الذئب الازرق 

محمود سعيد برغش 

ذكرى ميلاد البطل مظفر الدين كوكبوري

قائد الجيش العباسي المنتصر على المغول في أولى محاولة لإحتلال العراق، شارك في تحرير القدس ومعركة حطين

ولد الأمير مظفر الدين كوكبوري قائد الجيش العباسي ووالي أربيل وأحد قادة صلاح الدين في تحرير القدس

وذلك في 27 من المحرم 549 هجري

الموافق في تاريخ 1154/04/13م

ولد في مدينة اربيل في 27 من المحرم 549هـ، وكلمة “كوكبوري” هي تركية معناها “الذئب الأزرق”، وقد اشتهر بهذا اللقب تقديرًا لشجاعته وإقدامه، نشأ “مظفر الدين” في كنف والده “زين الدين علي بن بكتكين” حاكم إربيل، وعهد به إلى من يقوم على تثقيفه وتربيته، وتعليمه الفروسية وفنون القتال.

توفي أبوه سنة (563هـ- 1167م)، وكان “مظفر الدين” في الرابعة عشرة من عمره، فخلف أباه في حكم اربيل، ولكنه كان قاصرًا عن مباشرة شؤون الحكم والإدارة بنفسه لصغر سنه، فقام نائب الإمارة “مجاهد الدين قايماز” بتدبير شؤون المدينة وإدارة أمور الحكم، ولم يبق لمظفر الدين من الملك سوى مظاهره، ولما اشتد عود “مظفر الدين” نشب خلاف بينه وبين الوصي على الحكم “مجاهد الدين قايماز”، انتهى بخلع “مظفر الدين” من إمارة اربيل سنة (569هـ- 1173م)، وإقامة أخيه “زين الدين يوسف” خلفًا لمظفر الدين على اربيل 

بعد خلعه هرب إلى حاكم الموصل سيف الدين زنكي، فأصبح من حاشيته ثم حاكم على مدينة حران، وحينما سمع عن تقدم صلاح الدين الأيوبي في بلاد الشام وسيطرته على دمشق في عام 1175م، أعلن مظفر الدين كوكبري ولائه لصلاح الدين الأيوبي، وأعلن أن كل جيشه تحت تصرف صلاح الدين في سبيل تحرير فلسطين من حكم الفرنجة، فأصبح من كبار قادة صلاح الدين الأيوبي وتزوج من أخته الصغرى ربيعة خاتون بنت أيوب، واستمر حاكما على مدينة حران حتى عام 1182م حيث قرر أن يتركها ليقاتل مع صلاح الدين في حروبه.

شارك مظفر الدين كوكبوري في معظم الحروب التي خاضها صلاح الدين ضد الفرنجة بدءًا من فتح “حصن الكرك” سنة (580هـ – 1184م) ، وكذلك في معركة “حطين” (583هـ – 1187م) التي حشد لها صلاح الدين ثمانين ألفًا، وكان لمظفر الدين مهمة بارزة، فقد تولى قيادة جيوش الموصل والجزيرة، وأبلى في المعركة بلاءاً حسنًا.

– 

فكان هو الذي أوحى بفكرة إحراق الحشائش التي كانت تحيط بأرض المعركة حين وجد الريح في مواجهة الفرنجة تسفح وجوههم، فلما نفذت الفكرة وأضرمت النار في الحشائش، حملت الريح الدخان واللهب والحرارة إلى وجوه الفرنجة، فشلَّتْ حركتهم عن القتال، وحلت بهم الهزيمة المنكرة.  

وليكون هذا النصر سببا لتحرير البلاد الساحلية، فحرروا طبريا وعكا وقيسارية والناصرة وحيفا، وهيأ لصلاح الدين فرصة تتويج حروبة المتصلة بتحرير القدس الشريف، وظل مظفر الدين يشارك صلاح الدين في حروبه حتى تم الصلح بينه وبين ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا في (شعبان 588 هـ – 1192م).

أصبح مظفر الدين كوكبوري حاكما رسميا لأربيل في عام 1190م بعد وفاة أخيه زين الدين، ولكنه لم يعد ليحكمها لإنشغاله بالمشاركة في الحرب ضد الفرنجة، ولكن بعد أن تم الصلح في عام 1192م عاد إلى أربيل وإستلم حكمها، وفي عام 1194م أصدر الخليفة العباسي أحمد الناصر قرارا بتوسيع مناطق حكم مظفر الدين كوكبوري وإعتباره والي متصل بشكل مباشر بالخليفة، وبهذا أصبح مظفر الدين كوكبوري لأول مرة غير تابع للزنكيين أو الأيوبيين.

فاهتم بشؤون ولايته، وأقام المدارس والمستشفيات، ونشر العلم وشجع العلماء، ونهض بالزراعة والتجارة، واستمر بالعيش بأسلوب أقرب إلى الزهد والتقشف، وأقام مظفر الدين لذوي العاهات دورًا خاصة بهم؛ خصصت فيها مساكن لهم، وقرر لهم ما يحتاجون إليه كل يوم، وكان يأتي لزيارتهم بنفسه مرتين في الأسبوع.

لم يكن سقوط بغداد والعراق تحت الإحتلال المغولي في عام 1258م هي المحاولة الأولى للمغول، بل قام المغول بمحاولتين في السابق ولكن كانت النتيجة هي الهزيمة الساحقة، وأما المحاولة الأولى فكانت في عهد الخليفة العباسي منصور المستنصر بالله في عام 1227م، وأما المحاولة الثانية فكانت في عهد الخليفة العباسي عبد الله المستعصم بالله في عام 1245م وهزمهم الخليفة بنفسه، فكانت خيانة ابن العلقمي في محاولتهم الثالثة عام 1258م هي السبب الرئيسي لنجاحهم.

ففي عام 1227م، قام المغول بالهجوم بهدف إحتلال العراق وكان الهجوم من جهة الشمال، فلم يجد الخليفة العباسي منصور المستنصر بالله أفضل من القائد مظفر الدين كوكبوري لقتالهم، وذلك لخبرته الكبيرة في الحروب 

فأرسل الخليفة العباسي منصور المستنصر بالله جيشا ليكون تحت قيادة مظفر الدين كوكبوري وإلتقى الجيشان في شهرزور وإنتصر الجيش العباسي نصرا ساحقا وهرب المغول بعد أن وقع بهم مقتلة عظيمة.

قال جلال الدين السيوطي: استخدم الخليفة عساكر عظيمة وقصدت التتار البلد فلقيهم عسكره فهزموا التتار هزيمة عظيمة.

وفاته

ظل مظفر الدين يحكم مدينة أربيل حتى توفي في عام 1232م، وأوصى أن تنتقل كل بلاده لتبعية الخليفة العباسي المستنصر بالله بشكل مباشر، وكما أوصى أن يدفن بمكة، ولكن حصلت أمور حالت دون تنفيذ وصيته، فتم دفنه في اربيل.

**** المصادر:

1) تاريخ الخلفاء، السيوطي

2) سير أعلام النبلاء، الذهبي

3) المختصر في أخبار البشر، أبي الفدا

4) البداية والنهاية، ابن كثير 

ط