المقالات والسياسه والادب
العنوان سنة في الغرفة الصامتة٢

بقلم الكاتبة إيمان نجار صوت الأرض
الشخصيات(الراوي…الام…الأب..زوجه الأب…البنت)
العنوان سنة في الغرفة الصامتة٢
الراوي:
فِي الْبِدَايَةِ، كَانَتِ الطِّفْلَةُ تَجْلِسُ بين ذِرَاعَي أُمِّهَا،
تَسْمَعُ قَلْبَهَا يَنْبُضُ مَرَارَةً،
وَتَتَمَنَّى أَنْ يَبْقَى الصَّوْتُ مَخْفِيًّا.
لَكِنَّ الْأَبَ وَزَوْجَتَهُ جَاءُوا…
بِوُجُوهٍ جَامِدَةٍ، وَصَمْتٍ يَحْمِلُ كُلَّ النِّيرَانِ.
الأم:
اِسْمَعُوا… هِيَ لَا تَعْلَمُ كَيْفَ تُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهَا،
وَلَا تَعْرِفُ كَيْفَ تَخْبِئُ الدُّمُوعَ.
دَعُوهَا… وَلَا تُسْرِفُوا فِي الْخَطَأِ.
الأب (بارد وقاطع):
اِهْجُرٌي الْكَلِمَاتِ التي لاطَعمَ لها
هُنَا لَا يُرَاعَى حامِلُ الشَّفَقَةُ،
وَمَنْ يُحَاوِلُ… يُكَبَّلُ ويُرمَى
لاشَأنَ لكِ بابنتي حتى ولو سَلَختُ لحمَها عن عضمِها
زوجة الأب (بخبث):
وَمَنْ يَبْكِي… فَلْيَتَعَلَّمْ أَنَّ الدُّمُوعَ لَا تَنْقِذُهُ.
تَعَلَّمِي أَنَّ الْصَّمْتَ أَقْوَى…
وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ يُخْذَلُ.
المشهد الثاني: الغرفة الصغيرة
الراوي:
نُقِلَتِ الطِّفْلَةُ إِلَى غُرْفَةٍ ضَيِّقَةٍ،
مُقَفَلَةٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ،
حَيْثُ كُلُّ نَفَسٍ يُرَاقَبُ،
وَكُلُّ خُطْوَةٍ تُحَسَّسُ بِالْقَسْوَةِ.
زوجة الأب:
اجلِسِي.
وَلَا تَتحْرِكِي كَثِيرًا،
فَكُلُّ حَرْكَةٍ صَغِيرَةٍ تَتَرَصَّدُ.
لن أرحمكِ ….
البنت (بهمس):
لِمَاذَا تَفْعَلُونَ بِي هَذَا؟
لِمَاذَا أَنَا وَحِيدَةٌ وَمَحْبُوسَةٌ؟
الأب (ساخن الكلام):
لأَنَّكِ ضَعِيفَة…
وَضَعفَكِ يُسْتَغَلُّ كُلَّ يَوْمٍ،
لِكَيْ تَعْلَمِي مَا هُوَ الْعَالَمُ.
زوجة الأب:
وَأَنَا أَحِبُّ أَنْ أَرَى الرُّعْبَ فِي عَيْنَيْكِ،
كَيْفَ يَنْحَنِي صَمْتُكِ… وَكَيْفَ يَسْتَسْلِمُ قَلْبُكِ.
المشهد الثالث: تصعيد القسوة والخبث
.
الراوي:
فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ،
لَمْ يَكُنِ الْأَلَمُ وَحْدَهُ…
كَانَ الصَّوْتُ يَسْبِقُ الْيَدَ،
وَالْأَمْرُ يُغْلِقُ الْفَمَ قَبْلَ الصُّرَاخِ.
زوجة الأب (ببرود متلذّذ):
أَمْسِكْهَا جَيِّدًا…
لَا أُرِيدُهَا أَنْ تَتَعَلَّمَ الْهُرُوبَ.
دَعْهَا تَفْهَمُ أَنَّ الْجَسَدَ
يَتْعَبُ قَبْلَ الرُّوح.
البنت (مرتجفة):
لَا… أَرْجُوكُمْ…
سَأَسْكُتُ… سَأَبْقَى هُنَا…
لَا تُقَرِّبُوا أَكْثَر…
الأب (هادئ مخيف):
الصَّمْتُ لَا يَكْفِي.
الصَّمْتُ يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّمَ
أَيْنَ يَقِفُ.
(وقفة)
ارْبِطِي يَدَيْهَا…
لِكَيْ لَا تَخْطِئَ مَرَّةً أُخْرَى.
زوجة الأب (تضحك بخفوت):
شَاهِدِي نَفْسَكِ يَا صَغِيرَة…
حَتَّى أَنْفَاسُكِ تُسْبِّبُ لَنَا الْغَضَب.
هُنَا… نُعَلِّمُكِ
كَيْفَ يُطَاعُ الْخَوْفُ.
البنت (صوتها ينكسر):
أَنَا لَا أَفْهَمُ مَاذَا فَعَلْتُ…
لِمَاذَا تُؤْلِمُونَنِي هَكَذَا؟
الأب (قاطع، بلهجة أمر):
لِأَنَّكِ تَسْأَلِينَ.
