَّة بِأنها «دولة إقطاعيَّة حربيَّة». فطبيعة المماليك ونظامهم والرغبة في اقتنائهم نبعت من فكرة أساسيَّة واحدة هي تكوين فئة من المُحاربين الأشدَّاء وإعدادهم لِيكونوا درعًا حاميًا لِأساتذتهم الذين قاموا بِشرائهم وتعهدوهم بِالتربية. ولا يكاد المملوك يُدرك سن البُلُوغ حتَّى يُشرع في تعليمه فُنُون الحرب، من الرمي بِالنشَّاب واللعب بِالرِّمح ورُكوب الخيل وأنواع الفُرُوسيَّة. وعندما ينتهي المملوك من هذه المرحلة التعليميَّة ينتقل إلى الخدمة ويمر بِأدوارها رُتبةً بعد رُتبة حتَّى يصير من الأُمراء. واعتبار الدولة المملوكيَّة دولة إقطاعيَّة حربيَّة يرجع إلى الارتباط الوثيق – كما أُسلف – بين ديوان الجيش والإقطاع الذي وصفه القلقشندي بِقوله أنَّهُ «مظنَّة الإقطاع»، أي سجلُّه ومركزه. وقد تكوَّن الجيش في عصر سلاطين المماليك من ثلاث فرق أساسيَّة، الفرقة الأولى كانت طائفة المماليك السُلطانيَّة – أي مماليك السُلطان القائم بِالحُكم – وقد وصفهم القلقشندي بِأنهم أعظم الأجناد شأنًا وأرفعهم قدرًا وأشدُّهم قُربًا وأوفرهم إقطاعًا، ومنهم تُؤمر الأُمراء رُتبةً بعد رُتبة. والفرقة الثانية تشمل طائفة مماليك الأُمراء، أي الذين اشتراهم الأُمراء المُحيطون بِالسُلطان، كُلٌ حسب درجته ورُتبته، وتعهدوهم بِالرعاية، ومن هؤلاء كانت تتكوَّن الوحدات الحربيَّة التي تُرافق السُلطان في حُرُوبه، وكُل واحدة تتألَّف من أمير على رأس مماليكه. وأخيرًا تأتي الفرقة الثالثة وهم طائفة أجناد الحلقة، وهُم مماليك السلاطين والأُمراء السابقين وأولادهم الذين احترفوا الجُنديَّة وأصبحوا بِمثابة جيش ثابت لِلدولة لا يتغيَّر بِتغيُّر السُلطان، ويُشرف على كُل ألفٍ منهم وقت الحرب أمير مائة مُقدَّم ألف، أي أمير لهُ الحق في امتلاك وشراء مائة مملوك لِنفسه ويقود في وقت الحرب ألف جُندي من أجناد الحلقة. وكان السُلطان لا يُقدم على حربٍ عادةً إلَّا بعد استشارة مجلس الجيش الي يضم كبار الأُمراء فضلًا عن الخليفة وقُضاة القضاء الأربعة، فإذا تقرَّرت الحرب جمع الجُند وأقسموا اليمين الطاعة والولاء لِلسُلطان، وعندئذٍ تفتح السلاح خانة أبوابها لِتوزيع السلاح على المُحاربين. أمَّا عن نظام الجيش وقت المعركة فكان يقوم على أساس ترتيب الجُند على هيئة صُفُوثٍ مُتراصَّة تُكوِّن أقسام الجيش الثلاثة – وهي القلب والميمنة والميسرة – فضلًا عن المُقدِّمة، ويكونُ القائد العام لِلحملة عادةً في قلب الجيش، ورُبما في مُقدمته لِيستثير روح الإقدام والشجاعة في الجُند. وكانت الطُبُول والمُوسيقى جُزءًا أساسيًّا في الجيش المماليكي، فكانت تُحملُ على عشرين بغلًا، ويُعتمدُ عليها في تنظيم الحركة وإعطاء الإشارات بِبدء القتال. هذا فضلًا عن الأعلام والرَّايات التي كانت تتقدَّم الجيش ويلتف حولها كُلُّ قسمٍ من أقسامه. ويُلاحظ أنَّ المماليك كانوا فُرسانًا قبل كُل شيء واعتمد نظامهم بِصفةٍ أساسيَّةٍ على الفُرُوسيَّة. لِذلك كان الجيش المماليكي يتألَّف أساسًا من الفُرسان، الأمر الذي جعلهم يهتمُّون بِالخُيُول اهتمامًا بالغًا، ويُعيِّنون كبار المُوظفين لِلإشراف عليها وعلى أدواتها وعددها كاللجم والسُرُوج وغيرها. فضلًا عن الإنفاق بِسخاءٍ على الإسطبلات الخاصَّة بِالخيل.
 
