المتفرد في اللفظ والمعني القرآن الكريم الجزء الثاني

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فما من كتاب ألف قديماً أم حديثاً إلا وأضيف إليه بالتعديل أو المناقشة أو التبديل .. إلخ
أو حذف منه لطوله ، أو أسقط منه أو رد عليه ..إلخ.

إلا القرآن الكريم كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

هذا الكتاب الذي جعله الله منار الهداية وقوام الرسالة الذي به تتضح الأمور ويزول الإشكال ويزال الوهم والزيغ من قلوب المهتدين

سبحان من هذا كلامه وبيانه وكتابه.

ويكفي أن إعجازه لم ينقطع بنهاية زمان نزوله كما هو حال معجزات الأنبياء التي كانت موقتة بزمانهم ورسالتهم.

بل لا تنقض عجائبه ، ولا تفرغ معجزاته وآياته.

لم يجد كشأن الحق دائماً من يلقنوا الحجة بمثلها إلا المراوغة أو إصدار الاتهامات قديماً وحديثاً كما هم في كل عصر ومصر .

فمنهم من قال ” ان الله ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة، بل هو كسائر الكتب المنزلة لبيان الاحكام من الحلال والحرام.
والعرب إنما يعارضوه، لان الله تعالى صرفهم عن ذلك ، وسلب علومهم به “

وذهب هشام الفوطى، وعباد بن سليمان إلى أن القرآن لم يجعل علما للنبى ﷺ وهو عرض من الأعراض، والأعراض لا يدل شئ منها على الله ولا على نبوة النبي ﷺ.

وكان ذلك وغيره من أقوال أئمتهم، منبعا غزيرا للقول في إعجاز القرآن وقد انبرى كثير منهم للرد على من أنكر إعجازه جملة، كأبى الحسين الخياط وأبى على الجبائى، اللذين نقضا على ” ابن الراوندي ” كتابه ” الدامع ” الذى طعن فيه على نظم القرآن وما يحتويه من المعاني، وقال: إن فيه سفها وكذبا وكذلك رد كثير منهم على من خالف عن قول جماعتهم: بأن تأليف القرآن ونظمه معجز، وأنه علم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كالجاحظ الذى رد على النظام رأيه في الصرفة، في كتاب: ” نظم القرآن “.

وقد ألف الجاحظ رحمه الله كتابه في الاحتجاج لنظم القرآن وغريب تأليفه، وبديع تركيبه، على حد قوله في مقدمة كتاب الحيوان.
وهو من كتبه الضائعة.

، وقد أشار إليه الباقلانى في إعجاز القرآن، إذ يقول في (ص 7):

” وقد صنف الجاحظ في نظم القرآن كتابا لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى ” وأخشى أن يكون الباقلانى قد حاف في حكمه على نظم القرآن، وحملته العصبية المذهبية على تنقصه.

، فقد وصف الجاحظ نظم القرآن في كتابه ” حجج النبوة “
حيث يقول في (صفحة 147 )مخاطبا من كتب له الكتاب:
” وفهمت – حفظك الله – كتابك الاول، وما حثثت عليه من تبادل العلم، والتعاون على البحث والتحاب في الدين، والنصيحة لجميع المسلمين.

، وقد قلد الجاحظ رحمه الله في هذه التسمية أبو بكر: عبد الله بن أبى داود السجستاني،
المتوفى سنة 316 في كتابه: ” نظم القرآن “.
وأبو زيد البلخى: أحمد بن سليمان، المتوفى سنة 322 هـ .

، قال أبو حيان في كتاب ” البصائر والذخائر “: قال أبو حامد القاضى: لم أر كتابا في القرآن مثل كتاب لابي زيد البلخى، وكان فاضلا يذهب في رأى الفلاسفة، لكنه تكلم في القرآن بكلام لطيف دقيق في مواضع، وأخرج سرائره وسماه: ” نظم القرآن ” ولم يأت على جميع المعاني فيه.