وَالَّذِي يَسْأَلُ…
يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّمَ
أَلَّا يَفْتَحَ فَمَهُ مَرَّةً أُخْرَى.
زوجة الأب:
اِسْمَعِي الصَّوْت…
هَذَا الصَّوْتُ سَيُصَاحِبُكِ طَوِيلًا.
وَكُلَّمَا تَذَكَّرْتِهِ،
سَتَعْرِفِينَ أَيْنَ مَكَانُكِ.
الراوي:
وَهُنَاكَ…
تَعَلَّمَتِ الطِّفْلَةُ أَنَّ الْوَجَعَ
لَا يَأْتِي فَجْأَةً،
بَلْ يُبْنَى…
أَمْرًا بَعْدَ أَمْر.
لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ غَضَبًا عَابِرًا،
كَانَ تَدْرِيبًا عَلَى الْقَسْوَة.
يَدٌ تُنَفِّذُ…
وَعَقْلٌ يُبَرِّرُ…
وَالطِّفْلَةُ وَسَطَهُمَا
تَتَعَلَّمُ أَنَّ الْوَجْهَ
قَدْ يُكَسَّرُ قَبْلَ أَنْ يَكْتَمِلَ.
الأب (بصوت بارد لا يرتفع):
انْظُرِي إِلَيَّ…قُلْتُ انْظُرِي..هَكَذَا تُرَبَّى الْبَنَاتُ،
يَتَعَلَّمْنَ أَنَّ الْمِرْآةَ لَا تَرُدُّ الْحَقَّ.
البنت (متلعثمة):
أَنَا… أَنَا لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ وَجْهِي…
زوجة الأب (بابتسامة خبيثة):
وَلِمَاذَا تَحْتَاجِينَ إِلَيْهِ؟
الْوُجُوهُ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُرَوْا.
أَنْتِ… تَعَلَّمِي أَنْ تَخْتَفِي.
الأب:
كُلُّ أَثَرٍ تَرَكْنَاهُ عَلَيْكِ
هُوَ دَرْسٌ.
لِكَيْ لَا تَحْلُمِي…
وَلَا تُشِيرِي…
وَلَا تَطْلُبِي نَجَاةً مَرَّةً أُخْرَى.
زوجة الأب (تقترب، صوتها منخفض):
دَعْهَا تَفْهَمْ
أَنَّ النَّاسَ سَيَرَوْنَ
وَيُدِيرُونَ وُجُوهَهُمْ.
نَحْنُ لَا نَشُوِّهُهَا وَحْدَنَا…
الْجَمِيعُ سَيُكْمِلُ.
البنت (منكسرة):
إِذًا… سَيَعْرِفُونَ؟
الأب (قاطع):
سَيَعْرِفُونَ…وَلَا يَفْعَلُونَ شَيْئًا.
هَذَا أَكْبَرُ دَرْسٍ.
الراوي:
وَهُنَا،
لَمْ يَعُدِ الْوَقْتُ يُقَاسُ بِالسَّاعَات،
كَانَ يُقَاسُ بِنَبْضٍ يَتَأَخَّرُ…
وَصَوْتٍ يَنْقَطِعُ.
الأب (غاضب بلا صراخ):
قُلْتُ لَكِ قِفِي.
قُلْتُ… لَا تَرْفَعِي عَيْنَيْكِ.
هَكَذَا تَتَعَلَّمِينَ.
زوجة الأب (تحرّض):
لَا تَتَوَقَّفْ…
دَعْهَا تَفْقِدُ قُوَّتَهَا كُلَّهَا.
الْإِغْمَاءُ…
يُعَلِّمُ أَكْثَرَ مِمَّا تَفْعَلُ الْكَلِمَات.
البنت (صوتها يتلاشى):
أَنَا… لَا أَسْمَعُكُمْ…
أَنَا تَعِبَة…
الأب (قاطع):
التَّعَبُ عُذْرُ الضُّعَفَاءِ.
الراوي:
وَفَجْأَةً سَقَطَ الصَّوْتُ مِنْهَا.
لَا صُرَاخَ…لَا دُمُوعَ…
فَقَطْ صَمْتٌ أَثْقَلُ مِنَ الْغُرْفَةِ.
زوجة الأب (بلا اكتراث):
اِتْرُكْهَا…سَتَسْتَيْقِظُ.دَائِمًا يَسْتَيْقِظُونَ.
الأب:
وَإِنْ لَمْ تَسْتَيْقِظْ؟
زوجة الأب (باردة):
سَنَقُولُ:
لَمْ نَكُنْ نَعْلَم.
الراوي (الخاتمة):
وَهُنَا…
انْتَهَتِ السَّنَةُ،لَا بِمَوْتٍ يُذْكَر،بَلْ بِحَيَاةٍ أُغْمِيَ عَلَيْهَا.
الطِّفْلَةُ اسْتَيْقَظَتْ…وَلَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَعُودُ.
وَالْغُرْفَةُ شَهِدَتْ…وَالْبَيْتُ صَمَتَ…
أحياناً لَا يُقْتَلُ الْأَطْفَالُ دَائِمًا…
أحيانا يُتْرَكُونَ لِيَعِيشُوا دَلِيلًا عَلَى جَرِيمَةٍ


