أدب وثقافه

الشعر العربي هويةٌ وإرشيف بقلم طه الظاهري

يعلم جميع المهتمين بالشعر العربي على مختلف العصور ومختلف المدارس أن الشعر العربي يمثل جانبا مهما وكبيرا من حياة المجتمع العربي عبر العصور منذ بداياته الأولى في العصر الجاهلي وحتى اليوم.

ما أريد طرحه اليوم يتعلق بشكل موجز بماهية الشعر في عصرنا الحديث وإلى أين.

أنا لست ضد التجديد أو الحداثة في الشعر العربي وأرى ان ذلك ضرورة لمواكبة تطورات العصر وإيقاع تسارعه الحضاري الملفت.

لكن بسبب التطور الكبير في التكنولوجيا ووسائل التواصل وقدرات الإطلاع المتاحة والمُيسرة فذلك أحدث طفرة كبيرة في ركوب موجة الانتاج الأدبي.

وأمام هذه الطفرة نرى تصدر المشهد من قبل أصحاب النتاج الهابط على حساب النتاج الرصين، والذي تلعب فيه عوامل عده منها تدني مستوى المتلقي فكريا وأدبيا والميول الى المعاني السطحية والكلمات الركيكة والهابطة وحتى اللغة الدارجة، اضافة الى امكانيات الترويج الكبيرة التي يملكها أصحاب ذلك النتاج.

كذلك محاولة حصر فنون الشعر في دائرة ضيقة ليقتصر على مضامين محددة لا تساوي شيء امام ساحة الشعر الواسعة الرحبة.

لست بصدد الاستخفاف أو التقليل من مكانة ذلك الانتاج الفكري ولكن أدعوا لوضع الامور في مواضعها الحقيقية.

يعلم الجميع تلك المقولة السائدة والخالدة [ الشعر ديوانُ العرب ]

فالشعر لم يكن في اي عصر مجرد هواية أو رغبة شخصية بحته لكنه كان يمثل الذوق العام للمجتمع، وكان الشاعر يمثل بكلماته لسان حال مجتمعه او قبيلته او عشيرته او فئته التي ينتمي اليها سواء سياسيا او مجتمعيا او قومي او دينيا او عاطفيا وحتى أدبياً.

ففي التاريخ يرجع المؤرخون والنسابة في توثيق الاحداث والوقائع وترجيح الروايات المتعارضة الى التوثيق الشعري لهذه الأحداث.

ففي الجاهلية وثقت شعراء العرب أحداث وأيام قبائلها وغزواتهم وأيامهم وبطولاتهم ومفاخرهم في قصائد نظمها شعراؤهم.

وحتى في الخصومة كان من عادة العرب أن يصف خصمه بالقوة والعزيمة حتى يكسب انتصاره عليه طعم النصر المستحق، لأنه لا يرى في النصر على الضعيف أي مفخرة.

قال عنترة

ومدجج كره الكماة نزاله لا مُمعِنٌ هربا ولا مستسلم

اي شجاع كامل القوة تام التسليح ليس خوافا ولا يهرب من احد او يستسلم

جادت له كفي بعاجل طعنة بمثقف صدق الكعوب مقومِ

كذلك دون الشعر اخلاق العرب وتعاملهم داخل نطاق تجمعاتهم واختلاف قوم عن قوم في مزايا وأخلاق تمتاز بها كل قبيلة او قومية او فخذ عن غيرها فهناك من عرف بالكرم وهناك من عرف بالشجاعة والاقدام وهناك من عرف بالنجدة والنخوة….. وهلم جرا.

كذلك دونت التحولات السياسية والدينية والولائية والعقدية ودوافعها وأسبابها ونتائجها.

فعند قراءة قصيدة تجد نفسك كأنك تعيش داخل ذلك المجتمع في ذلك العصر فترى حالته الاقتصادية والأمنية والعاطفية وحتى الجدب والرخاء والحر والبرد وغض البصر والفجور أحيانا وفق ما كانت عليه حالة الناس حينها.

فهل من المعقول ان نسلب الشعر كل تلك المزايا والخصائص وغيرها الكثير مما لم اذكر من الناحية البديعية واللغوية والبلاغية وحفظ المفردات.

ونسلم بجعل الشعر مجرد كلمات لا رابط بينها لا تختلف عن حديث الشخص مع اصدقائه او مجتمعه او أهله.

نعم للحداثة والتطوير ومواكبة العصر ولكن مع حفظ مكانة الشعر ووظيفته ومقامه.

زر الذهاب إلى الأعلى