الكونستابل الذي أنقذ سمعة مصرالامين عبد الله حديث مصر وبريطانيا

26

كتب وجدي نعمان

لمصر ابطالها في كل العصور وبطل هذه القصه الرجل الذي أنقذ سمعة مصر ” الكونستابل الامين عبد اللهالكونستابل الأمين عبدالله

الكونستابل كلمة إنجليزية تعنى باللغة العربية الشرطة والمقصود بها تحديدا الشرطة البريطانية وهو فئة من رجال البوليس تقع بين الضباط والمجندين ولتقريب المعني إلي الأذهان تعد الرتبة التى تقابل رتبة الكونستابل فى الجيش هي رتبة الباشجويش وهو لفظ تركى الأصل يعني رأس الجاويشية وقد عرفت مصر هذه المهنة في عام 1901م خلال عهد الخديوى عباس حلمي الثاني وكان يتم إختيار من يعمل بها في هذه الآونة من الأجانب ولكن بعد مرور سنتين وفي عام 1903م تم إنشاء قسم خاص بمدرسة البوليس المصرى لكي يتم إعداد الكونستابلات فيها وكان لابد من توافر بعض الشروط فيمن يريد الإلتحاق به حتى يحظى على هذا اللقب وكان على رأس هذه الشروط الحرفية والتميز والدقة البالغة في طريقة الكتابة والقراءة حتى يتمكن من صياغة المحاضر الخاصة بالمواطنين بدقة لذا كان يشترط علي من يلتحق به أن يكون حاصلا على شهادة إتمام الدراسة الإبتدائية مع إجتياز إمتحان فى المواد الدراسية المقررة بالسنتين الأولى والثانية من التعليم الثانوى وكان الهدف من إنشاء هذا القسم هو تخريج جنود متعلمين مثقفين تمشيا مع حركة النهضة العامة فى البلاد وقد تطور هذا القسم عام 1936م في أواخر عهد الملك فؤاد وأوائل عهد الملك فاروق فبعد أن كانت مهنة الكونستابل مهنة بدون ترقيات أى أنه يظل يعمل بمهنته دون ترقيات ويستمر في رتبته ككونستابل حتي تنتهي خدمته وهو نظام مأخوذ من النظام الإنجليزي تقرر كنوع من التحفيز والتشجيع للكونستابلات فى العمل منحهم الحق والفرصة فى الترقى إلى رتبة ضابط ملازم ومابعدها فى حالة قيامهم بأعمال مهمة أو إجتيازهم إختبارات خاصة ولذا كان عدد المترقين منهم لرتب الضباط محدودا للغاية .

وفي حقيقة الأمر فإن تلك المهنة قد عرفت بأعبائها لتلبية متطلبات المجتمع وتسهيل حياة الناس وحل مشاكلهم كما أنها أيضا تحتاج لمجهود بدني كبير حيث تجبر صاحبها علي التواجد في أماكن محددة دون النظر لطبيعة الطقس سواء في الصقيع والبرد شتاءا أو تحت أشعة الشمس الحارقة صيفا من أجل تقديم خدماته للمواطنين داخل وخارج أقسام الشرطة وتنظيم حركة السير والمرور ومراقبة الحالة الأمنية داخل المدن بشوارعها المزدحمة وخارج المدن في الطرق السريعة حيث كان من مهام الكونستابلات التحرك بدراجاتهم البخارية على الطرق ذهابا وإيابا لضبط المخالفين للقانون والمخالفين لقواعد وآداب المرور وكانت تكفي صفارة الكونستابل لإلزام المخالف بالوقوف على يمين الطريق إنتظارا لتحرير المخالفة أو سحب رخصة القيادة منه وكثيرا ما كان يمكث الكونستابل وراء أكمنة على الطرق السريعة ليظهر فجأة لضبط المخالف الذى كان لا عذر له في إرتكاب أى مخالفة حيث كانت هناك علامات واضحة وبارزة لتنظيم المرور بالشوارع في هذا الزمن القديم كانت عبارة عن عمود كبير من الحجارة يوضع على جانب الطريق لتوضيح إتجاهات السير والمسافات المتبقية إلى المدن والقرى وكانوا يطلقون على هذه الحجارة إسم ملياريس وقد تطورت هذه العلامات المرورية بعد ذلك بمرور الزمن بشكل كبير وكثرت وتعددت العلامات المرورية متعددة الإتجاهات خاصة عند التقاطعات .