، وكذلك أبو بكر: أحمد بن على، المعروف بابن الاخشيد، المعتزلي، المتوفى سنة 36 هـ، فإنه قد ألف كتابا أسماه: ” نظم القرآن “.
وأول كتاب يشتمل عنوانه على كلمة الإعجاز هو كتاب: ” إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه ” لأبي عبد الله: محمد بن يزيد الواسطي، المعتزلي، المتوفى سنة 306 هـ.
، وهو من الكتب التى لا يعرف عنها غير أسمائها المجردة.
وقد بقى من الكتب المؤلفة في القرن الرابع عن إعجاز القرآن، ثلاثة كتب.
أولها: كتاب الرماني، وثانيها: كتاب الخطابى، وثالثها: كتاب الباقلانى.
و إعجاز القرآن للرماني: ولد أبو الحسن: على بن عيسى الرماني المعتزلي في سنة 276، ومات سنة 384 وكان يعرف أيضا بالاخشيدى، نسبة إلى أستاذه ابن الاخشيد، وبالوراق، لانه كان يحترف الوراقة.

، وقال عنه ياقوت في معجم الادباء 24 / 74: ” كان إماما في علم العربية، علامة في الادب، في طبقة أبى على الفارسى، وأبى سعيد السيرافى وله تصانيف في جميع العلوم: من النحو واللغة والنجوم والفقه والكلام، على رأى المعتزلة.
وكان يمزج كلامه في النحو بالمنطق، حتى قال أبو على الفارسى: إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شئ، وإن كان ما نقوله نحن، فليس معه منه شئ “.

، وقال عنه أبو حيان التوحيدي في الامتاع والمؤانسة 1 / 133: ” وأما على بن عيسى فعالى الرتبة في النحو واللغة والكلام والعروض والمنطق، وعيب به، لانه لم يسلك طريق واضح المنطق، بل أفرد صناعة، وأظهر براعة وقد عمل في القرآن كتابا نفيسا.
هذا مع الدين الثخين، والعقل الرصين ” وقال عنه في تقريظ الجاحظ، كما قال ياقوت، في معجم الادباء 14 / 76 -: ” لم ير مثله قط..علما بالنحو، وغرازة في الكلام، وبصرا بالمقالات، واستخراجا للعويص، وإيضاحا للمشكل، مع تأله وتنزه ودين ويقين، وفصاحة وفقاهة وعفافة ونظافة “

والكتاب النفيس الذى أشار التوحيدي إليه، هو كتاب: ” الجامع لعلم القرآن ” وقد ذكره الرماني في إعجاز القرآن.

بدأ الرماني كتابه ببيان وجوه إعجاز القرآن، فقال: إنها تظهر من سبع جهات وهى: ترك المعارضة مع توفر الدواعى وشدة الحاجة، والتحدى للكافة والصرفة، والبلاغة، والاخبار الصادقة عن الامور المستقبلة، ونقض العادة وقياسه بكل معجزة.

، ثم قسم البلاغة وقد تم تقسيمه إلى ثلاث طبقات، وقال: إن ما كان في أعلاها معجز، وهو بلاغة القرآن.

، ثم عرف البلاغة بأنها إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، وأعلاها طبقة في الحسن بلاغة القرآن.

ثم قسم البلاغة إلى عشرة أقسام، وهى:
الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل والتجانس والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان.
ثم فسرها بابا ، بابا، على ترتيبها تفسيرا وافيا شافيا.
فهو – مثلا – عند ما عرض لباب الاستعارة عرفها، وفرق بينها وبين التشبيه.
ثم بين أركانها، وقال: إن كل استعارة حسنة توجب بلاغة بيان لا تنوب منابة الحقيقة، وذلك أنه لو كان يقوم مقامه كانت الحقيقة أولى به، ولم تجز الاستعارة.

