الغرائبية في السرد الأدبي

كتب سمير لوبه 

 

عندما نسمعُ بعضَ المصطلحاتِ قد نواجهُ عدمَ اكتراثٍ بها ربما لمعرفةٍ مُسبقةٍ بها ولربما لافتقارٍ معرفي بها وهذا لا يعيبُنا قيدَ أنملةٍ ولكن وجب علينا إما البحث عن المعنى أو السؤال عنه كي نلمُّ به وهنا سوف أتناولُ مصطلحاً قد يغيبُ عن البعضِ – الغرابةُ والغرائبيةُ في السردِ فلزم تقديمٌ موجزٌ توضيحيٌ مصحوبٌ بالأمثلة ليتحققَ لدينا اللحاقُ بمقصدِه وما يرمي إليه.  

بدايةً نستهلُ حديثَنا بمقولةِ دكتور ” شاكر عبد الحميد ” في كتابِه «الغرابة.. المفهوم وتجلياته في الأدب» 

تبدو «الغرابة» في دلالاتِها المباشرةِ ضدُ «الألفةِ» كما تبدو أو حالةٌ بينَ الخوفِ والرهبةِ والتشويقِ والمتعةِ والتذكرِ والرعبِ والتخيلِ ولعلها نوعٌ من الخيالِ .  

 ويبينُ د. شاكر أنَّه على الرُغم ِ مما قال به « فرويد » من كون الغرابةِ مصطلحاً غيرُ قابلٍ للتحديدِ أو التعريفِ الدقيقِ فهناك من قال ببعضِ الخصائصِ مثل : الغرابةُ إحساسٌ حياتي وإحساسٌ جمالي أي خبرةٌ حياتيةٌ وجماليةٌ تتعلقُ بالانفعالِ بوجودِ شيءٍ غريبٍ ومخيفٍ وغيرِ مألوفٍ وقد يثيرُ الرعدةَ والرعبَ.

ويشيرُ د. شاكر عبد الحميد إلى أنَّ الخوفَ عنصرٌ أساسيٌ في حدوثِ الغرابةِ إذْ قد يَدْهَمُ البعضُ على أنَّه شيءٌ على وشكِ الوقوعِ وقد لا يقعُ أو يقعُ ويرى أنَّ « الغرابة » ليست مصطلحاً أُحاديَ البُعْدِ أو بسيطاً بل على العكسِ هو مركبٌ ومتعددُ الدلالاتِ ومن معانيِه : حضورِ الموتِ في الحياةِ كما يمكنُ أن يوجدَ في الأعمالِ الفنيةِ والأدبيةِ .. 

وفي هذا السياقِ أيضاً قد نشر المجلسُ الوطني للثقافةِ والفنونِ والآدابِ «عالم المعرفة» حوار مع « حسن المصدَّق » حولَ معنى الغرابةِ نذكرُ منه : أنَّ الفيلسوفَ « هيجل » في حديثِه عن «هاملت» في «محاضرات حول الفنون الجميلة» قال : «إنَّ هاملت ذو قلبٍ جميلٍ ونبيلٍ وهو ليس ضعيفًا في أعماقِه على الإطلاقِ لكنه ذو شعورٍ قويٍ تجاه الحياةِ ومن ثَمَّ فإنَّه وخلالَ ذلك الضعفِ الذي يلازمُ كآبتَه كان يندفعُ نحوَ اليأسِ لأنَّ لديه إحساسٌ حقيقيٌ أنَّ الهواءَ المحيطَ به مُعبَأٌ بالكذبِ لكن دونَ علامةٍ خارجيةٍ واضحةٍ على ذلك وليس هناك من أساسٍ محددٍ لشكوكِه لكنه كان يشعرُ بالغرابةِ أيضًا فكلُ شيءٍ ليس كما ينبغي أن يكونَ وقد كانت تنتابُه الظنونُ حولَ تلك الأحداثِ المرعبةِ التي حدثت ثم يَلقَي شبحَ أبيه – هكذا كان هاملت واقعًا في براثنِ إدراكِه للغرابةِ في هذا العالمِ وحيث «كل شيءٍ ليس كما ينبغي»

الغرابةُ في جوهرِها خبرةٌ خاصةٌ تتعلقُ بالفقدانِ للاتجاهِ والتوجهِ والتبصرِ خاصةً عندما يبدو العالمُ الذي نعيشُ فيه فجأةً عالمًا غريبًا مغتربًا . 

