الضمـيــر والقنــاعـــة/ بقلــم الأديب المصـــرى د. طــارق رضــوان جمعــة عقــــل

32٬615

رأيتُ القناعة رأس الغنىِ …. فصرت بأذيالها متمسـك

فلا ذا يراني علـى بابـه ….. ولا ذا يراني به منهمـك

فصرت غنياً بـلا درهـمٍ …. أمر على الناس شبه الملك ) الامام الشافعى)

حين كنت ببعثة تعليمية لانجلترا عام 2003/2004 ، وجدت صورة الحضارة المصرية العريقة مختصرة فى ركوب

الجِمال وأهرامات الجيزة. فبالطبع ليس هذا مدحاً ولا بالشىء المبهج لى. فأخذت وزملائى بالنقاش والحوار مع الزملاء

الإنجليز، فأتخذوا من أحد الفنانين المصريين مثالاً على سؤ ثقافتنا وسؤ إسلامنا المزعوم (حسب قولهم). وقالوا أن

المرأة العربية مظلومة ومحرومة من قيادة السيارات وكأن هذا الحق هو أبرز وأهم حقوق النساء!! وقالوا أن رجال

العرب يجهلون ويتجاهلون دور المرأة. وكان ردنا بسيط على ما أوردوا، فالفنان لا يعرض كل طبقات المجتمع وإنما

جزء من أجزاء مجتمعيه. وكل مجتمع فيه الصالح والطالح. كما أن هذا الفنان قد ذكر صراحة فى أحاديثة الصحفية أنه

مسلم ولكن لا تأخذوا عنى اسلامكم. ورجوعاً إلى قيادة السيدات العرب ، فالأمر واضح أنه ظلم بين. فكثير من

شوارعنا تشهد وتسمع أبواق سيارات نساء العرب . كما أن دور النساء فى التربية والمكانة التى حصلوا عليها أكبر

شاهد ودليل على ما تناله النساء من إجلال وإحترام،فلدينا أكثر من وزيرة وطبيبة ومهندسة .

إذا ما الذى دفع الغرب بأن يقللوا من شأنى ثقافتنا وعلمائنا وحضارتنا ونسائنا؟!!

إن من أشد أنواع الظلم ظلم الإنسان لنفسه. هكذا ظلم المصرى نفسه وحضارته إذ ركز إهتمامه على بناء الأهرامات ،

وجذب إنتباه العالم أجمع إلى حضارتنا فأتخذوا عنا فكر خاطىء … وصرنا بأعينهم حضارة الأهرامات و أبو الهول

ورياضة الجِمال. فأى ظُلم لحضراتنا العريقة أقصى من هذا؟! وكأنها كل الحضارة وكأنها الخلود الأكيد والمجد

المصرى الوحيد. وكان أجدى وأحرى به إظهار ما تحتويه الحضارة الفرعونية القديمة من كنوز ثقافية وخصال تربوية

، سبقت بها العلم والعالم الحديث. أدب وأدباء وعلماء غزوا العالم بفكرهم وعلمهم،هم نتاج حضارة عريقة. فقد أهتم

الفراعنة بغرس الأخلاق التربوية.فكيف علموا أجيالهم؟ تفننوا فى تعليمهم وتلقينهم العبرة بطرح الحكايات لأخذ الهادف

المفيد منها. فاعتمدوا على سرد الأساطير ومن أشهرها : إيزيس و أوزوريس و ست وحورس. ومن الحكم يقول

حورس: حياة النفس في الحكمة وموتها في الجهل، وكان يقول: الإنسان لا يعرف ماذا يحمل الغد.

وأرجع الكاتب جيمس هنري بريستيد فجر ضمير العالم إلى عهد الفراعنة… والضمير يعني محاسبة النفس على كل

خطأ وهذه بداية أساس الأخلاق. وذكر أن الحكيم الفرعوني أبيتوب ونصوصه وتعاليمه تمثل ثلث ما جاء في التوراة

بالنص. ولك أن ترى وتتعلم من بردية الكاتب ” آني ” بالمتحف البريطاني:” إنني لن أقتل، إني لم أكذب، إني لم

اغتصب، إني لم ارتكب الزنا” …… ويقول الحكيم امينو بي العظيم وهو ينصح إبنه ألا يلوث النهر.وتضيف البردية ”

لا تزحزحن الحد الفاصل الذي يفصــل بين الحقـول , ولا تكن جشعا من أجل ذراع من الأرض , ولا تتعدين على حد

أرملة , و ارقب أنت من يفعل ذلك فوق الأرض ,, فبيته عدو البلد , وأملاكه تؤخذ من أيدي أطفاله , ومتاعه يعطيه

غيره , لا تطأن حرث الغير , وخير لك أن تبقى بعيدا عنه , أحرث الحقول حتى تجد حاجتك , وتتسلم خبزك من جرتك

الخاصة بك , وإن المكيال الذي يعطيكه الله خير لك من خمسة آلاف تكسبها بالبغي , والفقر مع القناعة والرضا عند الله

خيرمن الثروة المعطوبة بالعدوان القابعة في الخزائن , وأرغفة لديك مع قلب فرح خير لك من الثروة مع التعاسة).

