الكعكة الأفغانية والتنافس الإقليمي عليها

40

كتب/ياسر صحصاح
تشهد الدولة الأفغانية تنافسا إقليميا محموما في الآونة الأخيرة؛ لشغل الفراغ الذي سيخلفه انسحاب القوات الأمريكية والقوات التابعة لحلف شمال الأطلسي “الناتو”؛ حيث تسعى كل من تركيا وروسيا والصين وإيران لإيجاد موطئ قدم لها بالأراضي الأفغانية، بصورة تثير التساؤلات حول طبيعة العلاقات والتفاعلات التي قد تنشأ بين تلك الدول في المستقبل، والسيناريوهات المستقبلية لتعامل حركة طالبان معها.
وفي ضوء ذلك، اكتسبت المفاوضات الأمريكية التركية بشأن تأمين مطار كابول الدولي زخمًا على الساحة الأفغانية؛ إذ تسعى الولايات المتحدة الأمريكية للتفاوض حاليًّا مع تركيا بشأن تأمين مطار كابول الدولي (حامد كرازي)؛ حيث اجتمع وزير الدفاع الأمريكي “لويد أوستن” مع نظيره التركي “خلوصي أكار”، يوم 7 يوليو الجاري؛ لمناقشة مسألة التأمين التركي للمطار بعد إتمام انسحاب القوات الأمريكية والقوات التابعة لحلف الناتو في سبتمبر 2021، وقد تم التطرق خلال الاجتماع لأشكال الدعم اللوجستي والمالي والسياسي التي ستحتاجها تركيا من الولايات المتحدة أثناء توليها مهمة تأمين هذا المطار.
ويمكن تفسير هذا الدعم الغربي لتركيا برغبة القوة الغربية في تأمين السفارات الأجنبية الموجودة بكابول، لا سيَّما أن الولايات المتحدة الأمريكية ترغب في النأي بنفسها عن أي وجود عسكري، وتفضل تقديم الدعم المالي للقوات الأفغانية، والذي يصل إلى 4,4 مليارات دولار، وسيستمر حتى عام 2024 كما تعهَّد “بايدن”، فضلًا عن ذلك، تميل واشنطن إلى تقديم الدعم الإنساني للمواطنين الأفغان للحفاظ على المكتسبات البسيطة التي نجح الشعب الأفغاني، وخاصة النساء في اكتسابها طوال فترة الوجود الأمريكي.
من جانبها، رفضت حركة طالبان المساعي التركية لتأمين مطار كابول بالتنسيق مع القوات الأمريكية؛ إذ وجَّه “ذبيح الله مجاهد”، المتحدث باسم طالبان، رسائل تحذيرية إلى أنقرة، مفادها أنها ستتعرض لهجوم شديد إذا استمرت في نشر قواتها في أراضي الدولة الأفغانية لتأمين مطار كابول؛ لأن هذا يهدد سلامة الدولة ووحدتها، طالبين منها مراجعة موقفها بهذا الشأن، إلا أنه في المقابل، أكّد المتحدث باسم الرئيس الأفغاني “أشرف غني”، يوم 10 يوليو 2021، أن تأمين مطار كابول من اختصاص سلطات الدولة الأفغانية، غير أن أي مساعدة من الدول الصديقة ستكون مرحبا بها.
وعلى نطاق آخر، تثير مساعي تركيا لتأمين مطار كابول تساؤلات عن الأهداف الحقيقة لأنقرة من تولِّي هذه المهمة الصعبة؛ حيث إنه من المرجَّح أن تلجأ لاستغلال ذلك مستقبلًا للضغط على الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول للاستجابة لمطالبها؛ ممّا سيشكل عامل خطر على القوى الغربية.
كما يُنظر إلى التأمين التركي لمطار كابول الدولي باعتباره خطوة لتوسيع نفوذها في منطقة آسيا الوسطى التي ترتبط بها بروابط تاريخية، لا سيَّما أن أنقرة وقَّعت في يناير الماضي مع باكستان وأذربيجان “إعلان إسلام أباد” الذي يستهدف تعميق التعاون الأمني والعسكري والتقني بين الدول الثلاث، وبما أن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” يُدرك ضعف قدرات بلاده العسكرية مقارنة بالقوى الغربية، والتي لن تستطيع النجاح فيما فشلت فيه تلك القوى على مدار عشرين عامًا من وجودها بأفغانستان؛ لذلك من المتوقَّع أن يلجأ “أردوغان” للتعاون مع باكستان في مهمة تأمين وجوده في أفغانستان، لا سيَّما أن إسلام أباد ترتبط بعلاقات وثيقة مع حركة طالبان، فضلًا عما سبق، فقد تستغل تركيا علاقتها مع قطر للضغط على أفراد حركة طالبان للقبول بالوجود التركي.