 كانت الغرابةُ موضوعًا متكررًا مهمًّا في الأدبِ القوطي ثم صارت مقالةَ “فرويد” التي ظهرت عام 1919 الينبوعُ والمصدرُ الثقافي الأساسيُ لهذا الموضوعِ وقد ظلت هذه المقالةُ مطويةً تقريبًا في زوايا النسيانِ خلالَ النصفِ الأولِ من القرنِ العشرين عاودت الظهورَ مرةً أخرى على نحوٍ مثيرٍ بدءًا من سبعينيات القرنِ العشرين ثم أصبحت واسعةَ الانتشارِ من حيث قراءتِها أو العودةِ إليها أو التأثرِ بها في الدراساتِ الإنسانيةِ والثقافيةِ منذ ذلك الحينِ وحتى الآن على الرُغمِ من أنَّنا نادرًا ما نرى إشاراتٍ إليها في الدراساتِ العربيةِ وقد التقت الأفكارُ الخاصةُ بدراسةِ “فرويد” هذه بعد ذلك مع أفكارٍ مستمدةٍ من « وولتر بنيامين » كي تضعَ الغرابةَ في موضعِها المناسبِ في علاقتِها مع «الفانتازماجوريا» أو تجمعاتِ الأشباحِ والصورِ الطيفيةِ وخاصةً مع تحولاتِ العالمِ المديني إلى مشهدٍ بصري ومكاني مسكونٍ بالكائناتِ الشبحيةِ الظليةِ تلك المتعلقةِ بكلِ ما هو عابرٌ وغيرُ جوهريٍ في عالمِ الصورةِ وثقافةِ الاستهلاكِ وقد تمَّ ربطُ المشهدِ كلِه بما قد يُسمَى الآن – الغرابةُ –  

عبرَ القرنِ العشرين تراجع النوعُ الفانتازي (العجائبي) من الفنِ والأدبِ أو ما يمكنُ أن نُطلقَ عليه اسمُ الغريبِ المتفائلُ أو المضيء وتزايدُ حضورِ ذلك النوعِ الغريبِ المتشائمِ القاتمِ وقد تجسد ذلك في أعمالِ تطرحُ قضايا عامةً حولَ طبيعةِ الاستقرارِ الخاصِ بالعالمِ المعاصرِ أو بالأحرى عدمِ استقرارِه

مع كتاب « جاك دريدا » الشهير «أشباح ماركس» الذي ظهر عام 1994 أصبح تأثيرُ فكرةِ الغرابةِ في الأوساطِ الأكاديميةِ والثقافيةِ عامةً مؤكدًا كما أنَّ هذا المصطلحَ أصبح يُستخدَمُ على نحوٍ واسعٍ كذلك لتفسيرِ كلِ هذه الحالاتِ الخاصةِ بالألفةِ والغُربَةِ ، حضورُ الماضي وسكنُه في الحاضرِ وغيابُ الحاضرِ والحلولُ فيما يتعلقُ بالأشباحِ والصورِ والذاكرةِ وبكلِ ما يتعلقُ بذلك كلِه من معانٍ ودلالاتٍ ، تتعلقُ الغرابةُ بنوعٍ من الشكِ والغموضِ أو الريبةِ الملازمةِ للمكانِ والزمانِ والتاريخِ والوجودِ وهنا يتجلى الخوفُ وقد يتصاعدُ ليبلغَ مرتبةَ الرعبِ أيضًا.

