الروح والنفس

بقلم . محمد الدليمي 

الروح والنفس: الروح نفخة من الله تعالى إلى الإنسان، كي يحيا في هذه الحياة، قال تعالى ( ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والابصار والأقئدة قليلا ما تشكرون ) [السجدة:9]، والروح لا يجوز الخوض في معرفتها، إلا ما كان من عملها بحدود الجواز في ذلك، قال تعالى ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم الا قليلا )[الإسراء:٨٥]، وإنَّ عمل الروح أمران هما: الأمر الأول: هي إعطاء الإنسان القدرة على العيش، والمقصود هنا هو: النظر، التفكر، التكلَّم، والسمع، والحركة، وغيرها من الأمور. فبوساطة الروح نستطيع التكلم، فهي تعطي القوة للإنسان على تحريك عضلاته الصوتية، وكذلك تحريك جميع عضلاته الحركية، مثل المشي، والجلوس، والقعود، والنوم وغير ذلك مما تقوم به العضلات الحركية، وكذلك هي المحرك الذي يعطي للعقل القدرة على التفكر والقيام بعمله على نحو تام وكامل. قال تعالى ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا )[الإسراء:70]، وهي تعطي للعين القدرة على النظر، قال تعالي ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم أذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) [:الاعراف:179] ، الروح مجهولة حتماً، فهي بهذه تكون السر العظيم للحياة. والأمر الثاني: هو دعوة الإنسان بواسطتها إلى الله تعالى وتذكرهُ دائماً بالله تعالى.

قال تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) [الروم:30]، قال تعالى ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون )[البقرة:138]، قال تعالى ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين )[هود:114]، قال تعالى ( ذكرى وما كنا ظالمين )[الشعراء:209]، قال تعالى ( وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون ) [الأنعام:69]، فكل هذه الآيات الكريمة دلت على أنَّ الروح هي الوحيدة الباقية في جسد الإنسان وهي التي تذكر الإنسان بالله تعالى، وهي الفطرة التي فطرنا الله تعالى عليها، وذلك لأننا لولا الروح ليس لنا وجود يذكر. والروح لا تقبض ولا تموت لأنها ليست مخلوقة.

النفس: إنّ النفس تجمع جمع قلة على أنفس؛ وهي خارجة من نفس واحدة، وقد اختلفت في صفتها عن كل واحدة منها.

إنَّ النفس في جسد البشر تنقسم إلى ثلاث أنفس، وهي: النفس المطمئنة، والنفس الأمّارة بالسوء، والنفس اللوامة.

النفس المطمئنة: قال تعالى( يا أيتها النفس المطمئنة أرجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي )[الفجر:٢٧]، وهي النفس الأولى في الجسد، وهي تسكن في صدر الإنسان، وهي مسؤولة عن الفؤاد كله، قال تعالى ( ما كذب الفؤاد ما رأى )[النجم:١١]، وهذه هي النفس المطمئنة، التي بوساطتها يمكن لنا أن نرى بالرؤيا كل ما هو صالح لنا ولعباد الله تعالى، قال تعالى ( واذ قلنا لك ان ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك الا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم الا طغيانا كبيرا ) [الإسراء:٦٠ ]، قال تعالى ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله ءامنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم مالم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا )[الفتح:٢٧]، وهذه النفس هي التي تهدى إلى الله تعالى وهي التي تسيطر على النفسين الباقيتين عند الهداية، وهي التي بشرها الله تعالى بالدخول إلى الجنة، 

قال تعالى ( يا أيتها النفس المطمئنة أرجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) [الفجر:٢٧-30]، أما النفس الأمّارة بالسوء، لا تدخل الجنة أبداً، وبذلك، قال تعالى ( يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم ) [الطور:٢٣]، وهذه النفس المطمئنة تدخل فيها الروح – لا بقصد أن تبث فيها الحياة – وإنما تذكرها بالله تعالى، فهي حية بذكر الله تعالى، ولا تبغي في هذه الحياة سوى ذكر الله تعالى،قال تعالى ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ) [النحل:٧٦ ]، قال تعالى ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ) [الحشر:٢٠].

الروح لا تدخل النفس الأمّارة بالسوء، لأنها نجسة لا خير فيها، وبها يضل الله تعالى العبد بعد قبض النفس المطمئنة، فيصبح العبد كالذي يتخبطه الشيطان من المس، قال تعالى ( الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بانهم قالوا انما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا )[البقرة:٢٧٥]، قال تعالى (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الاخرى الى أجل مسمى ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون ) [الزمر:٤٢ ]، وربما يقبض النفس الأمّارة بالسوء ويترك النفس المطمئنة إلى أجل آخر، وبها يهتدي الإنسان إلى الله تعالى.

