الفلسفات الشرقية والانسجام مع الطبيعة

20

ترجمة واختصار /م.عزام حدبا

كي نفهم عقلية سكان شرق آسيا عموما والصينيين خصوصا علينا ان نلقي نظرة على فلسفاتهم.. احدثكم اليوم عن لاوتسو والطاوية.. وقد يتسنى لنا في المستقبل ان نعرض لتجربتي كونفوشيوس وبوذا.

الطبيعة لا تتعجل، إلا أن كل شيء منجز

 يقال ان أعظم ثلاثة زعماء روحانيين في آسيا :لاوتسو، كونفوشيوس، وبوذا اجتمعوا ذات مرة وتذوق كل منهم الخل. وجد كونفوشيوس الخل حامضا، كما وجد العالم مليئا بالفاسدين، وجد بوذا في طعم الخل مرارة كما وجد العالم مليئا بالمعاناة. لكن لاوتسو وجد في العالم حلاوةً. ذلك انه يرى ان العالم يعيش في تناغم ضمني يسمى الداو او الطريق. لكن من أجل تطبيق الداو وفهمه لا تكفي القراءة فقط بل عليك تعلم الانسجام مع الطبيعة. ينبغي علينا أن نتخلى عن جداولنا، وهمومنا، وأفكارنا المعقدة وأن نعيش الحياة بكل بساطة. نقضي الكثير من حياتنا نسابق الوقت نقفز من محطة إلى أخرى، لكن لاوتسو يذكرنا، “الطبيعة لا تتعجل، إلا أن كل شيء منجز.” من المهم على وجه الخصوص أن نتذكر أن أمورا معينة -مثل الحزن والحكمة وتطوير العلاقات- تتم فقط في وقتها، مثل تغير ألوان أوراق الشجر في الخريف أو تفتح الأزهار التي زرعت قبل شهر.

“وو واي” اللاَّعمل أو عمل لاشيء

قد تبدو أنها دعوة مفرحة للاسترخاء؛ بل أسوأ من ذلك، دعوة للوقوع في الكسل أو اللامبالاة. ومع ذلك، فإنَّ هذا المبدأ هو المفتاح لأنبل الأعمال وفقاً لفلسفة لاوتسو، “الطريق هو أن لا تفعل شيئاً، مع ذلك كل الاعمال تُنجز”. وهنا تكمن مفارقة “وو واي”. هو لا يعني بذلك عدم العمل، بل يعني “العمل غير المجهِد”. أن تكون في حالة سلام، بينما أنت منهمك بأداء أكثر المهام اضطراباً، بحيث تنجز هذه المهام بأقصى مهارة وكفاءة. هو السعي إلى أن تصبح أفعالنا عفوية وحتمية كبعض العمليات الطبيعية، والتأكد من أننا نسبح مع التيار وليس عكسه. أن نكون كالخيزران؛ ينحني بهبوب الرياح.

الاتصال بالذات الحقيقية

يقول لاوتسو: “فائدة الإناء في فراغه. فرغ نفسك من كل شيء، حتى يصل ذهنك إلى السكون.” فحين نشغل أنفسنا بالقلق والتطلعات، سنفقد آلاف اللحظات من التجارب الإنسانية التي تشكل إرث الطبيعة لنا. ينبغي أن نتأمل أصوات الطيور صباحاً، كيف يبدو الناس من حولنا حين يضحكون، كيف يلفح الهواء وجوهنا. قد نعيد اسكتشاف نزواتنا الدفينة، أو جانبا لعوبا نسيناه، أو مجرد حب قديم للمشي لمسافات. تعترض الأنا الطريق لذاتنا الحقيقية، والتي ينبغى إيجادها من خلال انفتاحنا لتقبل العالم الخارجي بدلا من تركيزنا على صورة داخلية غير واقعية لأنفسنا.

كن مرنا كالماء

الطبيعة هي وسيلة مفيدة لأن نعثر على أنفسنا. عمد لاوتسو إلى مقارنة عناصر مختلفة من الطبيعة بفضائل مختلفة. كل جزء من الطبيعة يذكرنا بخصلة نبجلها ونتطلع أن نجسدها: قوة الجبال، صمود الأشجار، ابتهاج الزهور. لكن بالنسبة له: “أفضل الناس كالماء، يتكيف مع الإناء الذي يحويه.. يفيد الجميع دون أن ينافسهم. ويبقى في أماكن دنيا يرفضها الغير”. الماء منقاد وضعيف، إلا أنه لا يمكن مجاراته في هجومه على كل صلب وقوي. من خلال المثابرة الناعمة والثبات على مشكلة معينة، يمكن أن نتغلب على العائق؛ فيختفي تدريجياً كما يفعل الماء حين ينخر الصخور عبر عوامل التعرية. إن فكرة تحقيق أعظم الإنجازات بتطبيق استراتيجية الاستسلام الحكيم كانت أساس النظريات الصينية للسياسة والدبلوماسية والأعمال. لا يفرضون أي خطة أو أي قالب على حدث معين، يدعون الآخرين يتصرَّفون بجنون، ثم يتكيفون بعدها بهدوء مع تطورات الموقف.