لكن القريبَ قد يكونُ الغريبَ أيضًا وهو القيمةُ الثقافيةُ والجانبُ البنائيُ الإيجابيُ من خبراتِنا الحديثةِ ، إنَّه قد يشتملُ على حساسيةٍ مميزةٍ وانصهارِ ما بينَ الانفعالِ والتأملِ والفعلِ الإبداعي ومن ثَمَّ قد تتجلى فيه جمالياتُ الحداثةِ وما بعدها.

الغريبُ هو أيضًا الدخيلُ أو الآخرُ غيرُ المألوفِ

 والغرابةُ هي فئةُ المخيفِ من المشاعرِ والأفكارِ التي ترجعُ بنا نحوَ شيءٍ ما قديمٍ نعرفُه كان مألوفًا لنا منذ وقتٍ طويلٍ كما قال ” فرويد ” 

 لم تكن الغرابةُ أو «الألفةُ غيرُ المألوفةِ » لدى فرويد أو غيره تتعلقُ بالجديدِ أو الغريبِ فقط بل بغيرِ المألوفِ الذي ينطوي على جوانبٍ مألوفةٍ أو غيرِ المألوفِ الذي يحضرُ معه عند مستوى الإدراكِ أو الذاكرةِ أو الحلمِ .

 شبحُ والدِ ” هاملت ” مثلاً غيرُ المألوفِ ، ذلك الشبحُ الغريبُ الذي يحضرُ في هيئةٍ شبيهةٍ بالوالدِ الملكِ المألوفِ لكنَّه المألوفُ الذي أصبح نتيجةً لغيابِه بالموتِ وحضورِه شبحاً غيرَ مألوفٍ . 

 من ثَمَّ كان ينبغي أن يكونَ على نحوٍ ما ظِلاً شبحياً شبيهًا بالمألوفِ أو قرينًا يجمعُ بينَ الحي وغيرِ الحي ويعيدُ تجسيدَ صفاتِ الحي وغيرِ الحي في تكوينٍ فريدٍ يثيرُ الشكوكَ وهذه الشكوكُ المتعلقةُ بالغرابةِ المتوجهةِ نحوَ الموتى الأحياءِ والأحياءِ الموتى نحوَ المستحيلِ الذي يعودُ عبرَ الحدودِ هي جوهرُ الغرابةِ . أما الغرابةُ في مظهرِها الشبحي يمكنُ تعريفُها على أنَّها قوةٌ هائمةٌ لا يمكنُ السيطرةُ عليها قوةٌ تمرُّ ما بينَ الحياةِ والموتِ وتعبرُ حدودَ العقلانيةِ البشريةِ كي تؤسسَ فيما بينَ هذه الحدودِ مناطقَ خاصةً بها .  

وقد تجددت القوةُ التأويليةُ للغرابةِ مرةً بعدَ أخرى في الأدبِ والفنِ التشكيلي والسينما وكذلك كلِ ما يرتبطُ بالحساسيةِ الفنيةِ الكليةِ المعاصرةِ في الأفلامِ الخياليةِ أفلامِ الخيالِ العلمي والأشباحِ والرعبِ وغيرِها.

الغرابةُ هي خبرةٌ تظهرُ بكثرةٍ في السردِ وفي الفنِ عامةً على أنَّها خبرةٌ جماليةٌ قد تكونُ مرعبةً ومع ذلك فإنَّنا قد نبحثُ عنها ونسعى وراءَها لأسبابٍ كثيرةٍ 

الغرابةُ مصطلحٌ ببساطةٍ غامضٌ وعجيبٌ على نحوٍ غيرِ عادي ولكنَّه على نحوٍ أكثرِ تحديدًا مألوفًا على نحوٍ غريبٍ

تُعدُّ قصةُ يحيى حقي « الفراش الشاغر» التي تحتوي على عمليةِ مضاجعةٍ للجثثِ نموذجًا فريدًا في الأدبِ العربي في هذا الشأنِ وكذلك الحالُ في قصصِ « رسائل الحائط الرطيب » لخيري شلبي و« القرين ولا أحد » لسليمان فياض و« شرف » لصنع الله إبراهيم وغيرها من الأعمالِ الغريبةِ .. 