، ثم ذكر ما جاء في القرآن من الاستعارة على جهة البلاغة، وبدأ بقول الله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فجعلناه هباء منثورا)
، فقال: ” حقيقة،، قدمنا،، هنا: عمدنا و ” قدمنا ” أبلغ منه لانه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم من سفر، لانه من أجل إمهاله لهم كمعاملة الغائب عنهم، ثم قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم.
وفى هذا تحذير من الاغترار بالامهال.
والمعنى الذى يجمعهما العدل، لان العمد إلى إبطال الفاسد عدل، والقدوم أبلغ لما بينا ” وجملة الآيات التى ذكرها في هذا الباب على ذلك النحو العظيم – أربع وأربعون آية.

، وبعد أن فرغ الرماني من تفسير أبواب البلاغة العشر، عاد إلى البيان عن الوجوه السبعة التى ذكرها في أول الكتاب، وقال: إنها مظاهر إعجاز القرآن.
[ إعجاز القرآن للباقلاني]

فأبان عن أوجه دلالتها على الاعجاز.
ويعنينا أن نذكر هنا ما قاله عن توفر الدواعى، و ” الصرفة ” لما للاولى من دلالة خاصة، ولاهمية الثانية.
قال: ” وأما توفر الدواعى فتوجب الفعل مع الامكان لا محالة، في واحد كان أو جماعة.
والدليل على ذلك أن إنسانا لو توفرت دواعيه إلى شرب الماء بحضرته، من جهة عطشه واستحسانه لشربه، وكل داع يدعو إلى مثله، وهو مع ذلك ممكن له، فلا يجوز أن لا يقع شربه منه حتى يموت عطشا لتوفر الدواعى على ما بينا.
فإن لم يشربه مع توفر الدواعى له دل ذلك على عجزه عنه، فكذلك توفر الدواعى إلى المعارضة على القرآن لما لم تقع المعارضة دل ذلك على العجز عنها “
وقال عن الصرفة: ” وأما الصرفة فهى صرف الهمم عن المعارضة.
وعلى ذلك يعتمد بعض أهل العلم في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن معارضته وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التى دلت على النبوة.
وهذا أحد وجوه الاعجاز التى تظهر منها للعقول ” وختم كتابه بالاجابة عن سؤال أورده، فقال: ” فإن قيل: فلم اعتمدتم على الاحتجاج بعجز العرب دون المولدين، وهو عندكم معجز للجميع، مع أنه يوجد للمولدين من الكلام البليغ شئ كثير؟ قيل له: لان العرب كانت تقيم الاوزان والاعراب بالطباع، وليس في المولدين من يقيم الاعراب بالطباع كما يقيم الاوزان بالطباع، والعرب على البلاغة أقدر لما بينا من فطنتهم لما لم يفطن له المولدون من إقامة الاعراب بالطباع.
فإذا عجزوا عن ذلك فالمولدون عنه أعجز ” وقد ذهب الرماني إلى نفى السجع من القرآن، وتسمية ما فيه من ذلك فواصل لان الاسجاع عيب، والفواصل بلاغة، لان الفواصل تابعة للمعانى، وأما الاسجاع فالمعاني تابعة لها، وهو قلب ما توجبه الحكمة في الدلالة.
أعجاز القرآن للخطابي: ولد أبو سليمان: حمد بن محمد بن ابراهيم بن الخطاب البستى سنة 319 وتوفى سنة 388 هـ وهو من أعلام الفكر الاسلامي في القرن الرابع الذين امتازت كتبهم
بغزارة المادة، وعمق الفكرة، ودقة الاستنباط وروعة البيان، وظهرت فيها شخصيتهم واضحة المعالم، بينة القسمات.

وكل العلماء قد كرسوا جهودهم وأمضوا أوقاتهم في خدمة كتاب الله تعالى ويا لذلك من شرف مروم يعلوا حتي يصل النجوم.

القرآن الكريم مأدبة الله ، كتاب العلم والهداية، وبه أسس النجاح والفلاح من تمسك به كان من الناجين في الدنيا والآخرة.
للحديث بقية (يتبع إن شاء الله).