ليس معنى تغلُّب صفة الفُرُوسيَّة على المماليك أنهم أهملوا جانب البحر والأُسطول، فقد وصفها المُؤرخون المُعاصرون لها بأنها دولة البرَّين والبحرين، بِمعنى أنها ملك برَّ مصر وبرَّ الشَّام، وأطلَّت على البحرين: بحرُ الرُّوم (المُتوسِّط) والقلزم (الأحمر). ويُعزى إعلاء شأن الأُسطول الإسلامي زمن المماليك إلى السُلطان الظاهر بيبرس، إذ ما أن ارتقى دست السلطنة حتَّى نظر في أمر البحريَّة، فمنع الناس من التصرُّف في الأخشاب وتقدَّم بِعمارة السُفن في ثغريّ الإسكندريَّة ودُمياط، وصار ينزل بنفسه إلى دار الصناعة بِمصر ويُرتِّب ما يجب ترتيبه من عمل السُفن ومصالحها، واستدعى كبار الصنَّاعين إلى مصر، فصار لديه عدد ليس بِقليل من السُفن بِمختلف أنواعها، منها الشواني والحراريق والطرائد. وكان دافع المماليك لِلإهتمام بِالأُسطول هو أنَّ آخر ما استرجعوه من بلادٍ خاضعةٍ لِلصليبيين كانت ثُغُورًا ساحليَّة، كما أنَّ الحُرُوب الصليبيَّة تحوَّلت من معارك بريَّة إلى معارك بحريَّة بعد طرد الصليبيين نهائيًّا من بلاد الشَّام في أواخر القرن التاسع الهجري المُوافق لِلقرن الثالث عشر الميلادي. أمَّا أبرز أنواع السُفن الإسلاميَّة في الأُسطول المملوكي فهي: الشواني ومُفردها شيني وهي سفينة حربيَّة كبيرة ذات أبراج وقلاع تُستعمل لِلدفاع والهُجُوم، والحراريق أو الحرَّاقات وهي السُفُن التي كانت تحمل مرامي النيران مثل النار الإغريقيَّة وغيرها وتُلقي النار منها على سُفن العدو وأهدافه فتحرقها، والطرَّادات التي كانت تُستخدم عادةً في حمل الخُيُول، والأغربة التي تحمل الجُند، والبطس الكبيرة التي كانت تُستخدم في حمل أعداد عظيمة من الجُند تصل إلى سبعُمائة جُندي فضلًا عن المُحاربين والأسلحة والذخيرة والغلال والميرة. ولقد ظلَّ الأُسطُول في عصر سلاطين المماليك يقوم بِدوره كاملًا في الدفاع عن البلاد الإسلاميَّة ومُهاجمة الأعداء حتَّى نهاية تلك الدولة، ففي أواخر عصر المماليك تسرَّبت عوامل الضعف التي نخرت في عظام الدولة وبالعديد من أجهزتها إلى الأُسطُول، فتراجعت قُوَّته وسطوته على البحار، وتهاوى أمام الأساطيل الپُرتُغاليَّة التي كانت قد برزت على الساحة بِوصفها قُوَّة عالميَّة فتيَّة.
 
العلاقات مع الدول الخارجية
 
سُفراءٌ مماليك إلى السُلطان العُثماني مُحمَّد خان الأوَّل.
كان لدولة المماليك علاقات مع مختلف الدول القائمة آنذاك، فبالنسبة للعلاقات الصفوية المملوكية فإنها بدأت عدائية ثم تحولت إلى صداقة، حيث كان إسماعيل الصفوي شديد الكره للمسلمين السنة، وكان المذهب السني متمثل حينها في الدولتين المملوكية، والعثمانية، لذا قام إسماعيل الصفوي بمحاربتهم، بالإضافة إلى الاتفاق مع البرتغاليين، والصليبيين على حرب الدولة المملوكية عامة، والدولة العثمانية خاصة، وأيضا كان العداء موجود بين المماليك والصفويين عندما كانت الدولة الصفوية تتوسع على حساب الدولة المملوكية في بلاد الشَّام، حيث وقفت الدولة المملوكية منها موقفاً مناوئًا، وازداد هذا الموقف المناوئ بعد أن علم المماليك بوجود حلف عدائي بين الصفويين والقوى الأوروپية للقضاء على الدولة المملوكية. وقد أدى هذا الأمر إلى توقف الاتصالات الدبلوماسية بين هاتين الدولتين عام 1511م، ولم تتجاوز إلا في عام 1514م، وذلك عندما خسر الصفويون في نزاعهم مع العثمانيين فأرادوا أن يحسنوا في علاقاتهم مع المماليك.
 
