العرق دساس قصه قصيره

27

.بقلم

جلال على عباس محام

بالمنصوره.

كثيرًا ما نسمع مقولة أن العرق دساس ، ولكن هل فكرنا يومًا من أين جاءت تلك المقولة أو لما قيلت ؟ فمن المتداول

بين الشعوب أن كل إناء ينضح بما فيه ومهما غير الإنسان من نفسه أو ارتقى أو حتى تدنى فإن عرقه يُظهر أصله ،

حيث يتضح من خلال أفعاله وتصرفاته أصله وعرقه ، ولهذا المثل قصة شهيرة وقعت بين ملك قديم وسياسي في

عهده .

قصة المثل :
يُحكى أن في يوم من الأيام وصل إلى أسواق البلدة رجل غريب وأخذ ينادي في الناس : يا أهل البلدة الكرام أنا رجل
سياسي أستطيع حل المشكلات وتخليصكم من الأزمات ، أنا أفضل سياسي يمكن أن تسمعوا به وظل هكذا ينتقل من
حي إلى حي ، وهو ينادي في الناس ويعرفهم بنفسه فلما سمع حراس البلدة بكلام الغريب نقلوه للملك .
وبينما كان الملك جالسًا في قصره سمع بنفسه نداء الغريب ، فأمر حراسه أن يحضروه ، فلما امتثل المنادي بين يد
الملك سأله الملك قائلًا : هل أنت سايس ؟ فأجاب الرجل لا يا مولاي أنا سياسي ولست سايس ، فقال له الملك :
ولكني سمعت أنك تعمل سايس ولهذا قررت تعيينك في بلاطي سايسًا للخيل ، فلي فرسة غالية على قلبي أحبها كثيرًا
، وأريد منك أن ترعاها فتململ الرجل وقال : يا مولاي ولكني لست سايس بل سياسي .
فقال الملك بصوت حازم : أنت سايس ولا شيء غير هذا وإن رفضت عرضي قطعت رقبتك ، فوافق الغريب على قرار الملك خوفًا منه ، وبالفعل ذهب ليتسلم الفرس من السايس السابق فحذره قائلًا : هذه الفرس لها مكانة كبيرة لدى الملك فإياك أن تخبره بعيوبٍ فيها ، وإلا أعدمك دون تفكير .
ارتعدت فرائض الرجل وخشى على روحه من تلك المهمة الصعبة ، ثم عاد للملك كي يعفيه من تلك الوظيفة ولكن
الملك رفض وذكره بتهديده إن لم يقبل الوظيفة ، فانصاع الرجل ثانية لأمر الملك وهنا أمر الملك بتجهيز غرفة له
ومنحه ثلاث وجبات جيدة في اليوم كي يباشر عمله في رعاية فرس الملك ، وبالفعل بدأ الرجل عمله ولكن بعد
عشرين يوم بالتمام والكمال هرب من قصر الملك .
فبحث عن الحراس في كل مكان حتى وجدوه ، وحينما امتثل أمام الملك سأله : لماذا هربت أيها الرجل هل وجدت في
الفرس عيبًا ، فقال الرجل : أعفيني من الجواب يا مولاي فقال الملك : اخبرني في الحال سبب هروبك وإلا أعدمتك ،
فقال الرجل للملك : أعطني الأمان يا مولاي فقال الملك : لك هذا ، فاستطرد الرجل قائلًا : هذه الفرس أصيلة ولكن
حينما يخبرك أحد أنها رضعت من أمها الأصلية اسمع ولا تصدق .
حينما سمع الملك ذلك جن جنونه واستل سيفه ثم هم بقطع رأس الرجل وهو يقول : كيف تجرؤ على هذا الإدعاء ؟
ثم تذكر الملك وعده له بالأمان فلم يقتله ولكن أمر بسجنه ، وأرسل في طلب الوزير الذي أهدى له هذه الفرس ،
وقال له : كيف تهديني هذه الفرس على أنها أصيلة وهي لم ترضع من أمها الأصلية ؟ فقال له الوزير : يا مولاي
الملك لقد ماتت أمها عند ولادتها ، فقال الملك : وممن رضعت إذا ؟ قال الوزير : من بقرة كانت لدي حينها .