ويذكر التاريخ أنه في يوم 6 نوفمبر عام 1944م بزغ نجم أحد الكونستابلات العاملين في البوليس المصرى وأصبح إسمه يتردد علي كل لسان داخل وخارج مصر وهو الكونستابل الأمين عبد الله حينما إستطاع رجلان يهوديان ينتميان إلى منظمة شتيرن الصهيونية الإرهابية هما إلياهو حكيم و إلياهو ميتسورى إغتيال اللورد والتر موين الوزير البريطانى لشئون الشرق الأوسط أمام منزله بشارع حسن صبرى بالزمالك وكان هذا الكونستابل منتدبا فى منطقة الزمالك بدلا من زميل في ذلك اليوم وتمكن من القبض على القاتلين أحياء بعد مطاردتهما لمدة 3 ساعات تقريبا بعد أن سمع صوت طلقات رصاص وإذا به يرى اللورد موين مضرجا فى دمائه بينما يهرب الجناة فور وقوع الحادث فطاردهم بدراجته البخارية وحدث بينه وبينهما تبادل لإطلاق النار فأصيب أحدهما فقام بتسليمه لأحد زملائه بينما عاد مسرعا لمطاردة الآخر على كوبرى أبوالعلا إلى أن أمسك به وتمت محاكمتهما وصدر ضدهما الحكم بالإعدام شنقا وكتبت الصحف يومها عن شجاعة هذا الكونستابل الأمين عبد الله التي أنقذت سمعة مصر حيث كانت تسعى المنظمة الصهيونية الإرهابية المعروفة بإسم شتيرن والتي كان إسمها الفعلي لحمى حيروت إسرائيل أو المحاربون من أجل حرية إسرائيل والتي كان ينتمي إليها الجناة لخلق حاله من الفوضى والإنفلات الأمنى بمصر وإحراج مصر حرجا بالغا أمام بريطانيا وقد نال هذا الكونستابل بسببها نوط الجدارة الفضى من الملك فاروق وتمت ترقيته من رتبة كونستابل أو شاويش إلى ضابط برتبة الملازم وقد قدمت الحكومة البريطانية له دعوة لحضوره شخصيا إلى إنجلترا لتكريمه في مجلس العموم البريطاني ولكن الملك فاروق قابل طلبها بالرفض خوفًا من أن يتم إغتياله حيث هناك إحتمال كبير أن يكون صيدا سهلا للجماعات البريطانية اليهودية المتطرفة .

وجدير بالذكر أن إسم شتيرن الذى إشتهرت به المنظمة التي كان ينتمي إليها قتلة اللورد موين كان نسبة إلي الإرهابي الصهيوني إبراهام شتيرن الذى إنشق عن منظمة الأرجونزفاى التي كان من زعمائها مناحم بيجين رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي الأسبق عام 1940م وكانت منظمة شتيرن تميل إلى العمل المستقل بعيدا عن وصاية المنظمة الصهيونية العالمية وكانت تفضل إستمرار الحرب ضد قوات الإنتداب البريطانى في فلسطين وكان إبراهام شتيرن قد لقى مصرعه على يد القوات البريطانية عام 1942م فقرر أنصاره فى المنظمة التخطيط لإغتيال الوزير البريطانى المقيم لشؤون الشرق الأوسط اللورد موين فى قلب القاهرة إنتقاما وثأرا لمقتل شتيرن وأيضا بسبب إعتقادهم أن اللورد موين يناصر الفلسطنيين ونجحوا بالفعل في ذلك وبعد نجاح هذه العملية قامت هذه المنظمة بالكثير من أعمال العنف والإغتيالات فى فلسطين إبان فترة الإنتداب البريطانى ومنها إغتيال الوسيط الدولي الكونت برنادوت التابع لمنظمة الأمم المتحدة فى شهر سبتمبر عام 1948م ويذكر أنه كان من زعماء هذه المنظمة رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أيضا إسحق شامير .

وقد تم إختيار الكونستابل الأمين عبد الله بعد نجاحه في القبض علي قتلة اللورد موين وترقيته إلي رتبة الملازم للقيام بمهمة الحراسة الشخصية لكبار الزوار والشخصيات المهمة التى كانت تزور مصر في النصف الثاني من الأربعينيات من القرن العشرين الماضي ومن سخرية القدر أنه بعد ذلك وبعد قيام ثورة يوليو عام 1952م تم إنهاء خدمته في البوليس المصرى وتم توجيه تهمة غريبة له بأنه يتخابر مع جهة أجنبية ضد مصلحة مصر وقد قام المهندس عثمان أحمد عثمان صاحب شركة المقاولون العرب بنكريمه على طريقته الخاصة فعينه فى شركته كقائد حرس وقد جسدت السينما المصرية قصة إغتيال اللورد موين والقبض علي قاتليه في فيلم جريمة في الحي الهادئ الذى تم إنتاجه عام 1967م من إخراج الراحل حسام الدين مصطفي وبطولة رشدى أباظة ونادية لطفي وسهير المرشدى وزوزو نبيل وسناء مظهر ونظيم شعراوى وزين العشماوى ورشوان توفيق وقد تم الإستعانة بالأمين عبدالله ليمثل بنفسه مشهد مطاردة القتلة والقبض عليهما في الفيلم .

وفى عام 1967م قرر وزير الداخلية حينذاك شعراوى جمعة إلغاء نظام الكونستابلات وإستبداله بمسميات أخرى كان على رأسها أمين الشرطة وإن ظل لقب الكونستابل يطلق أحيانا وحتى الآن على بعض رجال المرور من خلال كبار السن من جماهير الشعب المصرى وعلي ذلك تم إنشاء معهد خاص تمت تسميته معهد أمناء الشرطة بمنطقة طرة البلد جنوبي محافظة القاهرة وكان الغرض من إنشاء هذا المعهد إعداد رجال شرطة على قدر عال من التعليم والثقافة والمسئولية حيث كان من أسس الإلتحاق به أن يكون الطالب الذى يريد الإلتحاق به حاصلا على شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها وأن تكون مدة الدراسة بهذا المعهد عامين يدرس الطالب خلالهما المواد الشرطية والحقوقية ويتم بعدهما تخرجه كأمين شرطة ثالث ثم يترقي بعد 5 سنوات تقريبا إلي أمين شرطة ثان ثم بعد 5 سنوات أخرى يترقي إلي أمين شرطة أول ويظل في هذه الرتبة 5 سنوات أخرى وبذلك يكون قد مر على خدمته بجهاز الشرطة 15 عاما وبعد ذلك يمكن ترقيته إلي رتبة ملازم شرطة بشرط أن يكون على كفاءة عالية جدا مقارنة بضباط الشرطة خريجي كلية الشرطة حديثي التخرج الذين يكونون في نفس الرتبة .