 
راية الحفصيين، جيران المماليك في إفريقية.
وأيضًا فقد كانت العلاقات بين المماليك البحريَّة، والحفصيين في تونس جيدة، ووديَّة، وذلك لوجود أربعة عوامل مشتركة، أولها عامل الدين الإسلامي، حيث كانت كلتا الدولتين تدينان بالإسلام على مذهب أهل السنة، وثانيهما عامل الجوار، والعامل الثالث هو الخطر المشترك الذي هدد العالم الإسلامي آنذاك، ثم العامل الرابع وهو الحج على اعتبار أن مصر واقعة على الطريق البري للحجاج القادمين من شمالي إفريقيا، ولكن بالرغم من العلاقات الودية بين الدولتين إلا أنه قد شابها بعض الفتور؛ وذلك بسبب مشكلة الخلافة؛ لأن ملوك بني حفص تلقبوا بلقب الخلفاء، فلم يعترف المماليك بإمرة المؤمنين في السلالة الحفصية، وإنما لقبوا حاكمهم بـ«أمير المسلمين»، وهو لقب دون أمير المؤمنين في الرتبة، ويبدو أن مشكلة الخلافة لم تقف حائلًا بين الدولتين في التعاون لرد العدوان الخارجي، وبالنسبة لعلاقة المماليك ببعض القوى الأوربية، فقد اجتذبت موانئ مصر المدن التجارية الإيطالية، البندقية وجنوة وبيزا، بفضل التكاليف الزهيدة للبضائع القادمة من الشرق الأقصى عبر هذا البلد، إضافةً إلى ميزة الحصول على حاصلات الأراضي المصرية ومنتجاتها الصناعية، وكانت هناك من جهة أخرى أرباح كبيرة تتحقق بتوريد بعض السلع الأوروپية التي كانت الدولة المملوكية بحاجة إليها مثل الحديد والخشب، لكن توثيق العلاقات السلمية مع مصر لم يكن بالسهولة التي تبدو لأول وهلة؛ بسبب عداوة المماليك للصليبيين في بلاد الشام.
 
 
لوحة لِفنَّانٍ بُندُقيٍّ مجهول تُصوِّرُ نائب السلطنة في دمشق وهو يستقبل سفارةً بُندُقيَّة.

وكانت المدن الإيطالية خاصة تسأل قبل أن ترتبط بعلاقات تجارية مع دولة المماليك: هل تسيء بذلك إلى بقية العالم المسيحي؟ لأن تجار المماليك سوف يستفيدون حتمًا من جرَّاء المبادلات التجارية، كما تنتفع خزائن السلطان من حصيلة الرسوم الجمركية، ويترتب على ذلك تنامي قوة هذا البلد، مما يشكل ازديادًا في الخطر على المدن الصليبية في بلاد الشام، وكان التاجر الغربي الذي يتاجر مع المماليك يُوصَف بأنه مسيحي فاجر، في حين تعرَّض حكام المماليك الذين يتعاونون مع التجار الغربيين للانتقاد أيضًا، وبالرغم من أن العقبات على التجارة بين مصر والمدن الإيطالية تأتي من الطرفين، إلا أنها استمرت ناشطة أحيانًا وسط الأجواء العاصفة، وكان الأمل عند الطرفين في الحصول على أرباح ومنافع جسيمة يبدد الكثير من المخاوف، وإذا كانت العلاقات بين المدن الإيطالية التجارية وبين المماليك تأرجحت بين المشاحنات والهدوء وفقًا لتقلب الظروف السياسية، فإن الوضع اختلف مع الإمارات المسيحية في أوروپَّا الغربية مثل قشتالة وأرغونة وإشبيلية، ويبدو أن حرص الإمارات المسيحية في إسپانيا على عدم وصول نجدات من دولة المماليك إلى المسلمين في الأندلس دفع ملوكها إلى مسالمة المماليك، وتبادل الهدايا مع الأمراء في مصر، وإذا كانت التجارة مع المماليك مباحة بوجه عام لرعايا ملك أراغون فإنه كان محظورًا عليهم أن يبيعوا المسلمين مواد بناء السفن أو سفنًا مبنية، وفي عام 673هـ الموافق 1274م أصدر يعقوب الأوَّل ملك أراغون مرسومًا يحظر فيه تصدير المعادن والخشب والأسلحة والمواد الغذائية إلى المماليك، وبالنسبة للعلاقات مع صقلية، فقد ارتبطت صقلية بعلاقات طيبة مع حكام مصر منذ العهد الأيوبي، وقد تمتع الصقليون في مصر بتخفيض في التعريفات، واستمرت هذه العلاقة الطيبة في عهد دولة المماليك البحرية، إذ حرص مانفرد بن فريدريك الثاني على صداقة السلطان بيبرس، كما حرص هذا الأخير على الاحتفاظ بعلاقة الود التي ربطت مصر بمملكة صقلية، وقد جمعت الطرفين مصلحة مشتركة وهي العداء للصليبيين في بلاد الشام ومغول فارس، وتشير المراجع إلى تبادل الهدايا بين مانفرد وبيبرس، فأرسل هذا الأخير في عام 660 هـ الموافق 1261م، وفدًا برئاسة المؤرخ جمال الدين بن واصل إلى ملك صقلية، وحمله هدية جليلة منها بعض الزرافات، وبعض أسرى عين جالوت من المغول، وقد رد مانفرد بسفارة مشابهة تحمل الهدايا للسلطان.