وفي ذاتِ المضمارِ يقولُ الأديبُ والناقدُ الأستاذُ « سيد جمعة» صاحبُ كتابِ « قراءات نقدية في إبداعات عربية » عند تعليقِه على مجموعةِ القصصِ القصيرةِ ” كواليس ” للأديبِ السكندري « سمير لوبه » : « غرائبيةُ السردِ والوصفِ وأجواءِهما يهيئان مسرحاً لأقصوصةٍ فجائيةِ النهايةِ كأشباحِ ” آدجار آلن بو ” ، لكن دعوني أقولُ أنَّ ” لوبه ” بمثلِ هذه القصصِ القصيرةِ التي أودعها مجموعتَه القصصيةَ ( كواليس ) أقدم علي مساحةٍ تبحثُ عن شاغلٍ لها في عالمِنا القصصي والروائي من عقودٍ ليست بالقليلةِ ودعوني أقولُ أيضاً وبدونِ مجاملةٍ أنَّ ” سمير لوبه ” سيشغلُها بجدارةٍ لأنَّه يملكُ المهاراتِ والأدواتِ كاملةً وغيرَ منقوصةٍ فروايةُ الخيالِ العلمي والروايةُ البوليسيةُ والاجتماعيةُ وباقى التصنيفاتِ المماثلةِ مشغولةٌ بمحاولاتٍ جادةٍ وناجحةٍ وها هو الأديبُ ” سمير لوبه ” في مجموعتِه القصصيةِ ( كواليس ) يأتي ليشغلَ ما هو غيرُ مشغولٍ … وبجدارة « ٍ

كان في كلِ ما أسلفنا توضيحٌ موجزٌ للــ « الغرابة أو الغرائبية » في السرد . ِلنزيد القصيدةَ بيتاً بقراءةٍ في أدبِ الرعبِ  

أدب الرعب : 

الرعبُ ضربٌ قديمٌ من الأدبِ يقدمُ حرفةَ الكتابةِ ذاتَها وهو يُشكِّل واحدًا من الأعمدةِ الثلاثةِ الرئيسةِ للكتابةِ الخياليةِ كلاً مع الخيالِ العلمي والفانتازيا والجريمةِ ولطالَمَا كان له مُريدينُه . ولعلَّنا هنا نذكرُ الكاتبَ « إدجار آلان بو «

وهو شاعرٌ وقصصيٌ أمريكي شهيرٌ امتلك موهبةً شعريةً وأدبيةً فَذَّة فقد بدأ قراءةَ الشعرِ وكتابتِه وهو في الخامسةِ من عمرِه فقد كانت الكتابةُ ملاذَه كان صاحبَ إنتاجٍ قصصي مُميَّزٍ جعله مؤسِساً لِما عُرِفَ ﺑ « أدب الرعب القوطي » الذي حَفلَت قصصُه بالرعبِ والمخاوفِ . 

ولقد احتلَّ هذا الأدبُ الخيالي مكانةً كبيرةً لاسيَما مع كتاباتِ ” أحمد خالد توفيق “ والتي جذبت إليها القراءُ من مختلفِ الأعمارِ والأطيافِ وتأتي قصصُ “سمير لوبه” بإضافةٍ جديدةٍ في أدبِ الرعبِ في مجموعتِه القصصيةِ ” كواليس ” ليشغلَها بجدارةٍ وهو ما أكدَّ عليه الأديبُ والناقدُ التشكيلي ” سيد جمعة “ مؤلِفُ كتابِ ” قراءات نقدية في إبداعات عربية ” وأخيراً نستطيعُ في مقالِنا عن أدبِ الرعبِ أن نقولَ عنه : هو أدبٌ يقدمُ حرفةَ الكتابةِ ذاتَها وهو يُشكِّلُ واحدًا من الأعمدةِ الثلاثةِ الرئيسيةِ للكتابةِ الخياليةِ 

بقلم سمير لوبه