المقالات والسياسه والادب

الفيلة ماري حين يُعاقَب الطيبون لأنهم تألموا



بقلم/ عبير عبده

الفيلة ماري حين يُعاقَب الطيبون لأنهم تألموا

أحيانًا، أكتر الكائنات طيبة بتكون أكترها وجعًا.
فيه وجوه بتضحك والدموع مستخبية جوا العيون،
وفيه قلوب بتتحمل القسوة يوم ورا يوم علشان تكمّل الطريق،
لكن لما بينفجروا، الدنيا كلها بتنسى إنهم كانوا ضحايا، وبتحكم عليهم كأنهم مجرمين.
زي ما حصل مع “الفيلة ماري”… الحكاية اللي بتوجّع القلب، مش لأنها عن حيوان، لكن لأنها عن الظلم اللي بيتكرر بأشكال مختلفة كل يوم.

في يوم 13 سبتمبر سنة 1916، وقف العالم يشاهد واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ السيرك.
اتجمّع المئات يشوفوا مشهد لا يُصدّق: شنق فيلة اسمها “ماري”،
كانت بطلة العروض وسبب ضحكة الأطفال وفرحة الجمهور.
لكن محدش كان يعرف إن وراء الضحكة ديه، فيه وجع صامت بيكتمه كائن طيب لا يعرف غير الحب والولاء.

القصة بدأت لما اتعيّن مدرّب جديد اسمه “ريد” — راجل غليظ، مايعرفش الرحمة ولا الصبر.
قرر يفرض سيطرته بالعنف، فبدأ يضربها بعصاية، ولما تجاهلت أوامره، استخدم آلة حادة.
وفي لحظة ألم وغضب، الفيلة الطيبة اللي عمرها ما أذت حد، انفجرت.
ضربته بجذع شجرة وأسقطته أرضًا… ومات في الحال.

ومن هنا، اتقلبت القصة:
اللي كانت رمز البهجة بقت “قاتلة”،
والناس اللي كانت بتصفقلها، بقت تصرخ وتطالب بإعدامها.
وفي مشهد مأساوي صعب نسيانه، تم شنق “ماري” وسط الجماهير.
وبعد ما أعدموها، اكتشفوا إن جسمها كان مليان جروح قديمة من سوء المعاملة،
وعرفوا إنها كانت ضحية، مش جانية.

لكن القصة دي مش بس حكاية عن فيلة…
دي حكاية عن كل إنسان طيب بيتحمل، وبيسكت، وبيحاول يكون قوي،
وبيتعامل بحنية حتى لما بيتأذي.
بس لما بيوصل لآخر نقطة في تحمله، وبيفقد أعصابه، الكل بينسى تاريخه الطيب،
وبيحكم عليه من لحظة انفجاره.

كم مرة شُفنا حد صبور في الشغل، بيتحمل الضغط والسخرية،
ولما ينفجر مرة، يتقال عليه “عصبي” و”مش متزن”؟
كم ستّ اتظلمت، وسكتت سنين،
ولما قالت “كفاية”، اتقال إنها “ناشز” أو “قاسية”؟
كم ابن أو بنت استحملوا التجاهل،
ولما صرخوا من وجعهم، اتقال إنهم “مش محترمين”؟

قصة “الفيلة ماري” بتفكرنا إن الصبر مش ضعف، والهدوء مش استسلام.
فيه لحظة بيكون فيها الانفجار هو الطريقة الوحيدة للدفاع عن النفس،
ولازم نفهم إن كل تصرف مؤلم وراه وجع أعمق.

الطيبة مش دايمًا بتتحمّل…
والصامتين مش دايمًا راضيين…
والقلوب اللي بتسكت مش معناها إنها ماتت، لكنها بتحاول تعيش رغم الألم.

– الدرس الحقيقي من حكاية ماري:
بلاش تيجي على الناس الطيبة اللي بتستحمل،
لأن يوم ما هيتعبوا، رد فعلهم ممكن يخسّرك حاجات كتير…
مش لأنهم أشرار، لكن لأنهم اتألموا أكتر من اللازم. 

مقالات ذات صلة