السفر عبر الزمن.. هل هو ممكن؟-المهندس والكاتب عزام حدبا

 

بداية لا يغرنكم العنوان فليس حديثي ها هنا عن الخيال العلمي.. بل عن هذه الرغبة الحارقة التي تجتاحنا للتحكم بالزمن.. يقال اننا لا نستطيع ايقاف الزمان.. ولا نستطيع العودة به عكسيا… خاطرة أتذكرها كلما صعدت في مصعد الكلية الزجاجي.. اذ اراني اتنقل في المكان والزمان.. المصعد قد يتوقف عند طابق ما ينتظر راكبا جديدا.. لكن الزمن لن يتوقف.. تستطيع ان تهبط وتصعد في المكان.. تتحرك جيئة وذهابا في الشارع.. تتوقف عند محطة ما.. لكنك في الزمان لا تستطيع فعل اي من ذلك.. والانسان يعشق الحرية.. يعشقها منذ طفولته فتراه يترك كل الألعاب التي يملكها ليمد يده الى كرة لا تطالها يده.. فكيف يفعل ازاء عجزه عن التحكم بالزمن؟ هل يستسلم ويسلم بالأمر الواقع؟
من حسن الحظ ان القدر لم يترك الانسان عاجزا ازاء هذه الاستحالة الفيزيائية للتنقل عبر الزمن فقد وهب الإنسان الذاكرة للعودة الى الماضي ومنح الخيال للسفر الى المستقبل.. فإن شاء الانسان العودة الى حدث معين في الماضي يستطيع ان يعود بالذكريات الى هذا الحدث ويزينه كيفما يشاء بالخيال من ثم يعيد تمريره على الذهن كما يكرر الطفل فيلما مفضلا لديه.. كثيرون منا يستعملون هذه التقنية لايقاف الزمن.. يتوقف الزمن لديهم عند حقبة جميلة من حياتهم تصبح محطة العودة الدائمة لذكرياتهم واحلامهم..
هذا بخصوص السفر الى الماضي او ايقاف الزمن.. ماذا بخصوص السفر الى المستقبل؟ بالخيال نستطيع ان نسافر الى المستقبل.. نتخيل انفسنا مع من نحب في هذه الدنيا او في حياة أخرى.. نعتمد على مخزوننا من الذكريات لبناء هذا العالم المستقبلي ونضفي عليه ما نشاء من خيال.. ولا يهم في هذه الحال ان كان هذا الحدث سيتحقق فعلا ام لا.. فمجرد تخيله بقوة يعطيك نفس تأثير الحدث الواقعي.. فالدماغ لا يتقن التمييز بين ما هو خيالي وواقعي.. بل يعطي كل حدث اهمية بمقدار قوة حضوره في الذهن وقوة رسوخه في القلب.
الفكرة المثيرة للانتباه في الموضوع هو ان الانسان العادي يعتبر أن الواقع هو الحياة والخيال والذكريات لا تعدو أن تكون أوهاما لا معنى لها.. في حين اني ميال للنظر الى الموضوع بطريقة معاكسة.. كل ما يجري في حياتنا اليومية هو مجرد انتقال.. مجرد قفزات.. مجرد رحلات سفر بين المحطات المهمة في حياتك.. وهذه المحطات هي المرجعية.. هي المربعات الاولى.. هي مرافىء الامان.. هي الحياة.