المتفرد في اللفظ والمعني القرآن الكريم الجزء الثالث

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: 

فما من كتاب ألف قديماً أم حديثاً إلا وأضيف إليه بالتعديل أو المناقشة أو التبديل .. إلخ

أو حذف منه لطوله ، أو أسقط منه أو رد عليه ..إلخ.

إلا القرآن الكريم كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

هذا الكتاب الذي جعله الله منار الهداية وقوام الرسالة الذي به تتضح الأمور ويزول الإشكال ويزال الوهم والزيغ من قلوب المهتدين 

سبحان من هذا كلامه وبيانه وكتابه.

ويكفي أن إعجازه لم ينقطع بنهاية زمان نزوله كما هو حال معجزات الأنبياء التي كانت موقتة بزمانهم ورسالتهم.

بل لا تنقض عجائبه ، ولا تفرغ معجزاته وآياته.

لم يجد كشأن الحق دائماً من يلقنوا الحجة بمثلها إلا المراوغة أو إصدار الاتهامات قديماً وحديثاً كما هم في كل عصر ومصر .

، ومن كتب الإمام الخطابى رحمه الله الجليلة: كتاب ” غريب الحديث ” و ” معالم السنن في شرح سنن أبى داود ” و ” أعلام السنن في شرح البخاري ” وإعجاز القرآن ” وهو أصغرها حجما.

بدأ الخطابى كتابه بقوله: ” قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديما وحديثا، وذهبوا فيه كل مذهب من القول، وما وجدناهم – بعد – صدروا عن رى، وذلك لتعذر معرفة وجه الاعجاز في القرآن، ومعرفة الامر في الوقوف على كيفيته ” 

، ثم عرض للأقوال التى قيلت قبله في وجوه الاعجاز، وبدأ برأى القائلين بأن النبي صلى الله عليه وسلم، قد تحدى العرب قاطبة بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عنه، وانقطعوا دونه.

وعقب عليه بقوله: “ وهذا – من وجوه ما قيل فيه – أبينها دلالة، وأيسرها مؤونة، وهو مقنع لمن لم تنازعه نفسه مطالعة كيفية وجه الاعجاز فيه.

ثم ثنى برأى القائلين بأن العلة في إعجازه ” الصرفة ” أي صرف الهمم عن المعارضة، وإن كانت مقدورا عليها، غير معجوز عنها، إلا أن العائق من حيث كان أمرا خارجا عن مجارى العادات – صار كسائر المعجزات.

، وعلق عليه بقوله: “ وهذا أيضا وجه قريب، إلا أن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهى قوله سبحانه: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) .

، فأشار في ذلك إلى أمر طريقه التكلف والاجتهاد، وسبيله التأهب والاحتشاد، والمعنى في الصرفة التى وصفوها لا يلائم هذه الصفة فدل على أن المراد غيرها ” ثم ذكر رأى الطائفة التى زعمت أن إعجازه إنما هو فيما تضمنه من الاخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان، وصدقت أقوالها مواقع أكوانها.

ثم نقده بقوله: ” ولا يشك في أن هذا وما أشبهه من أخباره، نوع من أنواع إعجازه، ولكنه ليس بالامر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن.

وقد جعل سبحانه في صفة كل سورة أن تكون معجزة بنفسها، لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثلها.

، فقال: (فَأتُواْ بِسُورَةٍ مِن مِّثْلِهِ، وَادْعُواْ شَهدَاءَكُمِ مِنْ دون الله إن كنتم صادقين) من غير تعيين.

فدل على أن المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه ” ثم ذكر الرأى الرابع الذى ذهب إليه الاكثرون من علماء أهل النظر، وهو أن إعجازه من جهة ” البلاغة ” وقال: ” ووجدت عامة أهل هذه المقالة، قد جروا في تسليم هذه الصفة للقرآن على نوع من التقليد، وضرب من غلبة الظن، دون التحقيق له، وإحاطة العلم به.

، ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التى اختص بها القرآن، وعن المعنى الذى يتميز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة – قالوا: لا يمكننا تصويره، ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام: وإنما يعرفه العالمون به عند سماعه ضربا من المعرفة، لا يمكن تحديده.

، وأحالوا على سائر أجناس الكلام الذى يقع فيه التفاضل، فتقع في نفوس العلماء به – عند سماعه – معرفة ذلك، ويتميز في أفهامهم قبيل الفاضل من المفضول منه.

وقد يخفى سببه عند البحث، ويظهر أثره في النفس، حتى لا يلتبس على ذوى العلم والمعرفة به.

، وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع، وهشاشة في النفس، لا يوجد مثلها لغيره، والكلامان معا فصيحان، ثم لا يوقف لشئ من ذلك على علة ” ثم عقب الخطابى على ذلك بقوله: ” وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشفى من داء الجهل به، وإنما هو إشكال أحيل به على إبهام ” ثم ذكر أن دقيق النظر، وشاهد العبر، قد دلاه على ما يباين به القرآن سائر الكلام، وأن العلة في ذلك: ” أن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية.

فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز المطلق الرسل.

وهذه أقسام الكلام الفاضل.

فالقسم الاول أعلى طبقات الكلام وأرفعه، والقسم الثاني أوسطه وأقصده،

والقسم الثالث أدناه وأقربه.

فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الاقسام حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الاوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة.

وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادين، لان العذوبة نتاج السهولة، والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة.

، فكان اجتماع الامرين في نظمه – مع نبو كل واحد منهما عن الآخر – فضيلة خص بها القرآن ” ثم قال: ” وإنما تعذر على البشر الاتيان بمثله، لامور: منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية، وبأوضاعها التى هي ظروف المعاني، والحوامل لها.

، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الاشياء المحمولة على تلك الالفاظ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التى بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتوصلوا باختيار الافضل عن الاحسن من وجوهها، إلى أن يأتوا بكلام مثله.

وإنما يقوم الكلام بهذه الاشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى قائم به، ورباط لهما ناظم.

وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الامور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئا من الالفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه.

وأما المعاني فلا خفاء على ذى عقل أنها هي التى تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها، والترقى إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها.

وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه، فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، الذى أحاط بكل شئ علما، وأحصى كل شئ عددا.

فتفهم الآن، واعلم أن القرآن أنما صار معجزا لانه جاء بأفصح الالفاظ، في أحسن نظوم التأليف، مضمنا أصح المعاني: من توحيد له – عزت قدرته 

وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته: من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف، ونهى عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الاخلاق، وزجر عن مساويها.

واضعا كل شئ منها موضعه الذى لا يرى شئ أولى منه، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه، مودعا أخبار القرون الماضية، وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم، منبئا عن الكوائن المستقبلة في الاعصار الباقية من الزمان، جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب

[ إعجاز القرآن للباقلاني]

وكل العلماء قد كرسوا جهودهم وأمضوا أوقاتهم في خدمة كتاب الله تعالى ويا لذلك من شرف مروم يعلوا حتي يصل النجوم.

القرآن الكريم مأدبة الله ، كتاب العلم والهداية، وبه أسس النجاح والفلاح من تمسك به كان من الناجين في الدنيا والآخرة.

للحديث بقية (يتبع إن شاء الله).