وفيما يخص الموقف الإيراني، من المرجَّح أن تقف طهران كحجر عثرة في طريق أنقرة للتغلغل في أفغانستان، لا سيَّما أنها تمتلك مصالح بالدولة الأفغانية، وتشترك معها في الحدود نفسها التي تأثرت بالصراعات في أفغانستان؛ حيث ساهمت اعتداءات طالبان على أقلية الهزارة، التي تنتمي للطائفة الشيعية، في نزوح آلاف الأسر تجاه الحدود، وفي ضوء ذلك، تبدي إيران مخاوفها واعتراضها على سوء معاملة الأقليات المسلمة على يد طالبان، موضحة أنها على أهبة الاستعداد للتعامل مع جميع التطورات داخل الدولة الأفغانية؛ ممّا يعني أنها قد تستغل رحيل القوات الغربية لملء الفراغ الذي ستخلفه في البلاد على غرار ما فعلت في العراق في أعقاب رحيل القوات الأمريكية.
وفيما يتعلق بالموقف الروسي، تحرص موسكو على الترويج لفشل الحرب الأمريكية في أفغانستان، في تحقيق التنمية داخل الدولة، مشيرة إلى أن الوجود الأمريكي قد تسبب في تمكين طبقة سياسية فاسدة، كما مثّل قرار الانسحاب المفاجئ ورفع الدعم الجوي عن القوات الأفغانية ضربة قاسمة على المستوى النفسي والعسكري للقوات الأفغانية، وأظهر سهولة تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها.
إلا أنها على جانب آخر، تُبدي مخاوفها من تمكن طالبان من الإمساك بزمام الحكم في أفغانستان، لا سيَّما أن الحركة قد نجحت في السيطرة على نحو 188 مقاطعة من أصل 407 مقاطعات موجودة في البلاد، وتقدَّمت تجاه المناطق المشتركة في حدود مع أوزبكستان وإيران وطاجيكستان؛ مما دفع روسيا لإبداء تخوفها من قيام حركة طالبان بنشر الجماعات الجهادية في طاجكستان، التي تضم قاعدة روسية عسكرية، ومن ثمّ إثارة الاضطرابات والإرهاب في منطقة آسيا الوسطى، التي تعتبر محل نفوذ لروسيا؛ لذلك فمن المرجَّح أن يكون لموسكو دور أيضًا في مسألة تأمين تركيا لمطار كابول الدولي.
وبالنسبة للصين، فقد أضحت بكين تخطو خطوات تعاونية مع الدولة الأفغانية، مفضلة الإبقاء على أسلوبها المتمثل في تفضيل المصالح الاقتصادية عن التدخل في الشأن السياسي للدولة؛ إذ أعلنت بكين مؤخرًا عن مد مبادرة “الحزام والطريق” إلى أراضي الدولة الأفغانية؛ وهو الأمر الذي يثير التساؤلات عن مدى نجاح الصين في استكمال مبادرتها، وفي القيام بدور أكثر فعالية مقارنة بواشنطن، لا سيَّما أن الحرب الأهلية تشتد وطأتها في أفغانستان، ومن غير المتوقَّع أن يتحقق سلام طويل الأمد على المدى الزمني القريب.
ومع ذلك، وبالنظر إلى قدرة الصين على التعامل مع أي فصيل سياسي قادم، سواء كانت حركة طالبان أو الحكومة الأفغانية الرسمية، سيكون هناك سيناريوهين، إما أن تنجح بكين في التعامل بصورة أكثر فعالية من واشنطن، أو ستلاقي المصير البائس نفسه الذي لاقته بقية القوى التي حاولت لعب دور في أفغانستان على مدار العقود الماضية.
وإجمالًا، فبالنظر إلى سلوك طالبان العنيف تجاه السكان الأفغان، وتقدمها للسيطرة على مختلف المقاطعات الأفغانية، بالتزامن مع انسحاب القوات الأمريكية والقوات التابعة لحلف الناتو، بجانب التنافس الإقليمي المحموم على كابول، يمكن القول إن الفترة القادمة ستشهد زيادة في معدلات الصراع والعنف بالدولة الأفغانية، وهو ما سيصاحبه انتشار في جماعات الجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات، وزيادة في أعداد اللاجئين والنازحين، وهو بدوره ما سيفرض ضغوطًا أكبر على القوى الإقليمية المجاورة لأفغانستان، مما يعني أن تدخلهم غير المباشر سيتحول إلى صورة أكثر وضوحًا لضبط الأمور في الدولة الأفغانية.