فكيف كانت العدالة فى مصر الفرعونية؟

لم يكن النصح قاصراً فقط على تربية الأجيال الصغيرة ، بل إمتد إلى القضاة فكانت الحضارة الفرعونية تدعوا إلى عدم تقاضي رشاوي ، تؤثر علي مجري العدالة وعدم الإنحياز لشخص يرتدي ملابس نظيفة ، ضد آخر يرتدي ملابس رثة ، وكانت هناك شروط لتولي منصب القاضي وكذلك الحال بالنسبة لأي منصب حكومي .

وكان قدماء المصريين يعتقدون بأن الإنسان يتكون من ثلاثة أجزاء : الجسد والروح والنفس. وكان مصير الروح يتحدد بسلوك النفس في الحياة الدنيا ؛ حسنا كان أم سيئا. كما كانوا يؤمنون بأن الروح ستعود للجسد بعد الموت فحفظوها بالتحنيط.

وإذا قرأت الوصايا العشر للنبي موسي تجد أن كتاب الموتى متشابه معه : ففي الوصايا العشر نجد وصاياهم : لا تسرق ، لا تكذب ، لا تغتصب ، لا تزني ، لا تشهد علي قريبك شهادة زور ، لا تشتهي زوجة قريبك. وهذا يدل على تدين المصرى القديم. كما تلحظ فراسته حين أدرك رمسيس الثاني أن الخطر على الأراضى المصرية من جهة الشرق فسعى لحماية مصر من جهة فلسطين.

وبرع الأديب المصري القديم في كتابة القصص وحرص على أن تكون الكلمة أداة توصيل للحكمة وآداب السلوك، لأنهم كانوا أحرص شعوب العالم على تسجيل وتدوين تاريخهم والأحداث التي تعرضوا لها في حياتهم.

ومن أعظم الخصال البشرية القناعة. فالإنسان القانع حب الله و حب الناس. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقَنَّعه الله بما آتاه) – رواه مسلم. الرضا من أنبل الصفات التي يجب أن يتحلي بها كل شخص. والرضا يبدأ من داخلك أولاً : الرضا عن النفس وهو ما يعني أن تحب شخصيتك داخليا وخارجيا وهو ما يتطلب الكثير من الوقت والجهد لإحداث عدد من التعديلات علي شخصيتك وإسلوب حياتك وذلك من أجل تعلم كيف تقبل نفسك وتعمل علي علاج كل الجوانب السلبية في حياتك والتي تسبب عدم السعادة. عليك ألا تحاول مقارنة نفسك بالآخرين وحاول دائما العمل علي إظهار جوانب تميزك عمن حولك. وعليك أن تقوم بتدوين نقاط قوتك وجميع المميزات التي تراها في شخصيتك. حاول أيضا كتابة قائمة بالأحلام والأمنيات التي تود أن تحققها أو تحقق جزء منها. حاول دائما الحفاظ علي مجموعة كبيرة من الأشخاص التي تدعمك بصدق.

توفر القناعة لصاحبها الوقت الكافي للتمتع بالحياة وذو القناعة راض عن معيشته.. وصاحب الحرص إن اثرى فغضبان . وسر الرضا.. هو الاقتناع أن الحياة هبة وليست حقاً. والقناعة هي حجر الفلاسفة الذي يحول كل ما يمسه ذهبا .

ومن الفراعنة إلى الحداثة ومواقع التواصل الإفتراضية التى تسيطر على تفاصيل حياة الأشخاص اليومية، وتغير من إهتماماتهم وتعاطيهم مع الأحداث. ويأتي الفيسبوك ليكون بمقدمة هذه المنصات التي غيرت من شخصية الأفراد وطريقة التفكير وغيّبت الشعور بالرضا والقناعة. بينت دراسات مختلفة أن البعض تأثر سلبيا بسبب المقارنات الاجتماعية وغياب مفهوم احترام الذات.

ولو تذكرنا وفهمنا م علمه جبريل للحبيب محمد ، لأدركنا قيمة الرضا والقناعة. جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: “يا محمد، عش ما شئت، فإنك ميت، واعمل ما شئت، فإنك مجزي به، وأحبب من شئت، فإنك مفارقه، واعلم أنَّ شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس”.

أفادتني القناعة كل عـــز ………وأي غنى أعز من القناعة

فصيرها لنفسك رأس مال … وصير بعدها التقوى بضاعة

اقنع بأيسر رزق أنت نائله … واحذر ولا تتعرض للزيادات

فما صفا البحر إلا وهو منتقص … ولا تعكر إلا في الزيادات

ويقول الإمام الشافعى:

إذا أصبحت عندي قوت يومي فخل الهم عني يا سعيد..!!؟

و لا تخطر هموم غدٍ ببالي فإن غداً له رزق جديد ..

أسلم إن أراد الله أمراً فأترك ما أريد لما يريد ..

و ما لإرادتي وجه, إذا ما أراد الله لي ما لا أريد.