الفناء والنفاد لفظتان كثر فيهما الغلط

بقلم محمد الدليمي

الفناء، والنفاد، لفظتان كثر فيهما الغلط، واللغو، فكانتا
موضع بحثنا؛ لنبين جذر اللفظتين ومن ثم ما قيل في
حقهما، ال ا فناءُ: نقيض البقاء، والفعل: ا فنِي يفْنى فناءً
فهو
فان ؛ والفِناءُ: سعة أمامِ الدّار، وجمْعُه: الأفْنِية. والفنا:
شجرةُ الثَّعلب لها حبٌّ كالعِنب، وقيل: لا يُقالُ شجرةُ
الثَّعْلب ولكن عِنبُ الثّعلب، قال:
كأنّ فُتات العِهن في كُلِّ منزل
نزلْن به حبُّ الفنا لم يُحطَّم
ورجل من أفناء القبائل، إذا لم يُعْرفْ من أيّ قبيلة هو.
والأفاني: نبت، الواحدة: الأافانيةُ، كأنّها بُنِيتْ على
فعالِية .
)إِن يشأْ يُذْهِب كُمْ أيُّها النَّاسُ ويأْتِ بِآ ا خرِين وكان اللَّهُ
على ذلِك قدِيرًا( النساء: 133 ألمْ تر أنَّ اللَّه خلق
السَّماواتِ ا والأرْض بِالْحقِّ إِن يشأْ يُذْهِبْكُمْ ا ويأْتِ بِخلْق
جدِيد) إبراهيم: 19 ، قوله تعالى: }إِنْ يشأ يُذْهِبْكُمْ{ يعني
بالموت }أيُّها النَّاسُ{ يريد المشركين والمنافقين } ا ويأْتِ
بِآخرِين{ يعني بغيركم. ولما نزلت هذه الآية ضرب
رسول الله صلى الله عليه وسلم على ظهر سلمان
وقال: “هم قوم هذا “. وقيل: الآية عامة، أي وإن تكفروا
يذهبكم ويأت بخلق أطوع لله منكم. وهذا كما قال في
آية أخرى: } ا وإِنْ تتولَّوْا ياسْبْدِلْ قوْماً غيْركُمْ ثُمَّ لا ياكُونُوا
أمْثالكُمْ{. وفي الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له
ولاية وإمارة ورياسة فلا يعدل في رعيته، أو كان عالما
فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس، أن يذهبه ويأتي
بغيره. } ا وكان اللَّهُ على ا ذلِك ا قدِيراً{ والقدرة صفة أزلية،
لا تتناهى مقدوراته، كما لا تتناهى معلوماته،
والماضي والمستقبل في صفاته بمعنى واحد، وإنما
خص الماضي بالذكر لئلا يتوهم أنه يحدث في ذاته
وصفاته. والقدرة هي التي يكون بها الفعل ولا يجوز
.) وجود العجز معها) ٧
الرؤية هنا رؤية القلب؛ لأن المعنى: ألم ينته علمك
إليه؛ وقرأ حمزة والكسائي – “خالق السماوات
والأرض”. ومعنى “بالحق” ليستدل بها على قدرته. “إن
يشأ يذهبكم” أيها الناس؛ أي هو قادر على الإفناء كما
قدر على إيجاد الأشياء؛ فلا تعصوه فإنكم إن
عصيتموه }يُ ذْهِبْكُمْ ا وياأْتِ بِ ا خلْ ق ا جدِي د{ أفضل وأطوع
منكم؛ إذ لو كانوا مثل الأولين فلا فائدة في الإبدال.
.) } ا وما ذلِك على اللَّهِ بِعزِيز{ أي منيع متعذر )
يرى الباحث الفناء هو انتهاء الشيء مرة واحدة ولا
يمكن تعويضه مرة أخرى.
النفاد، نفِد الشيء نفاداً أي فنِي. وأنفد القومُ: نفِد
زادُهم، واستنْفدوا: نفِد ما عندهم )إِنَّ هذا لرِزْقُنا ما لهُ
مِن نَّفا د(َّ ص: 54 ، ) ما عِندكُمْ ينفدُ وما عِند اللَّهِ باق
ولتجْزِيانَّ الَّذِين ا صبرُواْ أجْرهُم بِأحْسنِ ما كانُواْ يعْملُون(
النحل: 96 ، )قُل لَّوْ كان الْبحْرُ مِدادًا لِّكلماتِ ربِّي لنفِد
الْبحْرُ قبْل أان تنفد كلماتُ ا ربِّي ولوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مددًا(َّ
الكهف: 109 ، قوله تعالى: } إِنَّ هذا لرِزْقُنا ما لهُ مِنْ نفا د {
دليل على أن نعيم الجنة دائم لا ينقطع؛ كما قال:
} ا ع ا طاءً ا غيْ ا ر ا مجْذُو ذ { وقال: } ا لهُمْ أاجْ ر ا غيْرُ ا ممْنُو ن {. المراد
بقوله: } ا ما عِنْ ا دكُمْ يانْ ا ف دُ ا و ا ما عِنْ ا د اللَّهِ باا ق{؛ فبين الفرق
بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتحول، وما
عند الله من مواهب فضله ونعيم جنته ثابت لا يزول
لمن وفي بالعهد وثبت على العقد ) 5(. ولقد أحسن من
قال:
المال ينفد حله وحرامه * يوما وتبقى في غد آثامه
ليس التقي بمتق لإلهه * حتى يطيب شرابه وطعامه
}قُلْ ا لوْ كاا ا ن الْباحْرُ مِ ا داداً لِكالِ ا ماتِ ا ربِّي{ إلى آخر السورة
فإن الله تعالى يوقظك متى شئت من الليل”؛ ذكر
هذه الفضائل الثعلبي رضي الله تعالى عنه. وفي
مسند الدرامي أبي محمد أخبرنا محمد بن كثير عن
الأوزاعي عن عبدة عن زر بن حبيش قال من قرأ آخر
سورة الكهف لساعة أن يقوم من الليل قامها؛ قال عبدة
فجر بناه فوجدناه كذلك قال ابن العربي: كان شيخنا
الطرطوشي الأكبر يقول: لا تذهب بكم الأزمان في
مصاولة الأقران، ومواصلة الإخوان؛ نفد الشيء إذا تم
وفرغ؛ وقد تقدم. } ا و ا لوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مدداً{ أي زيادة على
البحر عددا أو وزنا. وفي مصحف أُبي }مدادا{ وكذلك
قرأها مجاهد وابن محيصن وحميد. وانتصب “مددا”
على التمييز أو الحال. وقال ابن عباس: قالت اليهود
لما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم } وما أُوتِيتُمْ
مِن الْعِلْمِ إِلا ا قلِيلاً{ قالوا: وكيف وقد أوتينا التوراة، أوتي
التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا؟ فنزلت }قُلْ ا لوْ كاا ا ن الْباحْرُ
مِدادا لِكلماتِ ربِّي لنفِد الْبحْرُ{ الآية. وقيل: قالت اليهود
إنك أوتيت الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا
كثيرا، ثم زعمت أنك لا علم لك بالروح؟! فقال الله
تعالى قل وإن أوتيت القرآن وأوتيتم التوراة فهي
بالنسبة إلى كلمات الله تعالى قليلة، قال ابن عباس:
لِكلماتِ ربِّي{ أي مواعظ ربي )
يرى الباحث إن النفاد هو انتهاء الشيء شيئا فشيئا
ويمكن تعويضه من نفس مادته.
من كتابي الثالث ( التأويل والمفردة اللغوية )