قال تعالى ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين أتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ءامنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم ) [البقرة:٢١٣]، قال تعالى (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلم ويخرجهم من الظلمات الى النور بإذنه ويهديهم الى صراط مستقيم ) [المائدة:١٦].

النفس الأمارة بالسوء: قال تعالى ( وما أبرئ نفسي ان النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم )[ يوسف:٥٣]، وهي النفس الثانية، تسكن العقل المفكر، وهذه مسؤولة عن الفكر الكافر الذي ينتجه العقل المفكر من بدع وضلالات وظلم بين العباد، قال تعالى ( إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ) [المدثر:١٨–20]، وهذه النفس نرى بها الأحلام والكوابيس الفاسدة، وأيضاً هي التي يوسوس بها الخناس، قال تعالى (من شر الوسواس الخناس )[الناس:٤]، وهذه الآية الكريمة تدل على أن القلب متصل اتصالاً مباشراً مع العقل المفكر، قال تعالى ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو ءاذان يسمعون بها فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) [الحج:٤٦]، قال تعالى ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد ) [ق:٣٧]، قال تعالى ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ) [البقرة:٢٠٤]، وهذا الاتصال يوثق الشيطان الرجيم به فيعمد إلى التحدث مع القلب، وبوساطة العصب المتصل بين القلب والعقل، يصل كلام الشيطان الرجيم ووسوسته إلى العقل البشري، وبما أنه العقل المفكر ستكون الوسوسة كأنها حديث النفس، فلا يعلم الإنسان ما هي هذه الوسوسة سوى أنها حديث النفس. بينما لو انتظر قليلاً ورجع إلى الحديث الذي سمعه من العقل لوجده أنه لم يتحدث بهذه الأمور، وتارة أخرى يجد نفسه تحدث بأمور لا يعلمها، وتارة أخرى يجد نفسه تحدثت بأمور تافهة لا قيمة لها، فكل هذه الأمور من وسوسة الشيطان الرجيم.

قال تعالى (ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب اليه من حبل الوريد ) [ ق:١٦]، وهذه النفس – الأمّارة بالسوء – هي التي تدخل نار جهنم، إذا كان صاحبها من أهل النار، وتنفى من الوجود بقوة الله تعالى إذا كان من أهل الجنة. قال تعالى ( فكيف اذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) [آل عمران:٢٥].

قال تعالى ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد )[ آل عمران:٣٠ ]. 

وعند هداية الإنسان من الله تعالى فيقبض النفس الأمّارة بالسوء ويترك النفس المطمئنة، ومن الممكن أن يكون العكس. قال تعالى ( ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ومأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا )[ الإسراء:٩٧]، وعندما تقبض النفس المطمئنة، وتبقى النفسان الأُخريان ومعهما الروح وهنا سيصبح الإنسان ذا شخصيتين متخاصمتين، أو يكون أضل السبيل لا جدوى من الكلام معه.

النفس اللوامة: قال تعالى ( ولا أقسم بالنفس اللوامة )[ القيامة:٢]، وهي النفس التي تسكن في العقل الذاكرة، وهذه ليس لها شأن سوى أنها تلوم صاحبها على كل أفعاله، فهي تعمل مع النفس المطمئنة، فتلوم صاحبها على ما يقترف من الذنوب، وهي التي تدل صاحبها على الإيمان، فتلومه على تركه، أو أنه ليس بقريب منه، أو أنه يبتعد عنه، وهكذا في كل الأحوال، قال تعالى ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم أواخوانهم أوعشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا ان حزب الله هم المفلحون ) [المجادلة:٢٢]، وتعمل أيضاً مع النفس الأمّارة بالسوء، عند سيطرتها على الإنسان، فتبدأ حسراتها على الشهوات والملذات، وتلومه على عدم فعلها لهذه الشهوات المحرمة، قال تعالى ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضه والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب ) [آل عمران:١٤]، قال تعالى ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ) [مريم:٥٩]، وهذه إذا قبضها الله تعالى سيكون الإنسان ليس له في هذه الحياة سوى المعيشة، لا يعلم شيئاً من الحب أو الكره أو الحسرة أو الشهوة أو غير ذلك. قال تعالى ( والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد الى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا ان الله عليم قدير ) [النحل:٧٠]، دلت الآية الكريمة على أنَّ هذه النفس تموت عند بلوغ الإنسان أرذل العمر.

وهذه النفس تدخل النار عندما تسيطر النفس الأمّارة بالسوء على الإنسان، وتدخل الجنة عندما تسيطر النفس المطمئنة على الإنسان، فهي ليس لها ذنب سوى أنها تتبع الأقوى، وحكم الله تعالى عليها بالدخول مع من تتبع في أخر الحياة، قال تعالى ( وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ) [البقرة:١٦٧]، وهذه هي الأنفس الثلاث، لا تبديل في خلق الله تعالى.

 

من كتابي الأول اللغة مبنى ومعنى