هنا علم الملك أن كلام السايس صحيح فأمر بالإفراج عنه وتقديم الطعام والشراب له ، ثم طلب حضوره ولما جاء
السايس قال له الملك : أخبرني الآن كيف عرفت أن فرستي لم ترضع من أمها ؟ فقال الرجل : يا مولاي إن الفرس
الأصيلة تأكل في معلف أو تعلقه في رقبتها وتأكل مرفوعة الرأس ، ولكن تلك الفرسة كانت تبحث عن الطعام في
الأرض مثل البقر والماشية .
فأدرك الملك فطنة وذكاء السايس وطلب منه أن يسوس زوجته ، أي يعمل بخدمة الملكة ولكن السايس أصر على
الملك أن يعفيه من تلك المهمة ، وكالعادة رفض الملك فبدأ الرجل ممارسة مهام وظيفته الجديدة ، ولكن ما هو إلا
يوم واحد وهرب الرجل ، فبحث عنه الجنود في كل مكان حتى وجدوه ، ولما حضر بين يدي الملك سأله : لماذا
هربت تلك المرة أيضًا ؟
فطلب السايس من الملك أن يعفيه من الجواب ولكنه الملك أعطاه الآمان حتى يجيب ، فقال له يا مولاي إن زوجتك
تربية ملوك وأخلاق ملوك وشرف ملوك ، ولكن من يقول لك أنها ابنة ملوك اسمع ولا تصدق ، فبهت الملك من قول
السايس وأمر بسجنه ثانيةً ومنع الطعام عنه ، ثم ذهب إلى أم الملكة وأبيها كي يستوضح منهم ما قاله السايس ، فأخبروه بأن والده كان رجلٌ ظالم ، وقد خطب ابنتهم له منذ كان عمرها سنتين .
ولكنها مرضت بالحصبة وماتت فخشوا من بطش الملك ، ولهذا جاءوا بطفلة يتيمة وربوها كأنها ابنتهم لتصير زوجة ابن الملك ، فرجع الملك إلى مملكته وأمر بإحضار السايس ولما امتثل بين يديه ، سأله متعجبًا كيف عرفت ؟ فقال الرجل : يا مولاي ان مولاتي تتغانز بعينها عندما تتكلم ، وذلك من عادة الغجر في الكلام وليس من عادة الملوك في شيء ، فانبهر الملك بذكاء الرجل وأمر له بغرفة رائعة الجمال وعشاء فخم .
ثم أمره أن يعمل على خدمته ويصبح خادمًا شخصيًا لدى الملك ، فدب الرعب في أوصال الرجل ، وحاول بكل الطرق أن يتخلص من تلك الوظيفة ولكن كالعادة أصر الملك ، فهرب الرجل ليلتها ولكن استطاع حراس الملك الإمساك به ، ولما جاءوا ب للملك سأله لماذا هربت يا فلان ؟
فقال الرجل : يا مولاي من يقول لك أنك ابن ملك اسمع ولا تصدق ، فجن جنون الملك وذهب لأمه كي يستوضح منها الأمر ، وسألها ابن من هو ؟ فقالت له يا بني لقد كان والدك ظالمًا وعقيمًا لا ينجب ، وكان يتزوج كثيرًا وإن مرت تسعة أشهر دون أن تنجب زوجته كان يقتلها ، ويتزوج غيرها وكان في القصر طباخ حينها له ولد رضيع فأخذته منه ، وادعيت أنه ولدي حتى لا يقتلني الملك ، هذا الولد هو أنت والطباخ هو أبوك .

وهنا رجع الملك إلى السايس متعجبًا وقال له : أخبرني كيف عرفت أنني لست ابن الملك ؟ فقال الرجل : يا مولاي إن الملك حينما يعطي ويهب يعطي ذهبًا وفضة ، وحينما يعاقب يقتل ويسجن أما أنت فكنت عندما تعطيني تعطي مرق ودجاج وطعام فاخر ، وحينما أعصاك كنت تمنع عني الطعام وتسجنني ، فمن يرافق الطباخ ماذا ينال منه حينما يرضى عنه سوى الطعام ، وحينما يغضب منه لا ينل سوى منعه فالعرق دساس يا مولاي .

في النهاية صلوا ع خير من مشي علي الأرض رسول اللّه عنه